إقتصادالاحدث

ماذا يَحمُلُ العامُ الجديدُ إلى العالم: أزمات أم حلول؟ | بقلم غابي طبراني

يمرُّ الاقتصادُ العالمي بنقطةِ انعطاف، حيث تقوم الحكومات بإلغاء برامج الإغاثة الخاصة بفيروس كوفيد -19، فيما تتصاعد التوترات السياسية، ويصل التضخّم إلى رقمٍ مزدوج في العديد من البلدان. هل هناك أزمة في طور التكوين؟

في الأشهر الأخيرة من العام 2022، خَفّضت منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) إنتاج النفط بمقدار مليونَي برميل يوميًا، وفرضت وزارة التجارة الأميركية ضوابط تصدير على “أشباه الموصلات” (Semiconductors) المُتَّجهة إلى الصين، وشدّدت سلسلةٌ من البنوك المركزية السياسة النقدية لترويض التضخّم. هذه الأحداث مُجتمِعةً تُشكِّلُ جُزءًا من خطوةِ تغييرٍ أوسع نحو حقبةٍ اقتصادية جديدة من تجدّد الجغرافيا السياسية، ونهاية الأموال الرخيصة، وتزايد انعدام أمن الطاقة والموارد.

ستَكشُفُ الأشهرُ الـ12 المقبلة الاتجاهات الناشئة في هذا الاقتصاد السياسي العالمي الجديد، على الرُغم من أنها ستتأثّر بخلفيةٍ اقتصاديةٍ مُتَدَهوِرة. “بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي، فهو سيشهد درجاتٍ مختلفة من الركود. نعتقد أن هناك فرصةً بنسبة 70٪ لانزلاق الولايات المتحدة إلى ركودٍ معتدل. [من المحتمل] أن يكون السيناريو أكثر حدّة بالنسبة إلى المملكة المتحدة ومنطقة اليورو. إن العام المقبل سيكون مليئًا بالتحديات”، قالت “لين لي”، رئيسة أبحاث الأسواق العالمية لآسيا في مجموعة ميتسوبيشي المالية اليابانية “Mitsubishi UFJ Financial Group“.

ولكن حتى في الوقت الذي يطارد الركود بعض أكبر الأسواق في العالم، فإن سياسات القوى العظمى ستضخّ نفسها في شريان حياة التجارة الدولية والاستثمار والتمويل بطريقة لم نشهدها منذ أيام الاتحاد السوفياتي. نتيجةً لذلك، ستظهر المخاطر الجيوسياسية باعتبارها السِمة الأكثر وضوحًا لهذا المشهد الناشئ.

“نحنُ في حقبةٍ جديدة، وقنوات الثقة والتقلّب [في الاقتصاد العالمي] تضمّ الآن العديد من العناصر الإضافية. سيتم تضخيم دور الجغرافيا السياسية على أساس هيكلي خلال السنوات المقبلة”، يقول غولام باليم، كبير الاقتصاديين في “ستاندرد بنك”، أكبر مصرف في أفريقيا من حيث إجمالي الأصول.

يُعتَبَرُ الغزو الروسي لأوكرانيا والفَصلُ المُتسارِعُ بين اقتصادَي الولايات المتحدة والصين من أوضح الأمثلة على هذا الاتجاه. لكن الدليلَ على هذا التحوّلِ موجودٌ في مكانٍ آخر. من الرياض إلى جاكرتا، يقوم عددٌ مُتزايدٌ من قوى الأسواق الناشئة برسم مساره الخاص عبر هذه التضاريس السياسية الجديدة من خلال عرض طموحاته بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي. في تشرين الأول (أكتوبر)، أعلن وزير الإستثمار الإندونيسي، “بَهليل لحدالية”، أن أكبر اقتصاد في جنوب شرق آسيا كان يبحث في إنشاء “كارتل” على غرار أوبك لمُنتِجي معادن البطاريات الرئيسة.

وبالمثل، رفض ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الدعوات الأميركية لزيادة إنتاج النفط في تشرين الأول (أكتوبر)، وبدلًا من ذلك، تقدّمَ –بالشراكة مع نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك– بتخفيضاتٍ شاملة لإنتاج النفط كجُزءٍ من مجموعة دول “أوبك +”. تَعكُسُ هذه التحرّكات، وغيرها، أيضًا تزايدَ انعدامِ أمن الطاقة والموارد الذي سُيصيب العالم في المَدَيَين القريب والمتوسط.

إرتفاعُ الضغط

بينما أدّت الحرب في أوكرانيا إلى إجهادِ أسواق الطاقة في جميع أنحاء أوروبا وقطعت إمدادات الهيدروكربونات من موسكو إلى الغرب، كانت الضغوطُ تتصاعد في أماكن أخرى من أسواق السلع الأساسية. ويرجع ذلك إلى النقصِ الهائل في الاستثمار في مصادر جديدة للمعادن، فضلًا عن حقول النفط والغاز، وهو اتجاهٌ لا يُظهِرُ مؤشّرات تُذكَر إلى التغيير خلال العام المقبل. إن المخاوف تزداد من أنه مع محدودية الإمدادات الجديدة من السلع الأساسية والوقود، يمكن أن ترتفع الأسعار أكثر في العام 2023 وتستمر إلى ما بعده.

الواقع أنَّ هذه الديناميكيات تتعارض مع التوتّرات السياسية وضغوط تغيّر المناخ وتحوّل الطاقة الخضراء، من بين قضايا أخرى، لتحفيزِ دفعةٍ تضخّمية أعمق وأكثر هيكلية عبر الاقتصاد العالمي. “هناك إدراكٌ بأننا على الأرجح ندخل حقبةً سيكون فيها التضخّم أعلى مما كان عليه خلال الأربعين عامًا الماضية، بشكلٍ أساسي منذ منتصف الثمانينيات الفائتة”، يقول “تشوا هاك بين”، الرئيس المشارك الإقليمي لأبحاث الماكرو في “ماي بنك” (Maybank).

علاوة على ذلك، فإن النظام الاقتصادي العالمي الذي نشأ حول النمو الاقتصادي القائم على الصادرات الصينية والاستهلاك الأميركي –الذي أطلق عليه الاقتصاديان موريتز شولاريك ونيال فيرغسون “شيمريكا” (Chimerica)– والذي ساعد على السيطرة على التضخم العالمي، يقترب من نهايته. يمكن ملاحظة ذلك في إعادة التشكيل التدريجي لسلاسل الإنتاج والإمداد، حيث أخذت الشركات التغيير في مساراتها وسط تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة والصين واستجابة بكين الصارمة لوباء كوفيد-19.

ومن المتوقّع أن تتسارع عملية “تكوين الصداقات”، التي يتم فيها تنويع عمليات التصنيع والإمداد تدريجًا للتخفيف من المخاطر السياسية، في العام 2023. وقد بدأت أسواقٌ عدة، وعلى الأخص الهند، الظهور كمستفيدة من هذا الاتجاه. وقد وقّعت مجموعةٌ من الشركات الدولية الكبرى، بما فيها “ألفابي” (Alphabet) في الولايات المتحدة، اتفاقات تصنيع مع منتجي الإلكترونيات الهنود، في ما يُوصَفُ بأنه رهانٌ ضد المخاطر السياسية الناشئة من الصين.

يقول تشوا من “ماي بنك”: “كانت الصين مَصنَعَ العالم منذ انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية [في العام 2001]؛ وكانت هناك قصصٌ ومقالات عن أن الصين تُصدّر الانكماش إلى بقية العالم. الآن هناك انعكاسٌ لذلك. نحن نشهد تفكّكَ سلاسل التوريد هذه. ويتمُّ الاستثمار في المصانع ونقلها ليس إلى حيث تكون أرخص، ولكن حيث تكون أكثر مرونة. إنها عملية تكوين صداقات وهي [حول التنويع، وعمليات التصنيع] يتم نقلها إلى حيث يكون ذلك منطقيًا لأسباب تتعلق بالأمن القومي، على سبيل المثال”.

ويضيف: “هذا جُزءٌ كبير من قصة [التضخّم]، وهذا التشعّب والتقسيم للاقتصاد العالمي [يعني] أن كل شيء سيصبح أغلى قليلًا. كما إن عائد السلام قد انتهى”.

التضخّم يقفز

لكن هذه التغييرات الهيكلية ليست المُحرّك الوحيد للتضخّم في بعض أكبر الأسواق في العالم. في الولايات المتحدة، تلعب الضغوط التي يقودها الطلب أيضًا دورًا كبيرًا، وفقًا لبحثٍ أجراه بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. كان معدل التضخّم العام والأساسي مرتفعًا بعناد في أيلول (سبتمبر)، عند 8.2٪ و6.6٪ على التوالي – بعيدًا من النطاق المُستَهدَف للاحتياطي الفيدرالي.

على الرغم من تحوّلِ الجدل الكبير حول التضخّم من المناقشات حول هذه الاتجاهات باعتبارها “انتقالية” إلى ما إذا كان التضخّمُ “بلغ ذروته” مع الانتقال إلى العام 2023، فإن العديد من أصوات السوق يُشكّكُ في أن التضخم في الولايات المتحدة سيعود إلى طبيعته بسرعة. وزير الخزانة الأميركي السابق، لورانس سَمَرز، الذي كان يدق ناقوس الخطر بشأن التضخّم بدِقّةٍ مُذهلة على مدى السنوات القليلة الماضية، لاحظ أخيرًا بأن “التاريخ يُشيرُ إلى أنه بمجرّد حدوث تضخّمٍ مرتفع، فمن الصعب للغاية إيقافه. الغالبية العظمى من الجهود لوقف التضخم قد فشلت في الاقتصادات الصناعية”.

تُشاطِرُ “لي” من مجموعة ميتسوبيشي المالية وجهة نظر سَمَرز بشأن التوقّعات التضخّمية للولايات المتحدة، وكذلك منظور بعض الاقتصادات المتقدمة الأخرى. وتقول: “أعتقد أنه في العام المقبل، قد يكون التضخّم عنيدًا تمامًا [في بعض الأسواق]. وفي ما يتعلق بفعالية السياسة النقدية في احتواء التضخم، توجد أيضًا علامة استفهام لأن هناك قضايا النقص في العرض وعوامل هيكلية تزيد من تعقيد المشكلة”.

في منطقة اليورو، حطّم التضخّم التوقعات في تشرين الأول (أكتوبر)، حيث وصل إلى 10.7٪ من 9.9٪ في أيلول (سبتمبر)، وهو أعلى مستوى في تاريخ العملة المُوَحَّدة. بالنسبة إلى الجُزء الأكبر، يُمكِنُ أن يُعزى ذلك إلى صدمات العرض الناجمة عن الحرب في أوكرانيا، وهي أزمة من المُحتَمَلِ أن تستمرَّ حتى العام 2023. وفي أماكن أخرى، بما فيها في المملكة المتحدة وأوستراليا، يبدو أن ارتفاع التضخم ينشأ من مزيجٍ من العرض و العوامل القائمة على الطلب.

تشديد السياسات

هذه التوقّعات التضخمية للاقتصادات المتقدمة ستُقدّم لصانعي القرار في السياسة النقدية مجموعةً صعبة من الخيارات في العام 2023. وتشير العقود الآجلة لأسعار الفائدة إلى أن بنك الاحتياطي الفيدرالي قد يرفع سعر سياسة الفائدة الرئيسة بما يقرب من 5٪، بينما تضع توقّعات السوق سعر الفائدة النهائي للبنك المركزي الأوروبي بين 2٪ و3٪ في العام 2023. في أوستراليا، تُشيرُ العقود الآجلة لأسعار الفائدة النقدية إلى أن معدل فائدة بنك الاحتياطي الأوسترالي سيصل إلى 4٪ بحلول المراحل الختامية من العام.

الآثار المترتبة على هذا الموقف السياسي المُتَغَيِّر -مُقتَرِنةً في بعض الحالات بالتشديد الكمّي– ستكون لها آثار بعيدة المدى. أوّلًا، تؤكد أن عصر “الأموال الرخيصة” قد انتهى، حيث يُمثّل العام 2023 نقطةَ تحوّلٍ حاسمة. من المحتمل أن تصل البنوك المركزية الرائدة إلى معدلاتها النهائية على مدار العام وتحتفظ بها هناك لفترة أطول. على الرغم من أن الأسواق المالية تتوقع أن تنخفض أسعار الفائدة بعد ذلك في العام 2024، باستثناء إذا حصل حدثٌ اقتصادي أو سوقي كارثي، يبدو أنه من غير المحتمل أن تتحقّق العودة إلى الظروف شديدة التساهل التي كانت سائدة في السنوات الأخيرة.

بالنسبة إلى بعض البلدان، سيكون هناك ثمنٌ باهظٌ يجب دفعه مقابل ظروف السياسة النقدية المُتَغَيِّرة هذه. على وجه الخصوص، تُعَدُّ التوقعات لأسواق الإسكان الرئيسة في العام 2023 مدعاةً للقلق. يُوضّحُ مثال أوستراليا هذه النقطة جيدًا. في الربع الثاني من العام 2022، بلغت القيمة الإجمالية لسوق المساكن السكنية في أوستراليا ما يزيد قليلًا عن 10 تريليونات دولار أوسترالي (6.46 تريليون دولار أميركي)، استنادًا إلى بيانات من مكتب الإحصاء في البلاد، مقابل حجم الاقتصاد الوطني الذي يزيد قليلًا عن 2.5 تريليوني دولار أوسترالي.

من أجل أن تصل التقييمات إلى هذه الارتفاعات المُذهِلة، حَمّلَ الأوستراليون أنفسهم بثاني أعلى مستويات ديون الأسرة في العالم، والتي ستخضع الآن لبيئة أسعار فائدة أعلى بكثير. ستظهر اتجاهات مماثلة في كندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية وأجزاء من منطقة اليورو، التي اعتادت أسواق الرهن العقاري فيها على بيئات أسعار الفائدة المتدنية للغاية، حيث ستكافح وتُعاني مع الارتفاع السريع في تكاليف الاقتراض. الآثار المترتبة على ذلك في العالم الحقيقي واضحة أصلًا: إنخفضت أصول الرهن العقاري لبنك “ويلز فارغو” (Wells Fargo) بنسبة 90٪ في الربع الرابع من العام 2022 ، وفقًا لتقرير صادر عن محطة “سي أن بي سي” (CNBC).

دولار قوي

في الوقت نفسه، من المرجح أن يتم الحفاظ على قوة الدولار الأميركي خلال العام 2023 حيث سيظل الاحتياطي الفيدرالي ملتزمًا بمكافحة التضخّم. ستضمن تأثيرات هذا الموقف السياسي المُتشدّد، إلى جانب مكانة الدولة كمُصدّرٍ صافٍ للطاقة، استمرار تأثير الدولار على الاقتصاد العالمي خلال الأشهر الـ 12 المقبلة. كما يمكن أن تُجبَرَ البنوك المركزية في جميع أنحاء العالم على الدفاع عن عملاتها مع استمرار الاحتياطي الفيدرالي في المحافظة على ارتفاع العملة الخضراء.

يقول غريغوري كلايس، الزميل الأول في مركز الفكر الاقتصادي “بروغال” في بروكسل: “يقوم الاحتياطي الفيدرالي بزيادة أسعار الفائدة بسرعة والدولار يرتفع بسرعة كبيرة، ما يجبر البلدان الأخرى على اتباع بنك الاحتياطي الفيدرالي للدفاع ضمنيًا عن عملاتها. لذا، فإن إحدى مخاوفي هو أن العالم ككل يُشدّد السياسة النقدية إلى حدٍّ بعيد”.

تُظهِرُ الأبحاث التي أجراها بنك التسويات الدولية أن مؤشر الدولار الأميركي الحقيقي في العام 2022 كان أعلى مستوى له منذ الثمانينيات الفائتة. ولكن، كما تلاحظ المؤسسة المالية، سيكون الاختلاف الرئيس خلال الأشهر المقبلة هو أن أسعار السلع الأساسية ستكون أيضًا مرتفعة. سيكون الدولار القوي وارتفاع أسعار السلع بمثابة ضربة مزدوجة للعديد من الأسواق المُستورِدة للطاقة، وفقًا لبنك التسويات الدولية.

بالنسبة إلى الاقتصادات الحدودية في العالم، (أي البلدان التي لديها أسواق أسهم وعملات صغيرة جدًا أو أقل تقدّمًا من أن تُوصَف بـ”الناشئة”)، ، قد يتسبّب ذلك في حدوث مشكلات. تشير الأبحاث من بنك “آي أن جي” (ING) إلى أن عددَ هذه الأسواق التي تتداول فيها السندات السيادية المُقوَّمة بالدولار عند مستويات مُتعثّرة –فروق الأسعار التي تبلغ في المتوسط 1000 نقطة أساس على سندات الخزانة الأميركية– ارتفع من ثمانية في بداية العام 2022 إلى 17 في المراحل الأخيرة من السنة.

في مواجهة استمرار قوة الدولار الأميركي وارتفاع أسعار السلع الأساسية، هناك مجالٌ لظهور العديد من أزمات ديون الأسواق الحدودية في العام 2023. يقول جيمس ويلسون، استراتيجي السوق السيادية في “آي أن جي”: “من غير المرجح أن نشهد أزمة أو تخلفًا عن السداد من سوقٍ ناشئة أكبر. رُغم قولي هذا، لا يزال هناك نوعٌ من الخطر الأوسع نطاقًا [النابع من الأسواق الحدودية] حيث لا يتمكّن الكثير من الحكومات ذات العوائد الأضعف والأعلى من الوصول إلى أسواق السندات الدولية لأنها باهظة التكلفة، وهي تكافح لإصدار سندات جديدة وترحيل أو تأجيل الديون القائمة”.

إمكانات النمو

لكن إذا كان لدى العام 2023 القدرة على جلب الفتنة إلى بعض هذه الولايات القضائية، فقد يكون له تأثيرٌ مُعاكس على أقرانٍ أكثر رسوخًا. على وجه الخصوص، يمكن أن تؤكد الأشهر الـ12 المقبلة على الأهمية المتزايدة لأكبر الأسواق الناشئة في العالم، ولا سيما في آسيا. في الواقع، ستكون المنطقة نقطةً مُضيئة للاقتصاد العالمي في العام 2023.

تقول لي: “بالنسبة إلى آسيا، أعتقد أن التوقعات أكثر إشراقًا نسبيًا. العديد من الأشياء سيلعب في الأسواق الآسيوية في العام المقبل، أحدها سيكون إعادة الفتح [من القيود المتعلقة بـكوفيد]، حتى لو كانت إعادة الفتح هذه ستكون حذرة. سيشهد هذا عودة السياح بأعداد أكبر”. مُضيفةً بأن “الشيء الجيد بالنسبة إلى آسيا هو أن المنطقة أبعد ما تكون عن أزمة الطاقة. قد يُعاني بعض الدول من ارتفاع الأسعار؛ ولكن، بشكل عام، سيكون التأثير في البلدان الآسيوية أقل بكثير من تأثيره في أوروبا”.

وتتوقع “لي” أن “يتوسّعَ الاقتصاد الصيني بنسبة 5.1٪ خلال العام 2023، وذلك جُزئيًّا بفضل الانتعاش الذي تقوده الاستثمارات الحكومية والتحسّن التدريجي في ظروف سوق الإسكان على مدار العام. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يلعب التخفيف التدريجي للقيود المُتعلّقة بكوفيد-19 -وهو مشكلة تشغل بال معظم المستثمرين- دورًا أيضًا. [أتوقع] الاسترخاء التدريجي لإجراءات كوفيد -19. إنه ليس إزالة لهذه الإجراءات أو منعطفًا، إنه مجرّد استرخاء على جانب التنظيم والتنفيذ”.

في غضون ذلك، يعتقد بنك التنمية الآسيوي أن جنوب شرق آسيا سيُحقّق نموًا اقتصاديًا بنسبة 5٪ لهذا العام. وهذا يعكس قوة الأسواق ذات القدرة الكبيرة مثل إندونيسيا التي، بصفتها دولة مصدرة للسلع الأساسية، تجني بعض الفوائد من الطبيعة المُتغيّرة للاقتصاد العالمي. علاوة على ذلك، يمكن أن تتمتع بلدان رابطة دول جنوب شرق آسيا ببعض الآثار الإيجابية غير المباشرة من التوترات التجارية والاستثمارية المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين، فضلًا عن الإدارة المحلية للصين ونهجها في هونغ كونغ.

“القصّة الأخرى هي التدفقات الضخمة لرؤوس الأموال الآتية من الصين وهونغ كونغ، بسبب الإغلاق وقوانين الأمن القومي. ويبدو هذا أكثر وضوحًا في سنغافورة. كمؤشّرٍ، نستخدم عدد المكاتب العائلية التي يتم إنشاؤها – إنها تتضخّم بشكل كبير. هناك دلائل على أن هونغ كونغ تفقد مكانتها كمركزٍ مالي دولي، وأصبحت أكثر مركزًا ماليًّا صينيًّا”، يقول تشوا من “ماي بنك”.

ستُمثّل الأسواق في شرق إفريقيا مركزًا آخر لنمو الاقتصاد العالمي في العام 2023. مع وجود اتفاق سلام مؤقت ومفاجئ في إثيوبيا في تشرين الثاني (نوفمبر)، إلى جانب الأداء القوي للأسواق بما في ذلك كينيا وتنزانيا وموزامبيق، تُقدّمُ المنطقة العديد من الأسواق المُقنِعة لفُرَصِ النمو والتنمية في المدى الطويل، وفقًا ل”باليم” من “ستاندرد بنك”.

ومع ذلك، فإن الآفاق ليست مُوَزَّعة بشكلٍ مُوَحَّد في جميع أنحاء القارة. يقول باليم: “فقط في ما يتعلق بالفرصة النسبية، وهو ما يسألني عنها الكثير من المستثمرين، أود أن أقول إنك تريد أن تكون حذرًا على الأرجح بشأن غرب إفريقيا. إذا كنت جاهزًا، فهناك فُرَصٌ في شرق إفريقيا الآن. إن أداء شرق أفريقيا جيد ومتفوّق وأداء غرب أفريقيا ضعيف”.

خطواتٌ مُتردِّدة

لكن إذا ظهرت أجزاءٌ من إفريقيا وآسيا كحاملٍ قياسي للنمو الاقتصادي العالمي في العام 2023، فإن المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي -اللذين حوصرا مرة أخرى بين قوَّتَين عالميتين عُظميين- سوف يتحرّكان في الاتجاه الآخر. في تشرين الثاني (نوفمبر)، حذّرَ بنك إنكلترا من أن المملكة المتحدة تواجه أطول ركود لها منذ 100 عام، حيث توقّعَ البنك المركزي أن التراجعَ سيستمر حتى منتصف العام 2024. في منطقة اليورو، في هذه الأثناء، قلبت الضغوط الناجمة عن الغزو الروسي لأوكرانيا بعض الافتراضات الأساسية لنموذج نموِّ الكتلة رأسًا على عقب.

“لقد طوّرت أوروبا بشكلٍ عام، وألمانيا على وجه الخصوص، نموذجًا اقتصاديًا يعتمد على الوصول إلى الغاز الروسي والصادرات إلى الصين. لذا، تحتاج أوروبا إلى إعادة التفكير في نموذج أعمالها. وسيكون الأمر صعبًا لأننا نسمع الآن الكثير من الضوضاء الآتية من الشركات التي تقول إن أوروبا ليست مكانًا آمنًا للقيام بأعمالٍ تجارية [وأن] الطاقة ستكون أكثر تكلفة في السنوات القليلة المقبلة”، كما يقول كلايس، من مركز الفكر الاقتصادي البلجيكي “بروغال”.

ويضيف: “اعتقدت أوروبا أنها يمكن أن تعتمد على التجارة من حيث استيراد الطاقة وتصدير السلع المُصنَّعة، ولكن عندما تتعامل مع روسيا والصين، فإن القضايا الجيوسياسية ستظهر في مرحلة ما”.

إذا كانت الأشهر الـ 12 المقبلة تُمثّلُ نقطةَ البداية الجنينية لهيكلٍ جديد للاقتصاد العالمي، يتّسم بشكلٍ أساسي بعودة ظهور الجغرافيا السياسية، فستكون أيضًا اللحظة التي يتم فيها التعبير عن مخاوف حقيقية وذات مغزى بشأن هذا المستقبل غير المؤكد في كثير من الأحيان.

يقول بالم: “يمكن أن ينكسرَ الكثيرُ من الأشياء – وهذا ما يُقلقني حقًا في الوقت الحالي. هناك الكثير من الأشياء الكبيرة التي يمكن أن تنكسر”.

غابريال طبراني، كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن

غبريال طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب”. ألّف خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه: gabrielgtabarani.com أو عبر تويتر على: @GabyTabarani

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى