دراساتمقالات رأي

اشكالية النيابة العامة: حامية للمجتمع أم جهازا مقرونا بالسلطة التنفيذية ؟

للاشتراك بالنشرة البريدية اضغط هنا

اشكالية المركز القانوني للنيابة العامة
أهي حارسة للعدالة وحامية للمجتمع ؟ أم هي جهازا مقرونا بالسلطة التنفيذية ؟

المقدمة
هي مؤسسة النيابة العامة الهيئة القضائية , والجهاز الاكثر اثارة للجدل , بل الاكثر تعقيدا وغموضا , عرفت العديد من الهزات(1), وصلت احيانا الى حد التشكيك في انتمائها الى سلك القضاء , بعد كان ذلك من المسلمات في فرنسا , تلك هي الازمة التي تعيشها هذه المؤسسة لا سيما وبالتحديد منذ قراري “ميدفيدف” و”مولان”(2) , واللذين اصدرتهما المحكمة الاوروبية لحقوق الانسان , حيث انه ومن خلالهما تمت ادانة الجمهورية الفرنسية بسبب تجاوزها وانتهاكها وتعديها على احكام الاتفاقية الاوروبية لحقوق الانسان , نظرا لان تقديم المشتبه فيهم امام النيابة العامة,والتابعة هرميا لوزارة العدل يخرق احكام المادة الخامسة من الاتفاقية , ويتجاوز حقوق الانسان كون ان النيابة العامة ليست سلطة قضائية بالمفهوم الفني الوارد في نصوص الاتفاقية لافتقارها لاهم ضمانة تميز سلطة القضاء ,والا وهي الاستقلالية .
انها اذا العاصفة والتي اثارتها محكمة الانسان العليا في اوروبا , والتي اثارت معها زوبعة كبيرة من الجدل , لدرجة ان البروفيسور FREDERIC SUDRE (3) أعلن وبشكل صريح من “قرع كأس النيابة العامة ” .
ذلك انه في خضم هذه الدوامة , طرح الفقه الفرنسي اسئلة كثيرة ,والتي من خلالها تم اعادة احياء العديد من الدعوات المنادية باستقلالية النيابة العامة , والى اعادة النظر في الدور الذي تلعبه داخل الدولة .
لذلك ان كل محاولة واي طرح لاي موضوع للبحث والدراسة , لا بد وان يكون من ورائه دوافع وحوافز , تجعل الدارس يتطلع بشوق لبحث حقيقته وصبر اغواره , وان اختيارنا لموضوع النيابة العامة لا يخرج عن هذا الاطار .
ان تطور المفاهيم القانونية والذي افرزته العولمة ونشوء حالة عالمية جديدة بسبب تطور صور الجريمة المنظمة وغيرها من صور الجرائم الحديثة , الامر الذي كان له دور مؤثر في المؤسسات القانونية والذي فرض معالجة جدية وسريعة احيانا لواقع النيابة العامة او المركز القانوني للنيابة العامة وتأرجحه ما بين اعتبارها وكيلة المجتمع وحامية له او من انها آداة وجهاز بيد السلطة التنفيذية .
انه ومن الضروري مواكبة النيابة العامة في عملها الصعب والمعقد خاصة مع التطورات السريعة التي يشهدها مجتمعنا , وذلك من خلال وضع سياسة جزائية وقائية تهدف الى المنع والردع والمكافحة و الحد من الجرائم , وخطورة هذه الجرائم المهددة لسلامة ومصالح مجتمع بأسره , حتى تتمكن من ضبط سلوكيات الافراد بداخله ,واعادة تأهيل الاشخاص الذين اذنبوا في حق المجتمع من خلال سياسة الاندماج الاجتماعي .
ان عملية التوازن بين استتباب الامن من جهة واقرار العدل من جهة ثانية , او بتعبير اخر التوازن بين حق الفرد في التمتع بمختلف الحقوق والضمانات التي تحمي حرية الفرد كمواطن , وكفرد في مجتمع منظم , وبين قدرة هذا المجتمع بتوقيع العقاب على الافراد حفاظا على قيمه الاجتماعية ومثله العليا وردعا لكل مس بها , ان هذه المعادلة اوجبت منذ القدم على الدولة التزاما اساسه اقامة العدل في المجتمع وحسن توزيعه بين المواطنين , حيث ان كل جريمة تقع وتلحق بالمجتمع ضررا يستوجب تدخل النيابة العامة , عفوا لفتح ملف بحث وتحقيق حول ظروف وملابسات ارتكابها والتعرف على مرتكبيها , بقصد الوصول الى توقيع الجزاء على الجاني دفاعا عن المجتمع , وهو مايشكل النواة الاولى للدعوة العامة .
ان حقوق الانسان هي ما يجب الاعتراف به للانسان من حقوق جوهرية , مقدسة و خالدة تحميها الطبيعة الانسانية كحد ادنى , وتفرضها لزاما كضمان لحرية الافراد من تحكم الدولة واستبدادها , فهي مجموعة من الحقوق والتي لا يجوز التنازل عنها باعتبارها تمثل الحد الادنى اللازم للحفاظ على انسانية الانسان وكرامته المتأصلة بذاته .
حيث ان في كل من المنظور الطبيعي والديني والقانوني والسياسي, تمثل حقوق الانسان امورا ثابتة للانسان بحكم الفطرة او الطبيعة السوية وبموجب الشرائع السماوية , واحكام الدساتير والقوانين الوضعية , فضلا عن المصادر والمواثيق الدولية .
ان تلاقي الاجراءات الجزائية بفكرة حقوق الانسان والامن للمجتمع بشكل عام ليس بالامر المستغرب . ذلك ان الهدف الاسمى والارفع لما نسميه الاجراءات الجنائية او الجزائية , هو صيانة هذه الحقوق والتي تعترف بها مجمل القوانين الوضعية والمواثيق الدولية للانسان من حيث كونه انسانا , فمنذ ان حرم الافراد سلطة اقامة القضاء الخاص , وحرم المجني عليه من حقه في الانتقام الشخصي والفردي , اخذت الدولة على عاتقها الالتزام باقامة العدالة في المجتمع وحسن توزيعها على المواطنين ,وهو التزام ليس للدولة مكنة الوفاء به , اذا لم تعمل على اعطاء الحقوق المقررة قانونا للافراد الفاعلية والنفاذ عملا , والاستقلالية للسلطة القضائية , وخصوصا النيابة العامة باعتبارها الحامي السامي للمجتمع وهي ما تشكل النواة الاولى للدعوى العامة بقصد الوصول الى توقيع الجزاء على المرتكب والجاني .
والحق واضح في ان عملية التلاقي بين الاجراءات الجزائية كأحد ادوات دولة القانون والمؤسسات وبين الانسان وحريته وحقوقه , قد يخلق ويخلف العديد من اوجه التصادم او التعارض , بحسبان ان حل الاجراءات الجزائية قد تعطل ممارسة الحقوق الاساسية للفرد بغية الحفاظ على كيان المجتمع ,وتوقيه خطر الجريمة , فالقبض والحبس الاحتياطي , والتفتيش والتحفظ على الاشياء وضبطها وكذلك مراقبة المراسلات والاتصالات الهاتفية , جميعها اجراءات تمس بطائفة من الحقوق الاساسية والمستقر عليها للانسان مثل حقه في التنقل , وحقه في الملكية وكحقه في الحياة الخاصة … لذلك ان عنصر الدفاع عن حرية الفرد يقف متعارضا منذ بدأ الاجراءات الجزائية مع حق المجتمع في الملاحقة المجرمين للنيل منه .
فمهما كانت مناصرة الفرد للحرية الشخصية وحقوق الانسان , فلا مجال من الاعتراف بان هذه الحرية وتلك الحقوق لا يمكن ان تكون مطلقة في الحياة الاجتماعية , فمصلحة المجتمع تتطلب في مجال ادارة العدالة الجزائية بعض المساس بحرية الافراد وخاصة من كان منهم متهما بارتكاب جريمة ومن هذا المنطلق يبرز لدينا الاهمية لموضوع الدراسة والتي من اهدافها البحث في مدى التناغم العضوي للوضعية القانونية للنيابة العامة , كي تكون الحامي الاول عن المجتمع باسم شعبه والوكيلة العادلة عنه , انها اذن والخطوات الاولى للوصول الى الحقيقة واحقاق الحق وهي بالتالي اللبنة الاولى للدعوى العمومية .
بيد ان المجتمع وكما يهمه عقاب المتهم والقصاص منه حالة ثبوت الجرم في حقه , يهمه ايضا وبشكل متوازن ايضا الا يطاول العقاب شخصا بريئا , لذلك فقد توجب الامر وحال تنظيم الاجراءات الجزائية في دولة القانون مراعاة التنسيق بين مصالح المجتمع في صونه من الجريمة وردعه لعدم مخالفة قواعد القانون والانتظام العام , وبين حقوق وحريات الافراد وحال بلوغ هذا التوازن يمكن القول بان هذا التنازع بين حق الدولة في العقاب وحق المتهم في الحرية الفردية اصبح تنازعا ظاهريا وشكليا ويعبر عن وجهين لعملة واحدة , لاعتبار ان عقاب الجاني المرتكب ما هو الا تأكيد للحرية الفردية للشخص الضحية والبرئ . ولتحقيق هذا التوازن وبلوغه لا بد من العمل على صون وحماية الصيغة المثالية للنيابة العامة وتسييج استقلاليتها بان لا تكون منحرفة عن موضوعها واصل وجودها , لا ان تصبح تحت عباءة النافذين من الشخصيات , او ان تكون اداة بيد السلطة التنفيذية , بل ان تحافظ على الصيغة والمكانة الوجودية لها (4).
حيث ان الجماعة لا صالح لها الا في التعرف على الحقيقة المجردة , فهي لا تبتغي سوى احقاق الحق والبلوغ المنشود للمنظومة العادلة . ومما لا شك ان لتنظيم الاجراءات الجزائية مفترضات ومرتكزات لا يتسنى من دونها وصف الهيكل القانوني للدولة بالمشروعية , اذ هو يهوي حال انكارها او حالة عدم تفعيلها نحو ديكتاتورية الدولة والنيل من سيادة القانون ,ويأتي احترام الشرعية الاجرائية والتي تقابل في اهميتها قاعدة شرعية الجرائم والعقويات كأحد اهم ما يجب ان تحرص عليه الدولة حال تنظيمها للاجراءات الجزائية , والامر لا يعلل سوى لكون الشرعية الاجرائية آداة تنظيم الحريات وحماية الحقوق ولكونها ايضا ضمان للتوفيق بين فاعلية العدالة الجنائية واحترام الحرية الشخصية .
وهكذا يمكننا القول ان التنظيم الدقيق لعمل النيابة العامة في علاقاتها في تشكيل الدولة والحقوق الاساسية للافراد , اذا هي استكمال حتمي لهيكل دولة القانون , والتي ينظر فيها الاجراءات الجزائية كأحد آليات حماية الحقوق , وخاصة حقوق الانسان ,وتلتزم فيها النيابة العامة حال ممارستها لمهامها بكافة عناصر واركان الشرعية الاجرائية , وعلى رأسها اصل براءة الانسان , ولو كان متهما , وقاعدة ان القانون مصدر لهذه الاجراءات الجزائية او الجنائية .
عندما تتولى النيابة العامة مهمة الادعاء الجزائي لا تعتبر شخصا متنازعا مع المتهم , وانما عليها ان تمارس ذلك بوصفها جهازا من اجهزة الدولة وليس كآداة بيد السلطة المنبثقة عن هذه الدولة او السلطة التنفيذية, ومعنى ذلك ان النيابة العامة تتولى في الادعاء الجزائي وظيفة ذات سلطة ولا تمارس حقا شخصيا خاصا بها , ان ارادت باشرته او تخلت عنه , اذا فلها سلطة وعليها واجب وكلاهما متلازمين , فسلطتها وواجباتها يخضعان دائما لاعتبارات الصالح العام ومقتضيات الحقيقة وحماية النظام القانوني والاجتماعي للدولة والذي تم الاخلال به في ارتكاب الواقعة الاجرامية .
لقد قرر المؤتمر الدولي لقانون العقوبات والذي انعقد في لاهاي عام 1964 , ان الوظيفة التي تتولاها النيابة العامة تنطوي على مسؤولية اجتماعية كبيرة , وهي حماية النظام الاجتماعي والقانوني والذي اخل به ارتكاب الجريمة , ويتعين عليها ان تمارس وظيفتها في موضوعية وحيدة مع مراعاة حقوق الانسان , كما يتعين لها مباشرة مهامها ان تستهدف اعادة تهذيب وتقويم الجاني , وفي هذا المعنى اشار جانب من الفقه الى مهمة النيابة العامة بقوله انها تتحقق بالتعاون مع القضاء في اظهاره الحقيقة والبحث عن المتهم الحقيقي ,وليس بمجرد الصاق الاتهام باي شخص .
هناك من وصف النيابة العامة بانها عملا انسانيا عظيما , عندما حل نائب الملك محل الذين كانوا يقومون باتهام الناس كيدا , فكان عملا رائعا وطيبا للمجتمع في آن واحد ما كان يتولاه الافراد , ومن الفقهاء من وصفها بانها جهاز قضائي يهدف الى كفالة التنفيذ الصحيح للقوانين والاحكام القضائية , وكذلك ملاحقة مرتكبي الجرائم من اجل معاقبتهم ,والاهتمام بكفالة الدفاع وحماية عديمي الاهلية والاشخاص العاجزين عن حماية انفسهم , كما ذهب البعض الى القول بان المشرع قد اوكل مهمة مباشرة الدعوى الجنائية من بدايتها وحتى نهايتها , هي التي تحرك الدعوى وترفعا وتمارسها , توضحها برأيها وتعلل , توجهها ايضا حتى صدور الحكم النهائي , واخيرا تقوم بتنفيذها (5) .
ان النيابةالعامة ليست بالآلة العمياء التي تقيم الدعاوى بصورة آلية , وليس همها الاول الحصول على ادانة المتهم بأي ثمن او جلاد مهمته تنفيذ العقوبات ,وواقع الامر ان النيابة العامة تملك قدرا من الحرية في ملاحقة وتحريك الدعوى العمومية , ولها ان تقوم بدور بالرحمة والانسانية , فتطلب وقف التنفيذ او منح المتهم ظروفا مخففة .
ونظرا لخطورة هذه السلطات والمسؤوليات , فقد اعتمد مؤتمر الامم المتحدة الثامن لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين والمعقود في هافانا في ايلول 1990 , عددا من المبادئ التوجيهية لاعضاء النيابة العامة حيث كان من تلك المبادئ : ” على اعضاء النيابة العامة ان يؤدوا واجباتهم وفقا للقانون بانصاف واتساق وسرعة , ان يحترموا كرامة الانسان ويحموها ,ويساندوا حقوق الانسان بحيث يسهموا في تأمين سلامة الاجراءات وسلامة سير اعمال نظام العدالة الجنائية .”

اهمية الدراسة :
تبرز اهمية الدراسة والموضوع من الناحية العلمية في كون ان النيابة العامة اتخذت موقعها استراتيجيا مهما ضمن نظام العدالة الجزائية الحديث حيث اصبحت تقوم بادوار مختلفة لم تكن تعرفها من قبل , اذ كانت مهمتها بصورة عامة تتمثل بالملاحقة الجزائية بطريقة آلية , الا انها اصبحت اليوم هيئة قضائية تمارس صلاحيات قضائية مهمة , وهناك ايضا الاهمية العملية والتي تتجلى في ازالة اللبس الموجود في الواقع والعالق في أذهان الناس وحتى لدى اعضاء النيابة العامة انفسهم , من ان النيابة العامة كجهة قضائية تسعى دائما الى تحقيق غاية واحدة وهي انزال اقصى العقوبة بالمتهم , والتمسك بحرفية الاتهام كما هو والعمل على تأكيده خلال جميع المراحل الجزائية , وهو ما يخالف ادوارها الموضوعية والتي رسمها لها القانون حقيقة الامر ,وان الاهتمام بهذا الموضوع كمادة علمية هو متواز ايضا للاهتمام بموضوع حقوق الانسان بصفة العامة وامام القضاء الجزائي بصفة خاصة , باعتباره اخطر جهة تكون بها حقوق الانسان عرضة للمساس الخطير بها .
ففي اطار كل ما سبق تطرح اشكالية هذا الموضوع ضمن تساؤل اساسي يتمثل في :
اشكالية المركز القانوني للنيابة العامة
أهي حارسة للعدالة وحامية للمجتمع ؟ أم هي جهازا مقرونا بالسلطة التنفيذية ؟
-بتفصيل اكثر : اشكالية المركز القانوني للنيابة العامة والجدلية حول وضعه والتنازع حول اعتبار النيابة العامة وكيلة عن المجتمع وحامية له او بوصفها اداة وجهاز بيد السلطة التنفيذية .
فالاصل ان تكون النيابة العامة وعلى رأسها النائب العام وكيلا عن الهيئة الاجتماعية , ذلك من انه وفي ظل التبعية للسلطة التنفيذية تفقد المؤسسة والهيئة استقلالها الذاتي والمالي والاداري , ويتعرض الامن الفردي والاقتصادي لاعضائها لضغوط السلطة التنفيذية بين الترغيب والترهيب , وهو الامر الذي يؤثر على حيادها امام الرأي العام ويجعلها في مرمى النيران السياسية لذلك كان من الاهمية دراسة هذا الموضوع والتقدم بهذه الاشكالية مع تفرع اشكاليات فرعية عنها وتساؤلات وفرضيات اضافية تابعة عن مدي تأثير تبعية النيابة العامة للسلطة التنفيذية على ضمانات وحقوق وحريات المواطن في ظل الصلاحيات الواسعة التي منحها القانون لهذه الهيئة القضائية , فالسؤال المشروع هنا بطريقة مباشرة : هل ان النيابة العامة بما فيها شخص النائب العام هي وكيلة وهو وكيلا عن المجتمع وهيئاته بما تمثله في مختلف القطاعات والقوى المتنوعة (اجتماعية , اقتصادية وثقافية وسياسية ) , ام هي تابعة للسلطة التنفيذية بما تمثل هذه التبعية من انحياز لهذه السلطة على حساب المجتمع .
وهكذا يبدو لنا منطقيا التساؤل عن دور هذه المؤسسة في حياة القضاء وعن خلفيات ما يثار حولها من اشكالات , فهل ان مؤسسة النيابة العامة تعتبر سلطة قضائية بالمفهوم الفني للمصطلح ؟ وهل تبعية النيابة العامة ضرورة حتمها دورها في تنفيذ السياسة الجزائية ؟, وايضا ما هي دواليب السياسة الجزائية للدولة ؟ وما مستقبل هذه المؤسسة في ظل التحولات خصوصا العربية والاوروبية الجديدة ؟
سنحاول هنا تناول هذه الاشكالية من خلال لمحة تاريخية عن النيابة العامة وكيلة المجتمع وممثلة الدولة امام القضاء ودورها بتطبيق القانون , وتنفيذ السياسة الجزائية للدولة ثم التحليل لاشكالية استقلالية النيابة العامة , واستهدفنا ايضا الطبيعة القانونية والعملية لدور النيابة العامة في الدعوى العمومية , ومركزها القانوني بين سلطات الدولة التشريعية والقضائية والتنفيذية , غير ان هناك خلاف حول الوضع القانوني للنيابة العامة ومن خلاله تتحدد علاقة النيابة العامة بسلطات الدولة المختلفة , حيث ان النيابة العامة هي السلطة المختصة بتحريك الدعوى العمومية وهي التي تمثل الدولة والمجتمع بمهمتها في الدفاع عنها .

تاريخ النيابة العامة :
لقد عهد القانون في الماضي وبشكل مبدئي الى اعضاء النيابة العامة بالدفاع عن المصلحة العمومية ,هم ليسوا قضاة بمعنى الكلمة , ولكنهم اعضاء في مؤسسة النيابة العامة وطرف اساسي في الدعوى الجزائية .
لقد اختلف الفقه من تاريخ نشأة النيابة العامة , فمن الفقهاء من يرى ان نشأة النيابة العامة , ترجع في الاصل الى قدامى المصريين , وهناك من حاول ارجاع اصل نشأتها الى نظم القانون الروماني , ومن ثم اتجه البعض الآخر برد اختصاصاتها الى الازمنة الاولى لبلاد اليونان والرومان , ولقد ذهب جانب آخر من الفقه ان النيابة العامة في حقيقة الامر اسلامية النشأة حيث ان الشريعة الاسلامية هي من اول من عرف نظام الادعاء العام , وهو في الاصطلاح الاسلامي يسمى “نظام الحسبة” , وهي وظيفة دينية من اساسها المصلحة العامة وصالح المجتمع من خلال الامر بالمعروف والنهي عن المنكر , وصولا الى الفقه الفرنسي والذي كان له الباع الاول والاساسي في عملية سطوع ونشأة هذه النظرية ومأسستها .
فلا خلاف اذن ولا جدال في أن النيابة العامة نشأت وترعرعت في أحضان السلطة التنفيذية(6)، التي لم تختلف ظروف نشأتها في فرنسا أواخر القرن ال12 عنها في إنجلترا في بداية القرن ال13 ؛ فمنذ القرن الرابع عشر عهد المحامين بالدفاع عن مصالح الملك , حيث ان الملوك يدافعون عن مصالحهم بواسطة وكلاء ومحامين , تلك كانت النشأة الاولى لمؤسسة قضائية مهمتها الدفاع عن المصالح العامة للمجتمع , تفرغوا في ما بعد لخدمة مصالح الملوك القانونية، واصطلح على تسميتهم ب «رجال الملك» أو «فرسان الملك». ولقد ظهرت تسمية النيابة العامة لأول مرة في فرنسا بمقتضى المرسوم الموقع من قبل فيليب لوبيل philip lebel في 25/03/1303. وقد طرحت إبان الثورة الفرنسية مسألة الإبقاء على هذه المؤسسة، وتمت تسوية هذه الوضعية بمقتضى قانون 16 و24 غشت 1790؛ أما بالنسبة إلى إنجلترا فقد أصبحت منصبا سياسيا سنة 1461.
وانتقلت مؤسسة النيابة العامة لكل من ألمانيا وبلجيكا والنمسا… إلى أن أصبحت جزءا من المنظومة القضائية، اختلفت الدول في تفاصيل هيكلتها وتنظيمها.
بقطع النظر عن اصل مصطلح النيابة , فانها اعتبرت في نظر الكثيرين “دركي القانون الجنائي ” , المدافع عن المجتمع , حامية المصلحة العامة وجهة الاتهام العام , ان مجرد اطلاق كل التعابير عنها , يعكس اهمية وظائفها وبالنتيجة سلطاتها , وايضا الحاجة المطلقة اليها , الى حد ان مونتيسكيو صنف قانون هذه المؤسسة حينما صدر بقوله “قانون رائع “.
تعد النيابة العامة ممثلة للدولة امام الجهات القضائية ,واذا ما دققنا في فكرة وجود نيابات عامة على مستوى كل المحاكم , فاننا سندرك حتما ان نيابات هذا الجهاز هم مبعوثو الدولة لدى القضاء .
حيث انها تجسد فكرة الدولة المجتمع بشكل كلي غير قابل للتجزئة ان عملية الطلاق والتي تمت بين الانسان وفكرة العدالة الخاصة ولدت النيابة العامة , اضحب تلعب دورا تمثيليا للدولة والمجتمع , حيث ان المجتمع والذي يكون احيانا نظامه الاجتماعي مهدد بفعل جريمة , ومن خلال ذلك يكون هدف الدعوى الجزائية هو حماية النظام العام اولا واساس لاي قضية , ثم تطبيق العقاب ثانيا , وبما ان الضحية ليست طرفا في الدعوى العمومية , فالنيابة العامة, ليست صوتا للمجتمع فقط ولكن ايضا هي ممثلة للضحية والتي تبقى في نهاية المطاف عضوا المجتمع المتضرر.
وحتى على المستوى الاصطلاحي , في مختلف القوانين الجزائية والاجرائية نجد عبارات وكيل الجمهورية ,وكيل الدولة , النائب العام , الوكيل العام كل تلك المفاهيم تصب في خانة تمثيل الدولة صاحبة السيادة او تمثيل المجتمع , مانحها التمثيل والصلاحية .

هامش استقلال السلطة القضائية بين قضاء الحكم وقضاء النيابة العامة
مما لا شك فيه ان مفهوم السلطة القضائية ينصرف على كافة مكونات العدالة , من دون تمييز بين قضاء الحكم الذي يصدر الاحكام , وبين قضاء النيابة العامة والذي يقتصر دوره على الادلاء بملتمسات ومستنتجات , الا ان الخلاف الذي طرح في الافق التنظيمية المتعلقة بمرفق العدالة , بين من يرى ان الاستقلال عن السلطة التنفيذية يجب ان يقتصر فقط على الفئة الاولى صاحبة القرار او كلمة الفصل دون غيرها , وبين ما يرى ان اعضاء النيابة العامة هم اسوة بقضاة الحكم وان تبعيتهم بالسلطة التنفيذية هي مساس باستقلال السلطة القضائية , وقد تبنى الرأي الاخير بعض الجمعيات المهنية وصلت معهم حد التلويح بأشكال احتجاجية كادت أن تخرج النقاش عن إطاره السليم، إلا أن الجمهور العريض من الشعب لا يميز بين القضاء الجالس la magistrature du siége، وهم قضاة يتمتعون باستقلال تام، وبين القضاء الواقف أو النيابة العامة les magistrats du parquet الذين يمثلون السلطة التنفيذية أمام القضاء في أغلب الأنظمة القضائية، يتلقون منها التعليمات ويلعبون دورا أساسيا في حسن سير العدالة. وهذا الخلط بين القضاءين جر الغالبية العظمى، عن وعي أو بدون وعي، إلى المطالبة باستقلال النيابة العامة إسوة بالقضاء الجالس حتى اكتسب معه هذا الادعاء قوة القانون.
ان هذا التمييز بين قضاة الحكم والنيابة اساسي وذو اهمية بالغة , كذلك نجد الفقيه الكبير مونتيسكيو في كتابه روح الشرائع يصف مؤسسة النيابة العامة بقوله :”لدينا اليوم قانون رائع ,فالامير وضع على مستوى كل محكمة ضابطا ليتابع باسمه كل الجرائم “.
ان منطق الحوار السليم يقتضي استحضار التمييز بين قضاة الحكم وبين قضاة النيابة العامة , لان من شأن التمادي في هذا الخلط تكريس مفهوم التبعية بالنسبة للقضاء ككل عوضا عن تعميم الاستقلال وهي لا تساهم البتة في المساهمة في اجراء الاصلاحات الكبرى التي تتطلب وعلى غرار كافة المجتمعات التي لها سبق في العدالة الاستعانة بالادوات التي تواضع العالم عليها وهي الدروس المستخلصة من تاريخ المؤسسات القانونية والوقوف على بعض الانظمة المقارنة . (7)
في القانون المقارن :
لقد اسس كل نظام ديمقراطي النيابة العامة كمؤسسة تبعا لتاريخه وخصوصيته , من دون اي استثناء عن ذلك لاي دولة , ويبرز ذلك واضحا بالنسبة لايطاليا ومعاناتها , ابان العهد الفاشي , او مع طغيان المافبا وما افرزته من ارهاب , ويمكن الجزم بان كافة الانظمة تسعى وهي في صدد تنظيم النيابة العامة الى خلق توازن في المنظومة التنفيذية للعدالة , كل نظام بحسب طريقته , فمنهم من اختار اتخاذ اجراءات تستهدف الحد من حركية النيابة العامة, كما هو الحال في اسبانيا وانجلترا , او اجراءات تفرض على وزير العدل توجيه تعليمات كتابية كفرنسا والمغرب او خلق ضوابط كتابية موجهة على قضاة النيابة العامة , تتعلق بنوعية الجرائم التي يتعين تبعها وكيفية البحث فيها مثل انجلترا وهولندا , او متطلبات تهدف حماية قاض النيابة العامة من وسائل الضغط السياسية غير المباشرة باشراك ممثلين لاعضاء النيابة العامة في التعيين والترقية والتأديب وهي اجراءات متخذة بصورة مختلفة من قبل فرنسا والمغرب وايطاليا , البرتغال وكذلك اسبانيا والمانيا , الى غير ذلك من الاجراءات .
1-فرنسا :
يعتبر القانون الفرنسي المصدر التاريخي والاساسي للقانون اللبناني , حيث يخضع فيه قضاة النيابة العامة لادارة ورقابة رؤسائهم بشكل تسلسلي ولسلطة وزير العدل باستثناء النيابة العامة لدى محكمة النقض , كما ان المجلس الاعلى للقضاء له فقط سلطة استشارية فيما يخص تأديب اعضاء النيابة العامة بحيث يقتصر دوره على اعطاء وجهة نظره في العفوية المتخذة , ليبقى لوزير العدل اعتماده من عدمه ,وفي هذه الحالة الاخيرة عليه ان يعيد القضية الى المجلس الاعلى من جديد .
2-اسبانيا:
رغم ان الدستور في اسبانيا اعتبر ان النيابة العامة مؤسسة ضمن السلطة القضائية ,الا ان اعضائها لا يعتبرون قضاة وان ما يجمع المؤسسستين ( القضاء والنيابة العامة ) هو امتحان الالتحاق بالمهنة , وتتمتع النيابة العامة باستقلالية عن السلطة التنفيذية بما فيها الاستقلال المالي , لها نظام تسلسلي يتضمن نوعا من التبعية لهذا الجهاز الى السلطةالسياسية , ويمكن استخلاص ذلك من خلال كيفية تعيين اعلى سلطة في هرم هذا الجهاز , وهو الوكيل العام للدولة , والمختار من بين رجال القانون في اسبانيا والمشهود لهم بكفاءاتهم ,والذين مارسوا مهامهم لاكثر من 15 سنة بناء على اقتراح من الحكومة , ويمكن ان يوجه اعضاء النيابة العامة في كافة التراب الاسباني , وهي تعليمات اجبارية , ويعتبر ايضا جهة قضائية بالنسبة للقضايا التدريبية والنتعلقة باعضاء النيابة العامة بالنسبة للاعمال التي يمكن معاقبتها بالتوقيف ,والتي تكون بدورها محل طعن امام وزير العدل ,ومحل للطعن الاداري امام الغرفة الموازية بالمحكمة الوطنية , وتجدر الاشارة الى ان عضو النيابة العامة لا يتمتع هنا بالحصانة ,والتي تمنع من نقله متى دعت الضرورة الى ذلك .
فالنيابة العامة الاسبانية نص عليها القانون التنظيمي المؤرخ في 30-12-1981 والمعدل اخيرا بمقتضى القانون 24/2007 في 9 تشرين الاول 2007 , كما نص عليه الدستور في الباب المتعلق بالسلطة القضائية والذي اعتبرها : ” مؤسسة دستورية تتمتع بالاستقلال الذاتي والوظيفي داخل السلطة القضائية تمارس وظيفتها انطلاقا من مبادئ الوحدة والتبعية التسلسلية والخضوع لمبدأ الشرعية والحياد , من خلال الفصل المذكور يمكن استخلاص المبدأين الاساسيين الذين يحكمان نظام ووظيفة النيابة العامة الاسبانية وهما الاستقلال والتبعية التسلسلية .
3-ايطاليا :
يمكن اعتبار النيابة العامة في ايطاليا مستقلة بامتياز , حتى ان استقلالها يعتبر من المبادئ الدستورية ,ويوجد على رأس الهرم للنيابة العامة الوكيل العام للجمهورية والذي يعينه رئيس الجمهورية كما يتواجد على راس محاكم الاستئناف وكلاء عامون وبالمحاكم الابتدائية يوجد وكلاء للجمهورية , اعضاء النيابة العامة مستقلون في قراراتهم بحيث لا توجد سلطة تسلسلية ,ذلك ان كل عضو يشكل هيئة مستقلة , اما الرؤساء فهم مجرد منسقون , يتمتع اعضاء النيابة العامة بنفس الحصانة والتي يتمتع قضاة الحكم كما ان القانون يسمح بالانتقال من قضاء الحكم الى النيابة العامة والعكس .
ان جهاز النيابة العامة يحتكر الدعوى العمومية ويسير الشرطة اثناء السجن ويمارس هذا الاحتكار بكل استقلالية اي مع استبعاد اية مسؤولية سياسية مباشرة او غير مباشرة , على غرار الديمقراطيات ,واذا كانت الحقبة الفاشية وراء بروز هذه الاستقلالية فان فترة الستينات والثمانينات عرفت اصلاحات ذادت من القوة لهذه الاستقلالية ,وخلقت ما اصطلح على تسميته بالحكومة الذاتية للقضاة . وقد شكل هذا النظام استثناء للانظمة الاخرى , ممن حيث القوة التي يتمتع بها هذا الجهاز الى درجة استحالة مراقبة قاض الحكم ,ولعل هذه الامور وغيرها والتي لخصها البعض في كون :” خطر النيابة العامة في ايطاليا يتمثل في اختيار ضرب الاشخاص عوض التصدي للحالات التي يتعين البحث فيها .”
ولقد تعرض هذا النظام لسيل جارف من الانتقادات لعدم مساواة المواطنين في التعامل امام النيابة العامة وقد ادت هذه الانتقادات الى المطالبة بالخروج من هذا النظام , من اجل خلق وتحقيق توازن بين المؤسسات القضائية , نتج عنها القانون المؤرخ في 25-7-2005 , والتي تضمن نصوصا تحد من الحرية الممنوحة لاعضاء النيابة العامة , بان يصبح الوكيل العام للدولة المكلف الوحيد بالدعوى العمومية ,ويتلقى منه اعضائها التعليمات , الا ان هذا القانون لم يكتب له الخروج الى الوجود لعدم تبني مرسوم تنفيذي لتطبيقه .

النيابة العامة : هي المطالبة بتطبيق القانون !
تتكشف سلطات النيابة العامة في متابعة مرتكبي الجرائم بمفهوم قانون العقوبات والقوانين المكملة له ,وتطالب امام القضاء الجزائي بتطبيق العقاب عليهم , وباعتبار ان النيابة العامة تمثل الدولة , فانها حكما تطالب بحق هذه الاخيرة في العقاب والقصاص من الجاني طبقا للقانون , ويفصل القاضي الجزائي في مدى حق الدولة في عقاب المتهم بالادانة او بالبراءة .
حيث تحرك النيابة العامة الدعوى العمومية , وتختار عندها الشكل المناسب لها للسير فيها , وتبدأ بمباشرة كل الاجراءات , بحيث تضمن سير هذه الدعوى وممارسة طرق الطعن فيها , ولحين استصدار حكم نهائي فيها . وتسهر لاحقا على تنفيذ الاحكام العقابية , بهذا تكون النيابة العامة طرفا اصيلا ومتميزا في تركيبة الجهات القضائية الجزائية على الوجه المخصص امام الجهات القضائية المدنية , حيث ان دور النيابة العامة لا يقل اهمية عن الاطراف الاخرى , هي اذن تتدخل كطرف اصلي او منظم او تتدخل تلقائيا وبشكل عفوي للدفاع عن النظام العام ولها حق ابداء الرأي القانوني ,والمطالبة بتطبيق القانون بشكل ما على النزاع بين الافراد .
وفي كل الحالات , فان دور النيابة العامة هو البحث عن تطبيق احسن للقانون ولعب دور اساسي ومحوري وريادي في الحفاظ على النظام العام والدفاع عنه وحمايته من كل مساس به ,وهو في الاصل الدور الاساسي المنوط بالدولة , والتي تمارسه في حد ذاتها عن طريق ممثلين لها .
ونجد ايضا النيابة العام تطالب في المواد الجزائية من قاضي الحكم الجزائي , تطبيق العقوبة والمقررة بنص القانون ,وهي بذلك تلعب دور مبعوث المشرع لدى القضاء او بعبارة اخرى , هي تنوب عن السلطة التشريعية في الدولة , وتطالب بانفاذ القانون , او تعمل على تقديم تفسير قانوني معين لنص قانوني ,وهذا الامر وتلك الاجراءات هي معاكسة للاعتقاد السائد لدى الكثير العامة وحتى من القانونيين حتى , بحيث انه من الخطأ باليقين والاعتقاد ان دور النيابة العامة هو منحصر في المطالبة امام قضاء الحكم بتطبيق العقوبة , ابدا , بل ان النيابة العامة بحد ذاتها وهي التي تابعت المتهم بجرم , وهي التي احالته على المحاكمة , قد تأتي وتطالب خلال جلسة المحاكمة ببراءة المتهم , متى ظهرت الادلة والقرائن القوية والدامغة والتي تنفي عنه التهمة وهو امر نردده دائما . وهكذا فان صفح الضحية احيانا في بعض الجرائم التي تتقيد بها سلطة النيابة في المتابعة بشكوى الضحية يضع حدا لمتابع الجزائية , فلا يسع النيابة العامة في هذه الحالة الا ان تطالب بتطبيق القانون ولا يمكنها ان تتمسك مطلقا بالادانة .
النيابة العامة في لبنان :
يعود تاريخ النيابة العامة الى القرن الرابع عشر حيث انها نشأت في العهد الملكي الفرنسي , على اساس انها قضاء خاص مؤلف من وكلاء ومحامين يمثلون الملك ومصالحه امام المحاكم , وكان اختصاص النيابة العامة مرتبط بنفوذ الملك آنذاك . فكلما توطد نفوذه كلما اتسعت دائرة اختصاص وكلائه حتى امسوا ممثلي السلطات العامة لدي القضاء واستمر هذا الوضع بالتطور حتى اصبحت النيابة العامة جهازا قضائيا متكاملا ينوب عن المجتمع في تعقب المجرمين احالتهم امام القضاء .
تعتبر النيابة العامة في لبنان هيئة قضائية يتولاها قضاة يخضعون لنفس الانظمة التي يخضع لها القضاة الآخرين اي قضاة الحكم , ان لجهة التعيين او لجهة الترقية والمناقلات بينهم , وهي تشترك في حضور جلسات المحاكم الجزائية الممثلة لديها وتعتبر جزءا اساسي من هذه المحاكم , ويترتب على تغيبها بطلان الجلسة لانعقادها بصورة غير قانونية (8).
لقد نصت المادة الخامسة من قانون اصول المحاكمات الجزائية الجديد على ان ” دعوى الحق العام الرامية الى ملاحقة مرتكبي الجرائم والمسهمين فيها والى تطبيق العقوبات والتدابير في حقهم , منوطة بقضاة النيابة العامة الاساسي كسلطة للملاحقة الجزائية عن طريق اقامة الدعزى العامة ومتابعتها واستعمالها نيابة عنه .
ان دراسة النيابة العامة كهيئة قضائية بالدرجة الاولى تمثل المجتمع وكيلة عنه في ممارسة دعوى الحق العام , يقتضي معرفة خصائصها مع اثارة لمسألة الاجهزة والتي تتألف منها ومدى ارتباطها بالسلطة التنفيذية ,والجدلية القائمة بانها جهاز تابع لهذه السلطة.
يتم تعيين قضاة النيابة العامة في لبنان وقضاة الحكم ايضا من قبل السلطة التنفيذية بعد استشارة مجلس القضاء الاعلى ,وبشكل مختلف عن فرنسا حيث يعينون بمرسوم من قبل رئيس الجمهورية بناء على اقتراح وزير العدل , دون تدخل مجلس القضاء الاعلى وذلك منذ العام 1958 (9).
للنيابة العامة في لبنان خصائص يمكن حصرها بست صفات اساسية وهي :
1-استقلالية النيابة العامة
تعتبر النيابة العامة جزءا من القضاء العدلي , وهي تتمتع بالاستقلالية والتي منحتها المادة 20 من الدستور اللبناني للسلطة القضائية , ولقد كرست المادة 14 من قانون اصول المحاكمات الجزائية الجديد , استقلالية النيابة العامة اتجاه السلطة التنفيذية والمتمثلة بوزارة العدل والذي لم يعد بوسعه اصدار الاوامر الى النيابة العامة , بل يقتصر دوره على الطلب فقط بمعنى آخر لم يعد لوزير العدل في لبنان كممثل للسلطة التنفيذية المتمثلة , اي سلطات على النيابة العامة في آدائها لوظيفتها والتي تتعلق بدعوى الحق العام .
وتتمتع النيابة العامة ايضا بالاستقلالية اتجاه قضاء الحكم , حيث ان من المبادئ الاساسية والتي يقدم عليها التشريع الجزائي هو مبدأ الفصل بين سلطات الادعاء والملاحقة وسلطات الحكم ,وبالتالي لا يملك قضاء الحكم حق توجيه الامر الى النيابة العامة لاقامة او تحريك الدعوى العامة , ولا يحق للمحكمة ان تقيد حرية النيابة العامة في ابداء طلباتها الا بما يقضي به القانون , كما لا يجوز للقضاء ان يوجه اللوم الى النيابة العامة او يعيبها بسبب طريقة سيرها في آداء وظيفتها . بمقابل الامر , ان القضاء مستقل عن النيابة العامة في ادائه لوظيفته , وبالتالي لا يجوز للنيابة العامة ان تتدخل في وظيفة القضاء , اذ ان المحكمة لها الحق المطلق في عدم الاخذ بما اعتقدته النيابة العامة في اقامة الدعوى ضد شاهد او في مطالبتها او مرافقتها , حيث ان القول الفصل في الاتهام يكون للمحكمة, كما لا يحق لقاضي النيابة العامة والذي بدأ وباشر بالادعاء في قضية معينة ان يحكم او يشارك في حكم فيها والا عد الحكم باطلا ,ولا يجوز بالتالي للنيابة العامة ايضا , ان تتدخل في صياغة حكم المحكمة ولو كانت فريقا في الدعوى العامة , الا انها مستقلة عن قضاء الحكم .
فمن البديهي للامر القول ان النيابة العامة تتمتع بسلطة التقدير والملاءمة في التصرف في الاخبارات والشكاوي التي تتلقاها ,اذ تتمتع النيابة العامة بالاستقلال بمواجهة الافراد , وبالرغم من عدم وجود نص صريح يعطي النيابة العامة السلطة الاستنسابية في الملاحقة الا ان التجربة القضائية في لبنان اثبتت بان للنيابة العامة الحق في التقدير الواقعي والقانوني , فلها حق حفظ الاوراق وعدم تحريك الدعوى العامة اذا وجدت ان المصلحة العامة تقتضي ذلك , وقد قضى في لبنان بان حق اقامة الدعوى العمومية منوط بالنيابة العامة , والتي لها وحدها ممارسته وتقدره كما تشاء , حيث ان هذا الامر يجعلها تقترب من جدلية اعتبارها اداة او جهاز تابع للسلطة التنفيذية والذي يرجع لها تأمين الانتظام وسير المرافق العامة مؤسساتيا واداريا .
2-تبعية النيابة العامة التسلسلية :
ان المقصود بالتبعية التسلسلية هو خضوع فضاة النيابة العامة لتعليمات وتوجيهات السلطة الرئاسية وتعرضهم للمساءلة , اذا خالفوا ذلك والسؤال البديهي هنا : من هي السلطة الرئاسية في النيابة العامة ؟
هل هو النائب العام التمييزي او وزير العدل (ممثل السلطة التنفيذية ) , كان وزير العدل في ظل قانون اصول المحاكمات الجزائية القديم الصادر في العام 1948 , وقانون تنظيم القضاء العدلي 150/1983 , يعتبر رئيسا للنيابات العامة , الا ان الامر اختلف كليا مع قانون اصول المحاكمات الجزائية الجديد , بحيث اصبح النائب العام التمييزي على راس النيابات , وتطبيقا لذلك فقد نصت المادة 13 من الفقرة الثانية من القانون الجديد على ان :” تشمل سلطة النائب العام لدى محكمة التمييز جميع قضاة النيابة العامة, بمن فيهم مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية , له ان يوجه الى كل منهم تعليمات خطية او شفهية في تسيير دعوى الحق العام , انما يبقى لهم حرية الكلام في جلسات المحاكمة .”
ويبدو لنا جليا ان ترؤس النيابة العامة على هذا الشكل يجعل من النائب العام التمييزي الاصل في مباشرة اختصاصاتها , بحيث ان جميع قضاة النيابة العامة تدين له بالتبعية ,وبذلك نكون امام واقع محسوس ومعادلة واضحة , تتجسد بعلاقة الرئيس بالمرؤوسين .
لقد منح ايضا المشرع النائب العام التمييزي , حق توجيه التنبيه الى احد قضاة النيابة العامة بسبب التقصير في عمله , وحق الاقتراح على هيئة التفتيش القضائية في احالته امام المجلس التاديبي (المادة 16 والفقرة الاخيرة من قانون اصول المحاكمات الجزائية ) , وهذا الحق ينبع من كونه رئيس النيابات العامة فله حق الاشراف والرقابة على رؤسائها ومعاونيهم عملا بفكرة الارتباط التسلسلي , اكثر من ذلك فقد الزمت المادة 16 في فقرتها الازلى كل من النائب العام الاستئنافي والنائب العام المالي ومفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية ومدراء الاجهزة الامنية ان يبلغوا النائب العام لدى محكمة التمييز من الجرائم الخطرة التي عملوا بها , وان يتقيدوا بتوجيهاتهم الخطية ,لكنها لم تحدد ماهية الجرائم الخطرة تاركة ذلك لسلطة النائب العام التقديرية والاستنسابية , وهي الهامش الفاصل للتبعية كجهاز للسلطة التنفيذية .
ان قراءة هذه النصوص الواردة اعلاه تطرح تساؤلات كثيرة منها , هل ان حلول النائب العام التمييزي مكان وزير العدل على راس النيابات العامة يشكل ضمانة كافية لحسن سير العدالة الجزائية او الجنائية ؟ ولمبدأ استقلالية النيابة العامة , ان هذا السؤال يقودنا بشكل حتمي للفرضية والجدلية ما بين ان تكون النيابة العامة وكيلة للمجتمع وحارسة امينة له وبين ان تكون جهازا تابعا للسلطة التنفيذية .
ان الجواب والرد هنا على هذا السؤال مرهون بحسن اختيار النائب العام التمييزي , ومدى تعامله مع سلطته الاستنسابية , فهو في النهاية يعين بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء , وعليه كان يجب ان تناط الصلاحية الواردة في المادة 16 من قانون اصول المحاكمات الجزائية , بهيئة قضائية كمجلس القضاء الاعلى مثلا خوفا من اساءة استعمال الحق والتسلط من قبل السلطة التنفيذية , حيث ان هدف المشرع الاساسي هو تطبيق القانون بالشكل الصحيح .(10)
3-وحدة النيابة العامة وعدم تجزئتها :
تعتبر النيابة العامة وحدة متماسكة تمثل المجتمع وتنوب عنه في مباشرة الدعوة العامة واستعمالها , لذلك ان كل امر صادر عن احد اعضائها يعتبر كأنه صادرا عن النيابة العامة في مجموعها , وبالتالي يمكن لكل عضو من اعضائها ان ينوب مكان الاخر لان العبرة هي لصفة القائم بالعمل وليس لشخصه .
وقد قضي بانه لا اهمية لذكر اسم ممثل النيابة العامة شخصيا في الحكم طالما ان المتهم لا يدعي في طعنه ان النيابة العامة لم تكن ممثلة في الدعوة اثناء المحاكمة , ولا يحول مبدأ عدم التجزئة والوحدة دون انتقال احد قضاة النيابة العامة الى وظيفة قاض فيما لو حقق احد زملائه في القضية نفسها .
4-عدم مسؤولية قضاة النيابة العامة :
لا بد من التذكير بان مبدأ عدم مسؤولية قضاة النيابة العامة ليس مطلقا , فالنيابة العامة تخضع للنظام القضائي وتسري عليه احكامه كما تسري على سائر القضاة ( التحقيق والحكم ), فالمادة 741 من قانون اصول المحاكمات المدنية تجيز مخاصمة القضاة بسبب الخطأ المهني الجسيم او الرشوة والخداع , او الاستنكاف عن احقاق الحق , كما ان نص المادة 16 من قانون اصول المحاكمات الجزائية الجديد اعطت النائب العام لدى محكمة التمييز حق توجيه التنبيه الى احد القضاة في النيابة العامة بسبب ما ينسب اليه من تقصير في عمله , او ان يقترح على هيئة التفتيش القضائية احالته امام المجلس التأديبي .
حيث ان منطق الامور يقضي بعدم فرض اية مسؤولية مدنية او جزائية على النيابة العامة طالما انها تقوم بوظيفتها ضمن اطار القوانين والانظمة المرعية الاجراء , فاذا ما تمت تبرئة المدعى عليه او صدر قرار بمنع المحاكمة عنه , فلا يمكن لهذا الاخير لاحقة اعضاء النيابة العامة والمطالبة بالعطل والضرر , طالما انهم يهدفون الى التطبيق الصحيح للقانون وتحقيق مصلحة المجتمع في ملاحقة ومعاقبة مرتكبي الجرائم والقول بعكس ذلك يؤدي الى تردد اعضاء النيابة العامة في القيام بواجباتها خشية محاسبتهم عن اي خطأ او اهمال قد يقعون فيه عن غير قصد .
5- مدى ارتباط النيابة بمطالعتها :
طالما ان النيابة العامة تعتبر خصما شريفا في الدعوة العامة وتسعى الى تطبيق القانون بشكل صحيح فلا شئ يمنعها من الرجوع عن ما طلبته في مطالعتها الخطية الخاصة اذا ما ظهرت ادلة جديدة تدحض ما تدعيه , فبامكانها مثلا ان تطلب البراءة لمتهم اذا ما ظهرت ادلة جديدة تثبت عدم صحة ما استندت اليه عند طلب الادانة , وهذا ما كان يعتبر من المبادئ الثابتة في التشريع الجزائي , ولكن ما يستدعي الملاحظة هو ما ورد في المادة 135 من قانون اصول المحاكمات الجزائية الجديد, فهذه المادة منعت النيابة العامة من استئناف قرارات قاضي التحقيق القضائية والادارية والتحقيقية اذا ما صدرت وفقا لطلبها ,وهذا ما يشكل قيدا على حريتها في تصحيح ما تكون قد اخطأت في طلبه وبالتالي بطرح التساؤل حول امكانية عدول المشرع عن مبدأ عدم ارتباط النيابة العامة بمطالعتها .
6-جواز رد اعضاء النيابة العامة :
لا يوجد نص في قانون اصول المحاكمات الجزائية يتحدث عن رد ممثل النيابة العامة , انما ورد النص على ذلك في المادة 128 من قانون اصول المحاكمات المدنية , فالفقرة الاولى من هذه المادة نصت على انه : “تطبق احكام التنحي والرد على قضاة النيابة العامة والمحكمين والخبراء .”
ويرى اغلب الفقهاء ان المقصود بالمادة 128 هو رد النيابة العامة عندما تكون طرفا اضافيا يعمل لمصلحة القانون اما اذا كانت النيابة العامة طرفا اصليا وجوهريا في دعوى الحق العام فانه لا يمكن ردها لان الحكم يبقى له سلطة تقديرية , ان مصدر هذا الرأي هو الفقه الفرنسي :
“ bien que representant le pouvoir executive . mais parcequ’il est psrtie principale et necessaire au process penal , le minister public est irrecusable … le representant de minister public , qui est partie principale du proces ( demandeur ) ne peut jamais etre l’objet d’une recusation , un plaideur ne recuse pas son adversaire .”
وكان قانون اصول المحاكمات الجزائية الفرنسي قد كرس مبدأ عدم جواز رد النيابة العامة وذلك بنص صريح هو نص المادة 669 الفقرة الثانية والتي نصت على ما يلي :
“ les magistrats de minister public ne peuvent etre recuses .”

النيابة العامة : هي تنفيذ لسياسة الدولة الجزائية

تتمتع النيابة العامة كما هو متعارف عليه بسلطة الملائمة والمسماة بحسب مجمع الفقه ايضا بمبدأ ملائمة المتابعات ومع هذا فقد تتلقى تعليمات من وزير العدل بمباشرة متابعات ما او بحفظ اخرى , حيث ان تطور مبدأ ملائمة المتابعات نحو ما يعرف بالملائمة الشرعية , اي نظام ملائمة يسمح بمراقبة واظهار شفافية كبيرة , وبمعنى مغاير انه نظام شرعية مختلف يؤدي حقيقة نحو الالتزام بمتابعات للجرائم الاكثر خطورة , وبوضع خيارات اجرائية متنوعة بالنسبة للجرائم الاقل خطورة , ومنذ تبني المشرع الفرنسي مبدأ “آلية الاجابة الجزائية ” وادخاله في 40-1 من قانون الاجراءات الجزائية, ادى ذلك الى حلول مفهوم ” الاجابة الجزائية ” مكان مصطلح ملائمة المتابعات , فهذا الاخير اصبح لا يستجيب لمتطلبات العصور والمجتمع والتحولات الجديدة , فاضحى ينظر اليه على انه جامد , فالحديث هذه الايام هو عن الشرعية وعن الاجابة الجزائية لتحديد نظام المتابعات الجزائية , والامر كله مرده امر واحد وهو المساواة بين المتقاضين امام القانون .(11)
فمن خلال مبدأ ملائمة المتابعات , يمكن للنيابة العامة اجراء متابعات بدون انتظار اوامر رؤسائها , او حتى عكس تلك الاوامر , حيث ان نظام المتابعات حر تباشره النيابة العامة دون تعليمات او حتى بعكس التعليمات التي تتلقاها , وبالعكس , فاذا ما رفضت النيابة اجراء المتابعات رغم التعليمات الموجهة اليها , فلا يمكن للؤساء الحلول محلها واجراء تلك الملاحقات مكانها , مثال ان يوجه النائب العام تعليمات الى وكيل الجمهورية بامكانه التصرف واخطار الجهة القضائية الجزائية باحالة الملف اليها ,وعلى العكس من ذلك فالنائب العام الذي يأمر وكيل الجمهورية باجراء متابعة معينة وهذا الاخير يرفض ذلك , فلا يمكن للنائب ان يباشر الدعوى العامة ويحله بالتالي محله , لكن واقعيا ان الامر مغاير لهذا لدى النيابة العامة , لذلك يتوجب وهذا لزامي ان تتكيف الممارسة الطبيعية والواقعية مع صحيح القانون بوضع حد لثقافة التبعية والخضوع , وان يتصرف اعضاء النيابة بوصفهم قضاة وفق ما يمليه عليهم الضمير في اطار القانون , بهذه الفكرة من الممكن ان تتعزز اكثر روح المسؤولية لدى ممثلي النيابة وتتحصن استقلالية القضاء , الضمانة الاساسية للقانون .
ان تبعية وارتباط النيابة العامة بوزير العدل يجد له مبررا موضوعيا وهوتنفيذ السياسة الجزائية للدولة ,ويطرح في الوقت عينه التساؤل حول مستقبل النيابة العامة واستقلاليتها .
ويبرر البعض تبعية النيابة العامة للسلطة التنفيذية وترؤس وزير العدل لها بكون هذا الاخير هو المسؤول عن سياسة الدعوى العامة والتي تضبطها الحكومة وتسهر على تطبيقها ,وقد نص الفصل 30 من مجلة الاجراءات الجزائية الفرنسية على ذلك غير انه وفي التشريع الفرنسي لا يمكن لوزير العدل ان ياذن بعدم التتبع في حين انه يمكنه الاذن بالتتبع , حيث وقد كانت وتكونت لجنة في فرنسا للتفكير في القضاء الجزائي سنة 2009 , سميت حينها لجنة leger , حيث اعتبرت انه لا يمكن اقصاء السلطة التنفيذية والتي تستمد شرعيتها من العملية الديمقراطية من ضبط السياسة الجزائية والعمل بها بكامل التراب الوطني للجمهورية والدولة ,وانه لا يمكن قطع الصلة بين النيابة العامة والسلطة التنفيذية , الا ان راي هذه اللجنة ان محل انتقاد شديد من قبل العديد من الفقهاء ورجال القانون والهيئات المهتمة بالشأن القضائي .
اذن , ان السبب الوحيد والاساسي لتبني نظام التبعية التدرجية هو السماح لقضاة النيابة العامة بالدفاع بفعالية عن سياسة جزائية والتي يحدد معالمها بالطبع المشرع وتصنعها الحكومة , وكذلك لضمان التحام هذه السياسة على كل المستويات وعبر كامل التراب الوطني .
من حيث المفهوم , ان مصطلح (السياسة الجزائية – politique penale )هو حديث نسبيا , اذ ان هذا المفهوم لم يفرض نفسه حقيقة الامر الا في السنوات الاخيرة , وهو لا يعنى فقط بالدعوى العمومية , لكن ايضا وبشكل حسي اكثر بتطبيق العقوبات , ولطالما ارتبط افول هذا المصطلح بمصداقية العدالة , فقد تمت مناقشات كثيرة ومتعددة لمؤلفات كلاسيكية(12) للاجراءات الجزائية ومسألة ملائمة متابعات وقدرة النيابة العامة على التصرف او الابقاء ساكنة ,ولم تستعمل مع نفس المفهوم للسياسة الجزائية واحيانا كان يشوبها المزيد من الغموض .
يصعب كثيرا تحديد مفهوم دقيق للسياسة الجزائية , ذلك لصعوبة تمييزها ايضا عن” السياسة الجنائية politique criminelle “ , وعن” السياسة العمومية politique public ” , فكثير من المفكرين يحددون مفهوما للسياسة الجنائية بالرجوع الى معطيات مفهوم السياسة الجزائية , فتعرف بالتالي بانها : مجموع المناهج التي من خلالها تحمي الدولة الاشخاص والممتلكات وكذلك حقوقهم الطبيعية . ويعرفها الاستاذ كلينسارد KLEINSROD بانها : معرفة الوسائل التي من خلالها يجب على المشرع , في اطار الاحكام الخاصة بكل الدولة , الوقاية من الجرائم وحماية الحقوق الطبيعية لافراده .
اما المفكر FEUERBACH فيذهب الى : ان السياسة الجنائية هي حكمة الدولة المسيرة للقوانين , اما السيدة CHRISTINE LAZERGES فتقترح تعريفا للسياسة الجنائية بانها : التفكير الابستمولوجي – العلمي –حول الظاهرة الاجرامية ,او فك تشفيرها , واستعمال الوسائل المتاحة من اجل مكافحة التصرف المنحرف والاجرامي بشكل مباشر ,فالسيدة LAZERGES ترى بان السياسة الجزائية علم وفن يندرج ضمن نظام السياسة الجنائية وتتضمن مجموعة من الاجراءات التي من خلالها يقوم الهيكل الاجتماعي يتنظيم اجبات حول الظاهرة الاجرامية(13) .
اما التمييز بين السياسة الجزائية والسياسة العمومية , فيمكن ان نعرف اولا السياسة العامة بانها : القيادة السياسية والادارية للشؤون العامة , او بانها : برنامج عمل يعهد به الى سلطة او عدة سلطات عامة او حكومية .
اما بالنسبة للدكتورة DELLEMAS –MARTY فالسياسة الجزائية تصبح سياسة عامة مثل غيرها , طالما انها تعود الى الحكومة طبقا للمادة 20 من دستور والتي تنص : ( على ان الحكومة تحدد وتقود سياسة الامة ) , يقابلها في الدستور اللبناني المادة 65 والمعدلة بالقانون الدستوري الصادر في 21/9/1989 , والتي تنص : (تناط السلطة الاجرائية بمجلس الوزراء وهو السلطة التي تخضع لها القوات المسلحة , ومن الصلاحيات التي يمارسها – وضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات , ووضع مشاريع قوانين والمراسيم التنظيمية واتخاذ القرارات اللازمة لتطبيقها ). ان هذا يؤدي بنا للقول الى انه اذا ما كانت الحكومة لها سلطة توجيه ومراقبة السياسة الجزائية , فهي بالتالي تتصرف فيها بطريقة مشابهة مع السياسات العمومية الاخرى التي تقودها ,وبهذا تقترب السياسة الجزائية من كل تصرف للسلطات العامة في الدولة في المادة الجزائية , وعليه فتسيير التقلبات الجنائية يحمي الامن العمومي .
بحسب الاستاذ ENGUELEGUELE , ان رهان العدالة هو في تلك النصوص المنشورة في المادة الجزائية , والتي تفهم كترجمة لرغبة دائمة , في تجديد هندسة واساليب عمل مرفق القضاء , حسب هذا التحليل فالقضاء يصبح شيئا عموميا والسياسة الجزائية وبقوة الاشياء تصبح سياسة عمومية , لكن دون ان تصنف في نفس المستوى مع مثيلاتها .
ان المفاهيم الاخرى المجاورة لمفهوم السياسة الجزائية كمفهوم السياسة الجنائية والسياسة العمومية بحسب الاستاذ JULIE SEGAUD في اطروحته للدكتوراه , تأتي لتكوين مفهوم للسياسة الجزائية , فهذا المفهوم ظهر بطريقة مستقلة تحت قوة الظروف وتحت حماية مبادئ كبرى , من ابرزها واهمها استقلالية القضاء ومساواة الجميع امام القانون .
لقد اصبح ينظر الى الدعوى العمومية على انها قطعة تدخل في تركيب السياسة الجزائية , وهي بلا شك تبدو كشبكة من القرارات والتصرفات المتماسكة والتي تفعل الاجابة الجزائية حول الظاهرة الاجرامية , انها : مجموعة آليات للمتابعات , لمعالجة ولقمع الجرائم فعلا في مجتمع ما , وهكذا تكون السياسة الجزائية هي سياسة نشاط النيابة العامة ونظام ملائمة المتابعات ,وترجع الى التعليمات التي تتلقاها من وزير العدل طبقا للمادة 36 من قانون الاجراءات الجزائية الفرنسي , في تأطير نشاط النيابات العامة , هذا هو التعريف الذي اقترحته لجنة العدالة الجنائية وحقوق الانسان قبل سنوات .
ان استراتيجية النشاط العمومي ليست هي السياسة الجنائية , انها عنصر فقط من عناصر السياسة الجزائية , حيث تتميز السياسة الجزائية بمضمون يحتوي على عناصر القرار الذي يصدره المسؤولون عن قيادة السياسة الجزائية , فالسياسة الجزائية يعني ايضا الاستراتيجية الشاملة للنشاط في المادة الجزائية , وتتبع هدفا يتطابق والتوجهات الكبرة للسياسة الجنائية , والذي يكافح الظواهر الاجرامية والمنحرفة .
ان توليفة السياسة الجزائية وقرار السياسة الجزائية تنتجهما من دون شك الممارسات العملية للمؤسسات الجنائية , من حيث الاهداف , ومن منظار عمومي ترمي السياسة الجزائية الى اهداف قمعية كلاسيكية تتمثل في البحث عن مرتكبي الجرائم ومتابعتهم واستصدار احكام ضدهم , وتنفيذ الاحكام العقابية في حقهم , وهناك اهداف اخرى للسياسة الجزائية من خلال آليات ومناهج ونتائج يعهد الى النيابة العامة تحقيقها , تتمثل في الوقاية من الجرائم , والوساطة الجزائية وايضا حماية الضحايا .
اما فيما يخص قرار السياسة الجزائية فان دراسته تعني دراسة القرارات المتولدة في كل مرة ودورها خلال مرحلة سريانها , فهي التي تشكل نظام السياسة الجزائية , ان قرار السياسة الجزائية ما هو الا الاجابة المقدمة من خلال نظام التقرير الجزائي حول مسألة اجتماعية تعتبر كاشكالية جزائية , وهو يمتاز بخاصيتين اساسيتين : ارتباطه بالنظام التقريري الجزائي فهو ينتج في داخله ,وبادراجه في كوكبة القرارات والنشاطات العمومية والتي تؤسس للسياسة الجزائية .
وينوه الاستاذ القدير J.CHEVALLIER من انه لا يوجد قرار سياسي جزائي الا في اطار نظام تشارك فيه كل الهيئات الجزائية , فيعتبر هذا القرار مندرجا ضمن كوكبة القرارات والتي هو مرتبط بها , بوجه عام , هناك تداخل بين عمل المشرع الجزائي وبين هيئات جزائية مختلفة .(14)
حيث ان تقرير السياسة الجزائية هو تقريبا ذو طبيعة تشريعية , فالمبدأ هو شرعية الجرائم والعقوبات , والدستور يضع ضمن المجال التشريعي , القانون الجزائي والاجراءات الجزائية , لكن قرار السياسة الجزائية يمكن تقييمه بشكل مختلف , لانه يندرج ضمن سلسلة من القرارات , وبالتأكيد هي من صنع الادارة .
والسؤال المطروح هنا والذي يتبادر الى ذهننا هو : الا يمكن تصور قرار سياسة جزائية تصنعه الحكومة وتقوده النيابة العامة , لكن من دون تبعية ؟
فعلى حد تعبير الاستاذ JEAN VOLFF , هل يمكن للنيابة العامة ان تكون في نفس الوقت خادما لسيدين : القانون من جهة والحكومة من جهة اخرى ؟ يجيب النائب العام لدى محكمة تولوز في فرنسا بان : النظام الديمقراطي يفرض الا تكون للحكومة مصلحة اخرى غير تطبيق القانون ,وهذا هو الواقع في اغلب القضايا , مع ذلك ففي بعض القضايا الخاصة يمكن ان يظهر التناقض بين ارادة الحكومة وبين احترام القانون .
هناك اقتراح يدعو اصحابه واكثرهم من المنظمات المهنية للقضاة , لقطع صلة التبعية التدرجية بين وزير العدل والنيابة العامة وربطها برئيسها الطبيعي النائب العام لدى محكمة النقض , فيصبح هذا الاخير نائبا عاما للجمهورية مكلفا على المستوى الوطني بمهمة حماية القانون ومدير المتابعات العامة ويمتلك الادارة التقنية للنيابات العامة في كل مجالاتها وسلطات السهر على مجموع قضاتها , بالاضافة الى تسوية النظام الاساسي لقضاة النيابة العامة , بمثيله لزملائهم قضاة الحكم .(15)
يوفر هذا النظام نظريا استقلالية تامة لقضاة النيابة العامة في مواجهة السلطة التنفيذية ,وفي نفس الوقت الحفاظ على وحدة النيابة العامة وتجانس الدعوى العمومية على المستوى الوطني والاقليمي , ومع ذلك هناك اشكاليتين عميقتين ليس من السهل الاجابة عنهما : الاولى تتعلق بالشرعية الديمقراطية للنائب العام لدى محكمة النقض , فشرعية قضاة النيابة العامة تسمح لهم بالتدخل في تحديد السياسة الجزائية , فهل النائب العام وهو قاض محترف الحق في تحديد السياسة الجزائية وقيادتها على المستوى الوطني ؟ ان الجواب هو بالطبع سيكون بالنفي , فسياسة الامة تحددها وتقودها الحكومة بحسب المادة 20 من الدستور الفرنسي كون الحكومة مسؤولة سياسيا امام البرلمان عن تلك السياسة .
ان النائب العام لدى محكمةالنقض وبوصفه قاضيا مستقلا , لا يمكن ان يحدد معالم هذه السياسة ولا ان يكون مسؤولا عنها امام البرلمان , بعكس وزير العدل , المسؤول سياسيا عن تلك السياسة المنتهجة .


واقعية النيابة العامة واشكاليات تطويرها :

حيث ان النيابة العامة وكيلة المجتمع او نائبه القانوني , في المطالبة ابتداء بعقاب المتهم بما يستلزمه ذلك من تحريك الادعاء ضده ثم مباشرة الدعوى العامة المرفوعة ضده , والسهر عليها حتى بلوغ الهدف المبتغى . وحيث ان النيابة العامة كسلطة ادعاء تخضع في قيامها بهذا الدور لتنظيم قانوني مفصل في قانون اصول المحاكمات الجزائية . تستمد النيابة العامة من هذا التنظيم القانوني طبيعتها , والسلطات المخولة لها , وحدود وقيود هذه السلطات , ونطاقها اي (قواعد الصلاحية او الاختصاص ) .
ينبغي التقرير ابتداءا ان جوهر اشكاليات دور النيابة العامة , وربما منظومة العدالة الجزائية بشكل كلي , يكمن في هذا التوفيق الصعب بين ضرورات امن المجتمع بما يعنيه ذلك من ملاحقة جزائية او جنائية فعالة بشأن كل جرم واقع , وبين حماية الحرية الفردية وحقوق الانسان بما يفرضه ذلك من وجود مجموعة من القيود والضمانات والتي تكفل احترام حقوق الانسان , ولا سيما وانه في ظل عمل النيابة العامة تنشأ علاقة غير متكافأة بين سلطة قوية لها حق اتخاذ تدابير قسرية , تنطوي على الاكراه وبين فرد اعزل قد يكون هو الفاعل للجرم الذي وقع , وقد لا يكون مرتكبه .
وفي مطلق الاحوال ثمة سطوع لحقيقة اخرى وجديدة ولا يمكن الاستنكاف عنها او تجاهلها في خضم تصاعد الفكر القانوني , والمهتم والمنشغل والمتحمس لحقوق الانسان المتهم , هو المجني عليه او الضحية والذي يستحق الانشغال به , وهي اشكالية اخرى اضافية تضطلع بعبئها منظمومة العدالة الجزائية , والاهتمام بعلم الضحية ( la victomologie ) , في الفكر والعلم القانوني المعاصر ما هو الا شاهدا ودليلا آخر على تداخل وتشابك المعايير والاسس والقيم والمعايير والتي تنظم وظيفة ودور النيابة العامة (16).
لقد مثلت هذه الاشكاليات بفروعها , وجزئياتها وعلى تنوعها وتعددها ثقلا وعبئا عانت منه النظم القضائية والقانونية في المجتمعات المتقدمة ذات الموارد والامكانيات الكبيرة , فكيف اذا الامر بالمجتمعات والبلدان النامية والتي في طور النشوء فمن المؤكد بانه سوف يكون شديد الوطأة وكثيف الثقل , انعكاسا لضعف الامكانيات وشحيحية الموارد .
اضافة الى هذه الاشكاليات تلوح لنا في الافق اشكالية من نوع آخر والمعروفة قانونا بالرقم الاسود او المطموس (le (chiffe noire , وهو الرقم الذي يمثل حاصل الفرق بين عدد الجرائم التي حصلت وقعت والفعل , وعدد الاحكام والتحقيقات والتي انتهت بالكشف عن الحقيقة في موضوع هذا الجرم , فمن خلال الملاحظة السريعة ومن دون التعمق في الموضوع يظهر لنا الفارق بين الرقمين , حيث انه فارق كبير ويزداد اتساعا , ولا يمكننا ولا يسعنا ان نفسر ونحلل وتقوم بدراسة هذا المؤشر بمعزل وبشكل مستقل عن طبيعة دور النيابة العامة , الصفة الحقيقية لمركزها القانوني , وما يسبقه من عمل للضابطة العدلية , مع الاضاءة ايضا وبشكل اساسي على الامكانيات الفنية والتقنية والتي بلغت بفضل العلم الحديث وتطوره , ناهيك عن عدد رجالات الضابطة العدلية المؤهلين والمدربين واعضاء النيابة العمومية وامكانياتها .
مع كل هذا القصور هناك بعض افاق التطوير الملحوظة , رغما انها لن ترتق الى المستوى المنشود والمطلوب , بالاتجاه عينه بامكاننا رصد تيارات التطوير التشريعي الذي يتوالى ويتحقق في مختلف البلدان ومنها العربية مثلا , في مجال الاجراءات الجزائية ومنظومة العدالة الجنائية , بما يتواكب ويتناغم مع متطلبات العصر والمجتمع وحركة التطور العالمي في هذا المضمار .
لقد اصدرت المغرب على سبيل المثال قانونا جديدا للاجراءات الجزائية هو قانون المسطرة الجزائية والصادر في تشرين الاول من العام 2003 , وهناك ايضا قانون اصول المحاكمات الجزائية اللبناني الجديد الصادر سنة 2001 , وصدر في الاردن قانون استقلال القضاء في سنة 2001 , وفي مصر تتوالى التعديلات الجزئية في مجال الاجراءات الجنائية .
وما هو الجدير بالملاحظة هو ان كل حركات التطوير والتحديث التشريعي في البلدان العربية تقترب اجمالا وحتميا من تكريس المبادئ القانونية والتي تعزز الحقوق والحريات الفردية , وتكفل حقوق الدفاع مثل تكريس مبدأ قرينة البراءة في المغرب , وكذلك الامر انشاء مؤسسة المراقبة القضائية الى جانب الحبس الاحتياطي ( الاعتقال الاحتياطي ) , وعملية تقييد سلطة الحبس الاحتياطي في لبنان , اضافة الى محاكم امن الدولة في مصر وكذلك الغاء الكثير من قرارات المحاكم العسكرية , مع الاعلان عن الغاء عن عقوبة الحبس في جرائم النشر .
لكن ان معظم وجل حركات التحديث والتطوير على المستوى التشريعي في البلدان والعربية منها تتم في الغالب على صعيد المبادئ والاحكام , وهو امر مطلوب , لكن يبقى كذلك التحديث الموضوع الهيكلي والتنظيم المؤسساتي لعمل النيابة العامة ولمعظم منظومة العدالة الجنائية متواضعة نسبيا بسبب قلة الموارد والامكانيات المادية والمعنوية .
ملامح الوضع المؤسسي والهيكل التنظيمي لعمل النيابة العامة :
انها متعددة ومتنوعة , تلك هي ملامح وجوانب الوضع الهيكلي لعمل النيابة العامة , وهو امر طبيعي لا بل حتمي , نسبة لاتساع سلطة النيابة العامة , بوصفها المهيمنة في ظل النظم الاجرائية المعاصرة على امر الدعوى العمومية والجهة التي تحتكرها والتي تنوب عن المجتمع عموما , في مسألة وعملية اقتضاء حق العقاب , اثر الجرم الذي وقع مخالفا لقوانين الدولة الجزائية ومحدثا اضطرابا في صفوف البنية الاجتماعية لها . فبالرغم من هذه الملاحظة المبدئية , هناك وجود واقعي لبعض من الملامح للوضع الهيكلي والمؤسسي لعمل النيابة العامة والجديرة بالدراسة والتعمق والتحليل , هي ملامح ملموسة اكثر , واشد الحاحا لارتباطها العضوي بالحاجة المجتمعية اليها والسعي الشامل لعملية المواكبة والتناغم لما يناسب التطور العصري والحضري للمجتمع , واهم هذه الملامح :
1-مدى اعتبار النيابة العامة سلطة ادعاء فقط , ام جهة ادعاء وتحقيق :
ان الاصل في انظمة العدالة الجنائية والجزائية المعاصرة , هو الفصل الحتمي بين سلطة الادعاء والتحقيق في مجال الدعوى العمومية , ومرد الحكمة من ذلك في ضوء اعتبارات الفكر القانوني والفلسفة السياسة الجنائية من ان الجمع بين وظيفتي الادعاء والتحقيق القضائي ووضعهما او حصرهما بيد سلطة وحيدة في النيابة العامة وبالتالي وحدانية مرجعيتهما , قد يؤثر على هذه الاخيرة في مجريات التحقيق والذي تجريه بما يكون قد تكون سلفا من قرار الادعاء .
وتختلف التشريعات العربية وتتباين من حيث الاخذ بمبدأ الفصل بين هاتين السلطتين (الادعاء والتحقيق الابتدائي ) . ففي مصر يسود قانون الاجراءات الجنائية المصرية الحالي نظام الجمع بين وظيفيتي الادعاء والتحقيق ,حيث تتولى النيابة العامة الادعاء والتحقيق في الدعوى في آن معا . ويجيز القانون المصري كذلك الامر ان يتم التحقيق في الدعوى بواسطة قاض للتحقيق او مستشار للتحقيق , ولكن يلاحظ من ان اجراء التحقيق بمعرفة قاض او مستشار للتحقيق انما يتم على نحو عارض ومؤقت , فالاصل والشائع عملا هو ان تضطلع النيابة العامة بوظيفة التحقيق فضلا عن احتكارها لوظيفة الادعاء , فيمكننا القول من ان المشرع المصري انما يكرس في الواقع مبدأ الجمع بين وظيفتي الادعاء والتحقيق , حتى انه حين اجاز اجراء التحقيق بواسطة قاض للتحقيق فقد جعل ذلك الامر منوطا بادارة النيابة العامة نفسها , وذلك حسب نص المادة 64 أ.ج مصري .
اما في لبنان فان قانون اصل المحاكمات الجزائية اللبناني الجديد ينص في المادة 50 فقرة 2 على انه ” لا يحق للنائب العام الذي ادعى في قضية ما ان يتولى التحقيق او الحكم فيها” .
يتضح من النص السابق انه لا يجوز للنائب العام الذي اضطلع بالادعاء في قضية ما ان يشترك في التحقيق فيها , ولا من باب اولى ان يشترك في الحكم فيها ذلك , لذات السبب السابق من انه لا يجوز الجمع بين صفتين متناقضتين ومتعارضتين , على نحو وخاطر قد يفقد النائب العام حياده , ولكن هذا الحظر يقتصر فحسب على النائب العام حين يضطلع بالفعل بعمل الادعاء , فاذا لم يقم بالادعاء فليس ثمة ما يحول ويمنع من اشتراكه في نظر دعوى ما , اذا ما اضحى عضوا في هيئة المحكمة التي تنظر في هذه الدعوى .
حيث ان المبدأ الاساسي هو حظر قيام النائب العام بالتحقيق او الحكم في ذات الدعوى والتي سبق له الادعاء فيها , فان العكس غير محظور , والمعنى المقصود هنا هو انه يجوز لقضاة التحقيق او لقضاة الحكم ان يقوموا بوظيفة النيابةالعامة في نفس الدعاوى والتي اشتركوا فيها باعمال التحقيق اوالحكم , اذ يحق لهم ان يمثلوا النيابة العامة ويقوموا بالطعن في الاحكام وتقديم طلبات وابداء الدفوع , ان التفسير الوحيد لذلك هو ان قيامهم لمهام النيابة العامة لا يفقدهم بالتالي الحياد اللازم , لان النيابة العامة هي في الامر الواقع “خصم” و”مدعي” , لكن طلباتها تظل منوطة باستجابة المحكمة لها , وقد اكدت محكمة التمييز اللبنانية على انه لا يوجد نص قانوني يمنع قضاة التحقيق من القيام بوظيفة الادعاء في دعوى اجروا فيها تحقيقا , وذلك بعد ان يكونوا قد استنفدوا صلاحيتهم كقضاة تحقيق(17) .
فبالرغم من ان التشريع اللبناني يحظر الجمع بين وظيفة الادعاء الذي تضطلع به النيابة العامة وبين وظيفة التحقيق والذي يعهد به ويؤمن عليه لدى قضاة التحقيق ثم الهيئة الاتهامية في حدود معينة حيث تنظم المواد 51 وما بعدها من قانون اصول المحاكمات الجزائية اللبناني الجديد التحقيق الابتدائي والذي يتم بواسطة قضاة التحقيق . فبالرغم من ذلك الفصل النظري بين سلطتي الادعاء والتحقيق فان النيابة العامة تضطلع بدور مؤكد في التحقيق وان كان ذلك تحت مسمى التحقيق الاولي والذي يفترض انه يتم في مرحلة التقصي والاستدلال . ولكن وبصرف النظر عن التسمية التي يمكن اطلاقها والقول ان التحقيق الاولي يختلف عن التحقيق الابتدائي ذي الطابع القضائي في مفهومه الدقيق حكما , فانه لا يمكننا انكار هنا ان النيابة العامة تقوم بمباشرة اجراءات ومعاملات في صلب عملية التحقيق الابتدائي ذي الطبيعة القضائية مثل استجواب المدعى عليه ( م32 م.ج لبناني ).
اما في المغرب فان مبدأ الفصل بين وظيفتي الادعاء والتحقيق يبدو هو السائد حيث تقتصر سلطات النيابة العامة على استقصاء الادلة وتحريك الدعوى العامة والادعاء .
نستنتج من ذلك من ان مبدأ الفصل بين وظيفتي الادعاء والتحقيق يبدو مكفولا الى حد بعيد في التشريع المغربي , وبمستوى اقل في التشريع اللبناني , لكن تبدو هذه الدرجة مفقودة نوعا ما في تشريعات مصر والاردن واليمن كامثلة لبعض البلدان العربية .
لقد انتقد معظم اهل الفقه امر الجمع بين وظيفتي الادعاء والتحقيق وحصرهما وجمعهما في يد النيابة العامة , اذ ان الامر يعني بان تجمع النيابة العامة بين صفتين متعارضتين هما صفة الخصم والحكم , فهي حينئذ الخصم بحكم ما يفرضه الادعاء في مواجهة المتهم , وهي فوق ذلك حكم حين تضطلع بالتحقيق ومحاولة كشف الحقيقة بشان الجرم المنسوب اليه , وان واقع الامر فيما يبدو لنا , ان العلة من المناداة بمبدأ الفصل بين الوظيفتين والسلطتين (الادعاء والتحقيق ) هي لضمان الحياد فيمن يتولى التحقيق وعدم تأثره بما يكون قد اصدره من قرار الادعاء ضد المتهم بالطبع . واننا نعتقد من ان الحياد المنشود هذا , لا يتأتى فقط من حيث الشكل القانوني والذي يفرضه هذا النظام او غيره , بقدر ما يتأتى من الضمير القانوني للقائم بالتحقيق بشكل اساسي , وبالاضافة الى القواعد والضمانات التي يقررها القانون لهذا النظام .
ان الضمير القانوني للمحقق هو الحارس لصفة الحياد , فقد يأخذ المشرع بنظام الفصل بين الادعاء والتحقيق دون ان يتوافر حياد المحقق بالضرورة ولاسبابتعود الى ضميره القانوني , وقد يجمع بينهما المشرع ويتوافر حياد المحقق رغم ذلك ليقظة هذا الضمير, بالاضافة الى ان القواعد والضمانات والتي يقرها القانون بشأن عملية التحقيق ,هي وحدها التي ترجح افضلية نظام الجمع او الفصل بين السلطتين , فرب نظام للفصل بين السلطتين يكون اقل احتراما لمبدأ الحياد , وكفالة حقوق الدفاع , ورب نظام للجمع بين السلطتين يكون اكثر احتراما لهما (18).
ونلاحظ في نفس السياق من ان المشرع المصري رغم اخذه بمبدأ الفصل بين سلطتي الادعاء والتحقيق , يجعل بعض اجراءات التحقيق الهامة في يد سلطة مستقلة , ويخرجها من سلطة النيابة العامة اذا كانت هي تتولى التحقيق , والمثل لذلك من انه جعل من سلطة القاضي وليس من سلطة النيابة العامة اصدارالامر بتفتيش اشخاص ومنازل غير المتهمين , والامر ايضا بضبط الخطابات والرسائل لدى مكاتب البريد والبرق , واصدار الامر بمراقبة المحادثات الهاتفية واجراء التسجيلات الصوتية في الاماكن الخاصة , ان هذه الاجراءات لا تملك النيابة العامة الاذن بها بل يتعين عليها ان تطلب من القاضي الجزائي الاذن بذلك .
2- الاخذ بمبدأ التدرج الرئاسي وما يترتب على ذلك من نتائج :
ان المقصود بمبدأ التبعية الرئاسية او التدرجية la subordination hierarchique , هو خضوع اعضاء واشخاص النيابة العامة فيما يقومون به لسلطة رئاسية داخلية تمثل في الالتزام بما يصدر اليهم من تعليمات بصدد مباشرتهم العمل الاجرائي . ويترتب على ضرورة الالتزام بهذه التعليمات امكان رقابة اعضاء النيابة العامة بعد تنفيذهم العمل وقيام مسؤوليتهم التأديبية عن مخالفة ما اعطى لهم من تعليمات .
ان الخضوع لتبعية الرئاسية لا ينتقص من عدم قابلية النيابة العامة للتجزئة , بل انه يفسرها ويساعد في التمهيد لها , حيث ان هذه التبعية الرئاسية تعني ان يباشر عضو النيابة عمله , تحت مظلة واشراف رئيسه الاعلى درجة , على نحو يعبر فيه العمل الاجرائي في النهاية عن النيابة العامةكوحدة لا تقبل التجزئة , لكن لتلك التبعية الرئاسية حدودها , اي نطاقها الذي تباشر فيه من ناحية , كذلك الامر شروطا ينبغي توافرها من ناحية ثانية (19) .
يتحدد نطاق التبعية الرئاسية من ناحية اولية لما يلي :
-خضوع اعضاء النيابة العامة للاشراف الاداري , حيث ان اعضاء النيابة العامة يخضعون للنائب العام فيما يتعلق بتعيين محل اقامتهم , ونقلهم , وانتدابهم , وتوزيعهم ايضا على دوائر المحاكم , ومن ثم اقامة الدعوى التأديبية عليهم ,وتوجيه التنبيه اليهم عما قد ينسب لهم من اهمال او تقصير .
-خضوع اعضاء النيابة العامة لسلطتهم الرئاسية (النائب العام ) فيما يتعلق باختصاصهم الاتهامي , لان عضو النيابة لا يصدر قراره بالاتهام بالاصالة عن نفسه بل بالوكالة عن النائب العام , اذا لا يجوز له مخالفة اوامر النائب لهذه الناحية .
هناك اختلاف للفقه ازاء الجزاء المترتب على عملية مخالفة ومعارضة عضو النيابة العامة لتعليمات النائب العام , بشأن رفع الدعوى او عدم رفعها , حيث يذهب راي الى القول ببطلان قرار رفع الدعوى او عدم رفعها اذا صدر بالمخالفة لتعليمات النائب العام , لان عضو النيابة العامة حين يوجه الاتهام , يعنبر كالوكيل والذي لا يجوز ولا يحق له الخروج عن حدود تلك الوكالة , فاذا امر النائب العام برفع الدعوى العمومية , فامتنع عضو النيابة العامة عن رفعها بان اصدر امرا بالحفظ او قرارا بان لا وجه او ضرورة لرفع الدعوى ( في الانظمة التي تخول النيابة العامة سلطة التحقيق ) , فان ما يقع من عضو النيابة العامة هنا يعتبر باطلا , واذا امر النائب العام عضو النيابة بالامتناع عن رفع الدعوى فرفعها عضو النيابة بالمخالفة لتعليمات فان رفع الدعوى يعتبر باطلا , ويجب على المحكمة عدم قبولها .
ويرى الفقه الفرنسي ان مخالفة عضو النيابة العامة لتعاليمات النائب العام فيما يتعلق بالاتهام , لا يصم الاجراء بالبطلان , وهو راي قد لا يعكس ولا يقر بواقع الحال في التشريعات العربية مثلا , حيث انه من الثابت ان عضو النيابة العامة, انما يصدر قراره بالاتهام بوصفه وكيلا اوممثلا للنائب العام.
لكن الاختلاف يكمن في اعمال التحقيق حيث يباشرها عضو النيابة عامة بالاصالة عن نفسه , وليس بالوكالة عن النائب العام , حيث ان اختصاصه بالتحقيق هواختصاص اصيل , المرد الاساسي لمفهوم عدم تقيد عضو النيابة العامة المحقق بتعليمات النائب العام نابعة من اعتبار ان اعمال التحقيق هي اعمال قضائية او ذات طابع قضائي . اذ لا يبطل اي اجراء يتخذه بالمخالفة لتعليمات هذا الاخير , لكن عدم بطلان العمل التحقيقي لا يحول دون امكان مسائلة عضو النيابة العامة تأديبيا .
ومن ضمن الامور التي لا يتقيد بها عضو النيابة العامة برؤسائه , مرافعته اثناء الجلسات وما يبديه من طلبات ودفوع في جلسات المحاكمة , فيكون له ان يطلب ببراءة المتهم بعد سبق اتهامه وتحريك الدعوى في مواجهته , وكذلك الامر يحق له ان يعدل من طلباته , وله ايضا ان يبدي ما شاء من طلبات ودفوع , ويترافع كما يمليه عليه ضميره من دون اي تأثر رئاسي تسلسلي . والعلة من غل يد السلطة الرئاسية عن عضو النيابة في شأن مرافعته امام المحكمة مزدوجة : حيث ان الدعوى العمومية قد دخلت في مدار ومحور المحكمة وخرجت من يد سلطة التحقيق , كما ان مهمة عضو النيابة العامة في مرحلة المحاكمة ليست سوى تطبيق القانون تطبيقا سليما , ومما لا شك فيه ان هذين الاعتبار كفيلان بانحصار سلطته الرئاسية عنه في هذه المرحلة تطبيقا للحكمة الذائعة لئن كان القلم مقيدا , فاللسات طليق .
وتكاد تأخذ النظم القضائية العربية مبدأ التدرج الرئاسي او العلاقة الهرمية داخل النيابة العامة مع تباين طفيف في التفصيلات واشكال التطبيق والمسميات المختلفة , ففي مصر ولبنان واليمن والمغرب والاردن يتبع سائر اعضاء النيابة العامة النائب العام والذي يحق له اصدار تعليمات مكتوبة او شفاهية لجميع الاعضاء . وليس هنالك اي دور مميز يظهر به ويلعبه وزير العدل في هذا المجال بحسبه ممثلا للسلطة التنفيذية .
في لبنان ومصر مثلا يخضع اعضاء النيابة العامة اداريا لسلطة وزير العدل لكنهم يستقلون قضائيا عنه ,وقد الغيت في لبنان المادة 33 من المرسوم الاشتراعي رقم 8 لسنة 1954 فيما كانت تنص عليه من انه يحق لوزير العدل ان يوجه النيابة العامة يتعليمات خطية وعليها ان تتقيد بها , حيث حلت محلها المادة الثالثة من قانون القضاء العدلي والتي تبدو اقل تأكيدا لسلطة وزير العدل وتكاد تحصرها في الادارة والمراقبة بالمفهوم الاداري .
اما في الاردن فان اعضاء النيابة العامة ملزمون في معاملاتهم ومطالبتهم الخطية الصادرة اليهم من رؤسائهم او من وزير العدل كما انهم في مجال اقامة الدعاوي مكلفون بتنفيذ اوامر وتعليمات ليس فقط النائب العام بل ايضا وزير العدل وهو الامر الذي يوسع من مفهوم التدرج الرئاسي ويثير التساؤل حول ادخال وزير العدل ضمن حلقات هذا التدرج , حيث تقترب النيابة العمومية هنا لصفة الاداة للسلطة التنفيذية وتبدأ بالخسارة لكثير من مقتضيات الاستقلالية .
3-مدى الاخذ بنهج التخصص في عمل النيابة العامة :
نتيجة لتعقد الظواهر الاجرامية وتنوع حالاتها واستفحالها في العصر الحديث , تطلب الامر وجود اجهزة للملاحقة والادعاء والتحقيق على درجة معقولة من التخصص وهو امر يبدوا اكثر وضوحا في الظواهر الاجتماعية الحديثة , المركبة والمتشابكة , وليدة التقدم التقني الهائل والغير المسبوق في تاريخ البشرية .
لم تعد الجريمة على بساطتها القديمة , بل تعدت ذلك واضحت نشاطا منظما , يتوسل ويستعين بالعلم الحديث ومنجزاته التقنية , كما الحال في مجال الحوسبة وشبكة الانترنت والنشاط المصرفي , حيث اصبح يقتحم مجالا جديدة وعديدة , مهددا من خلالها لقيم انسانية وحضارية جديدة بدورها , والمثال هنا ينطبق على جرائم الاعتداء على البيئة بمختلف صورها وشتى انماطها , وكذلك ايضا في مجال الجريمة المنظمة والفساد (20) .
رغم تخصص اجهزة البحث الشرطي وفائدتها في هذا الخصوص , حيث انها منبثقة من عمل الضابطة العدلية والتي تقوم بنشاطها واعمالها المتعلقة في هذا الصدد من الاستدلال والتقصي ,اضافة الى التحقيقات الاولية في مثل هذه الظواهر الجرمية الجديدة , الا ان الامر لا يغني عن ضرورة واساسية وجود نيابات عامة متخصصة , تواكب بدورها ما يفرضه الاجرام الجديد عبر صوره المعقدة , وظواهره التقنية المتنوعة من تحديات .
عربيا , تختلف وتتباين النظم القضائية في مدى اخذها في نهج التخصص عي اعمال النيابات العامة , حيث ان النظام القضائي المصري قد بلغ الوصول الى درجة مقبولة بهذا النهج , حيث توجد نيابة عامة متخصصة في مكافحة التهرب الضريبي , وواحدة اخرى مختصة في الشؤون المالية والتجارية , وايضا في مجال الاحوال الشخصية , وفي الاموال العامة كذلك الامر الامر الذي يسمح لمكافحة ظاهرة الفساد , اما في لبنان فتوجد نيابة عامة مالية على رأسها نائب عام مالي يتمتع في حدود المهام المحددة له في قانون اصول المحاكمات الجزائية للصلاحيات العائدة والممنوحة للنائب العام التمييزي . اما في المغرب فيوجد نيابة عامة متخصصة امام المحاكم التجارية , حيث ان الامر يتطلب الانتقال بنهج تخصص النيابة العامة من اسس المبادئ النظرية والتنظيمية وتوزيع الاعمال الادارية , من اجل الوصول الى تخصص فاعل وهيكلي في عمل النيابة العامة ,بما يتطلبه الامر وتقتضيه الظروف والامور من تخصص هيكلي ومؤسسي على صعيد الوسائل وادوات العمل الى تخصص قانوني على صعيد الاطر والايديولوجيات والنظم القانونية , والتي تفرضها الظواهر الاجرامية المعقدة وذات التنوع الجديد .
4-معايير التنمية البشرية والفنية في آداء النيابة العامة لدورها :
ان الدور الذي تلعبه النيابة العامة لا يتوقف فقط على المعايير القانونية والفكرية سواء على صعيد وضعها الهيكلي والمؤسسي او على صعيد المبادئ القانونية والتي تلتزم بها , حيث ان الامر يتعدى ذلك وصولا الى معايير التنمية والتي تعزز وتساعد النيابات العامة لناحية ادائها , من خلال التحفيز للحصول على اكبر مردود ممكن في مجال العدالة الجزائية والتي تدفع من ناحية اخرى هذا الاداء من خلال البنية المادية والفنية والتي يرتكز عليها اعضاء النيابة العامة في ادائهم لدورهم .
فتعدد المعايير , والتي يمكن الاحتكام اليها لتعزيز التنمية البشرية والفنية اداء النيابة العامة لدورها , وبمكانها لحظ المعايير التالية :
أ-كفاية عدد اعضاء النيابة العامة : حيث يلاحظ ان عدد هؤلاء العاملين في النيابة العامة لا يتناسب مع استشراء وتعقد وغلو الظاهرة الاجرامية وما يفرضه ذلك من تحديات على نظام العدالة الجزائية , ولا حتى في ضوء اجمالي عدد السكان , وتحمل هذه المشكلة في ثناياه مشكلة العجز الاقتصادي والمالي في الدرجة الاولى , بحيث تتمثل ايضا قلة الموارد المطلوبة لتعيين اعضاء جدد العائق الرئيسي في هذا الشأن .
ب-اجراءات اختيار وتقييم قضاة النيابة العامة تنطوي مثل هذه الاجراءات على كثير من الاهمية والبالغة في صدقيتها , اذا من ناحية اولى تضمن معيار الكفاءة سواء تم استخلاصه من معدل الدرجات الحاصل عليها المتقدم للتقييم في دراسته القانونية , ام من جدارته في اجتياز المسابقة او الامتحان الذي يؤهله للتقييم ام منهما معا , كما ان هذه الاجراءات من ناحية ثانية تؤكد على التزام الدولة بمبدأ تكافؤ الفرص والمساواة بين المواطنين المتقدمين للتقييم وهو احد المبادئ والتي تستند اليها دولة القانون والمؤسسات .
ج-تواضع قواعد المعلومات وبنوك المعرفة : حيث ان النيابة العامة في اساسها هي سلطة ادعاء (وتحقيق ايضا بحسب بعض الانظمة القانونية ) , فان هذا الدور لا يغنينا ولا يثنينا عن اهمية وجود قاعدة بيانات وقواعد معلومات كافية ودقيقة , تمكن وتكفل لنا الحصول على سائر البيانات الاحصائية عن المجرمين وجرائمهم , حيث ان الامر ايضا لا يغني عن الحاجة الى بنوك للمعرفة اكثر شمولا , تتعدى بدورها لكي تكون مجرد بيانات احصائية , لكي تقدم بعض الدراسات المتعمقة او المقارنة التي قد يستلزمها حسن واداء دور النيابة العامة لدورها (21).
تطوير البنية القانونية للنيابة العامة
أ-اشكالية المركز القانوني للنيابة العامة: تتعدد اشكاليات تطوير البنية القانونية , والتي تحكم اداء النيابة العامة لدورها , حيث ان هناك خلاف فقهي وتردد قضائي حول تحديد الطبيعة القانونية للنيابة العامة
1-النيابة العامة جهاز من اجهزة السلطة التنفيذية : يرى الكثير بأن النيابة العامة جزء من السلطة التنفيذية وان اعضاءها انما يمثلون هذه السلطة لدى المحاكم , ويتأثر هذا الرأي بالاصول التاريخية لنظام النيابة العامة , والذي نشأ في فرنسا ابان القرن الرابع عشر , حيث كان رجال النيابة العامة هم الذين يمثلون الملك ورجال الكنيسة لدى المحاكم للدفاع عن مصالحهم الخاصة , مثلهم كأي طرف أخر امام المحكمة , وكانت المهمة الرئيسة لهؤلاء هي متابعة المحاكمة لتحصيل الغرامات فيما بعد , بحيث اصبح اعضائها هم ممثلو الاتهام بصفة رسمية لكن هذه الجذور التاريخية التي تدين بنظام النيابة العامة الى فرنسا , تركت اثرها من حيث النظر للنيابة العامة كجهاز تابع للسلطة التنفيذية ’ اذ ظلت في كافة الاحوال هي التي تضطلع بمهمة الادعاء في مواجهة مرتكبي الجرائم او المتهمين بارتكابها .
لقد اتيح لمحكمة النقض المصرية بداية الامر ان تعرض لطبيعة النيابة العامة , فانحازت الى هذا الراي , وعرفت النيابة العامة بانها شعبة اصيلة من شعب السلطة التنفيذية , خصت بمباشرة الدعوى العمومية نيابة عن تلك السلطة , وجعل لها وحدها حق التصرف فيها تحت اشراف وزير العدل ومراقبته الادارية , اذ هي بحكم الوظيفة منوطة بها مستقلة استقلالا تاما عن السلطة القضائية .
ولا يبين من نصوص القانون سواء في مصر او لبنان او التشريعات الاخرى الطبيعة القانونية للنيابة العامة , فوفقا لنص المادة الاولى من قانون الاجراءات الجنائية المصري “تختص النيابة العامة دون غيرها برفع الدعوى الجنائية ومباشرتها .” وتنص كذلك المادة السادسة من قانون اصول المحاكمات الجزائية اللبناني على ان “دعوى الحق العام لتطبيق العقوبات منوطة بقضاة النيابة العامة ومعاونيهم في هذا القانون “. حيث ان النيابة العامة تقوم بهذه المهمة باعتبارها وكيلة عن المجتمع , ويجب بالتالي ان تلتزم حدود الوكالة وان تقوم بعملها باعتبارها جهازا من اجهزة الدولة .
2-النيابة العامة : شعبة من شعب السلطة القضائية : يتجه الرأي الغالب في الفقه الى اعتبار النيابة العامة بانها جزء من السلطة القضائية وليست جهازا اداريا من اجهزة السلطة التنفيذية , وان كافة التصرفات التي تصدر عنها ,هي من قبيل الاعمال القضائية سواء تمثلت في جميع الاستدلالات واعمال التقصي (بوصف النيابة العامة رئيسة للضابطة القضائية , او في الاتهام , او في التحقيق الابتدائي , وقد عدلت محكمة النقض المصرية عن قرارها السابق , مقررة ان النيابة العامة هي شعبة اصيلة من شعب السلطة القضائية , خول الشارع اعضاءها من بين ما خوله لهم سلطة التحقيق ومباشرة الدعوى العمومية .
في الواقع ان هذا الرأي ارجح من سابقه , يؤكد تلك السلطات الممنوحة للنيابة العامة والتي لا يمكن فهمها الا باعتبارها تأكيدا للصفة القضائية لها : حيث انها هي التي تتولى التحقيق وتملك في هذا الخصوص سلطة تقدير ملاءمة رفع الدعوة من عدمها , كما ان لاعضائها الحصانات المقررة للقضاة في قانون السلطة القضائية في مصر , وقانون القضاء العدلي في لبنان , يضاف الى ذلك ان خضوع النيابة العامة لاشراف وزير العدل والذي يمثل السلطة التنفيذية لا يعني تبعيتها لهذه السلطة , لان الامر لا يعدوه ان يكون اشرافا اداريا وليس قضائيا , كما ان اعضاء النيابة العامة هم في حقيقة الامر قضاة .
3-النيابة العامة ذات طبيعة قانونية مزدوجة : يميل جانب من الفقه الى تأصيل واقعي لطبيعة النيابة العامةبالنظر الى تشعب وظائفها وتنوع اختصاصاتها , حيث ان عمل النيابة العامة ينطوي من ناحية على جانب تنفيذي حينما تتولى الادعاء وتقوم باعمال الاستدلال والتي ترأس فيها رجال الضابطة العدلية , لكن عملها ايضا من ناحية مختلفة ينطوي على جانب قضائي عندما يعهد بالتحقيق الابتدائي , ووفقا لهذا الرأي يصعب اعتبار النيابة العامة جهازا قضائيا محضا ,ولكن هذا الطابع المزدوج للنيابة العامة لا يمنع من رجحان طابعها القضائي بالنظر لقيامها بالتحقيق الذي هو عمل ذو خصيصة قضائية (22).
4-طبيعة النيابة العامة مستقاة من سلطتها ,ومن المبادئ التي تحكم عملها : لكل من الاراء منطقها ومنطلقها , وخصوصا المنطلق النظري , وهو ينتقي بطبيعة الحال النتائج الاكثر ملاءمة لهذا المنطلق النظري , وان كانت ثمة حقيقة نميل اليها في اعتبار النيابة العامة ذات طبيعة مزدوجة , ولا شك ان طبيعة القانون لشخص اجرائي ما انما تتأثر بالضرورة بالسلطات المخولة له , والمبادئ والتي تحكم عمله , حيث ان هذه السلطة مع مجموعة المبادئ والمتباينة بعض الشئ والمتمايزة من نظام قانوني لآخر ,هي التي ترشدنا وتقودنا الى ترجيح تبعية النيابة العامة الى السلطة التنفيذية او الى السلطة القضائية , حيث ان هناك اعتباران ينبغي الاشارة اليهما في هذا الخصوص , الاعتبار الاول والمتمثل في دور النيابة العامة في الدعوى العمومية اذ هي في بعض الانظمة القانونية سلطة اتهام فقط (كالقانون الفرنسي والمغربي وبدرجة ما القانون اللبناني , والقانون المصري في ظل القانون سنة 1883.) , بينما تعد انظمة قانونية اخرى النيابة العامة سلطة تحقيق بحسب (القانون المصري الحالي ,واليمني والاردني ). والاعتبار الثاني هو وجوب التفرقة بين تبعية النيابة العامة للسلطة القضائية وبين تبعيتها للسلطة التنفيذية , اي وبمعنى متناقض لا ينبغي المقابلة بالضرورة بين هاتين الفكرتين بحيث ان القول باحداهما ينفي ويستبعد الثانية . فمن ناحية اولى لا شك ان دور النيابة العامة في ظل نظام قانوني معين يخولها تارة سلطات تجعلها اقرب ما تكون الى سلطة قضائية او الى جهاز قضائي خالص ,ويظهر ذلك حين يعهد اليها بالتحقيق في الدعوى العمومية , اذ انها تباشر هنا اعمالا ذات طبيعة قضائية , وتصدر اوامر وقرارات قضائية كالقرار بان لا وجه لاقامة الدعوى (القرار بمنع المحاكمة). لكن يخولها احيانا اخرى النظام القانوني سلطة الاتهام والادعاء باسم المجتمع وكنائب عن الدولة .
حيث ان النيابة العامة في مباشرتها للاتهام تبدو اقرب للسلطة التنفيذية منها للسلطة القضائية , ومن هنا كان ترجيح اعتبارها بانها ذات طبيعة مزدوجة , ومن ناحية ثانية فالقول بتبعية النيابة العامة (فيما تضطلع به من اعمال الاتهام) , لا يعني بالامر الحتمي انسلاخها عن السلطة القضائية او تجردها من الصفة القضائية , وكذلك الامر ان النظر اليها كسلطة قضائية لا يفيد بالضرورة انتفاء كل مظاهر تبعيتها للسلطة التنفيذية , فلا ينبغي تحديد طبيعنها بالمقابلة الآلية بين هاتين النظريتين , وانما يمكن القول برجحان طبيعتها القضائية على مظاهر تبعيتها للسلطة التنفيذية ,ولعل مظاهر غلبة او رجحان الطابع القضائي للنيابة العامة على طابعها التنفيذي يتجلى في السلطات المخولة لها وايضا من خلال المبادئ والتي تحكم عملها , وطريقة تشكيلها . حيث ان النيابة العامة من هذا المنظور سلطة قضائية : اذ هي تحقق في الدعاوى وتقوم باعمال ذات طابع قضائي , وتصدر اوامر وقرارات قضائية , وكما ان حضورها شرط لصحة اجراءات المحاكمة , حيث ان المبادئ والتي تحكم عملها تؤكد صفتها القضائية اذ هي لا تجزأ , وهي مستقلة عن السلطة التنفيذية في كثير من النواحي , اما اذا تكلمنا عن اعضاؤها فهم من القضاة , والخلاف حول الطبيعة القانونية للنيابة العامة هو في النهاية خلاف فلسفي .
العمل بمبدأ الاستقلالية للنيابة العامة :
النيابة العامة مستقلة في مواجهة كل سلطات الدولة , خاصة السلطة التنفيذية ,وفي مواجهة المتقاضين والمجتمع المدني بشكل عام وكذلك مع علاقتها بالمحاكم , انها من اهم المبادئ المعترف بها في الانظمة الاجرائية المعاصرة والحديثة استقلالية النيابة العامة , حيث انها تمثل من الناحية النظرية احد موجهات السياسة الجنائية الرشيدة والمتوازنة , حيث ان النيابة العامة هي سلطة الادعاء والتي تنوب عن المجتمع وليس عن الدولة فحسب في المطالبة بانزال العقاب بالمتهم .
ومما لا شك فيه , من ان حسن ادائها لهذه الوظيفة يتطلب منحها قدرا من الاستقلالية فاستقلال النيابة العامة ضمانة لفعاليتها وتبعيتها اضعاف حتمي لهذه الفعالية . وقد حرصت النظم القانونية بدرجات متفاوتة من بلد الى آخر على محاولة تأكيد هذا الاستقلال من خلال النصوص القانونية المختلفة , والتساؤل هنا والذي يفتح باب لاشكالية جديدة ما اذا كان الواقع يرقى الى مستوى هذه النصوص النظرية ام لا .
ان هذا التأكيد على مبدأ استقلال النيابة العامة يقتضي توافر استقلاليتها في :
أولا-مدى استقلال النيابة العامة في مواجهة السلطة التنفيذية : لقد كتب الاستاذ MAURICE ROLLAND , ان : السلطة التنفيذية بامكانها ان تفرض على النيابة العامة تصرفا ما , لكن لا يمكنها ابدا ان تفرض عليها آراء معينة , فيمكنها ان تفرض تحريك متابعة ,رفع استئناف ,او ممارسة طعن , لكن لا يمكنها ان تقيد رايها تبعا للمناقشات في الجلسة او تفرض عليها التماس عقوبة تراها غير صحيحة او التماس تبرئة غير عادلة , حيث انه في الجلسة تقدم النيابة العامة التماسات مكتوبة مكتوبة بناء على ما ورد اليها من تعليمات , لكن بامكانها ان تقول كل ما تعتقده موافقا للمصلحة العامة ولو كان معاكسا لالتماساتها المكتوبة , وهذا يجسد دورها كمدافع حقيقي عن القانون والذي هو في الاساس النهج التعبيري عن الارادة العامة (23) .
اي يظهر هذا الاستقلال وبشكل جلي وواضح في مواجهة وزير العدل بوصف ان هذا الاخير هو الممثل للسلطة التنفيذية , والقاعدة الاساس ان قضاة النيابة العامة مستقلو عن وزير العدل فيما تؤديه من اعمال واجراءات للاتهام والتحقيق . سواء تمثل الاتهام في سلطة التحريك للدعوى العمومية او في عملية مثولها امام المحكمة , وابدائها للطلبات والدفوع والطعون في الاحكام , اذ هي لا تأتمر في ممارستها لهذه الاعمال باوامر وزير العدل او بطلباته او بتوجيهاته , والقاعدة الاساس بانه لا يمكن لاي وزير في الحكومة اعطاء اوامر او تعليمات لقضاة النيابة العامة ولا لاي عضو من اعضائها .
وحيث ان المشرع قرر احيانا من اعطاء وزير العدل سلطة في مواجهة النيابة العامة , حيث تنص المادة 5 من الدستور الفرنسي 22-122-1958 على ان : “قضاة النيابة العامة يخضعون لادارة ورقابة رؤسائهم التدرجيين , تحت سلطة وزير اعدل , حافظ الاختام ,اثناء الجلسة والكلمة حرة ” , هذا مع استثناء النيابة العامة لدى محكمة النقض . وتنص ايضا المادة 30 من قانون الاجراءات الجزائية الفرنسي على انه : و”يمكنه ان يأمر بتعليمات مكتوبة وموجهة الى ملف الاجراءات بمباشرة متابعات او بالمبادرة بمتابعات , او باخطار الجهات القضائية المختصة كتابيا بما يبدوله ملائما من طلبات في قضايا معينة “. اي لوزير العدل سلطة مزدوجة قهو يفرض على مجموع قضاة مؤسسة النيابة العامة مفهمومه للمصلحة العامة .
حيث ان سلطة هذه المصلحة العامة هي ادارية فقط , لكنها لاتمس ما تقوم به النيابة العامة من اعمال قضائية او ذات طابع قضائي سواء في مرحلة الاتهام او التحقيق او الاشتراك في جلسات المحاكمة , بعبارة مختلفة يمكن القول ان النيابة العامة تابعة اداريا لوزير العدل ومستقلة قضائيا عنه .
يترتب على هذا الاستقلال عدم التزام النيابة العامة باوامر او طلبات او توجيهات وزير العدل في كافة ما تقوم به من اعمال قضائية او ذات طابع قضائي , اذ هي تملك تحريك الدعوى العمومية ولو ان وزير العدل كان قد طلب عدم تحريكها , ولها ايضا ان تمتنع عن تحريكها ولو امرها بعكس ذلك , ويتجلى استقلال النيابة العامة عن وزير العدل في مرحلة التحقيق وعند اضطلاعها ومباشرتها اجرائه , وكذلك الامر لمرحلة المحاكمة , حيث ان النيابة العامة تبدي الطلبات وتقدم الدفوع من اي التوام لاوامر او طلبات . ويحق لها ان تطعن في الحكم الصادر على غير رغبة وزير العدل , او تقعد وتسكت عن الطعن به خلافا لرغبته في تقديم الطعن , وفي كافة الاحوال لا يترتب البطلان على ما تقوم به النيابة العامة من اعمال قضائية او ذات طابع قضائي فيما يتعلق مباشرة الدعوى العمومية بالمخالفة لاي اوامر او طلبات وزير العدل , ولكن ثار الخلاف حول مدى قيام المسؤولية التأديبية في حالة مخالفة عضو النيابة العامة لاوامر وزير العدل فيما يتعلق بشؤون مباشرة الدعوى العمومية , لكن الرأي الراجح هو استبعاد هذه المسؤولية , لان نشوء مثل هذه المسؤولية يجرد مبدأ الاستقلال عمليا من محتواه , ويفتح الباب بشكل عريض وملحوظ لتدخلات محتملة من جانب السلطة التنفيذية في عمل النيابة العامة (24).
فاذا تناولنا بهذا الصدد سلطة الملائمة ,والتي يتمتع بها وكيل الجمهورية , فهي تسمح للنيابة العامة بالاختيار حسب الظروف , التماس تطبيق قانون ما معين , او بعد التماس ذلك ,وهذا لتفادي مساوئ اكبر بكثير من مساوئ عدم تطبيقه , ان ذلك قرار سياسي , لا يمكن قبوله دون الرجوع الى السلطة التنفيذية في الدولة , حيث ان المشروعية الدستورية هي التي تدعو ممثلي النيابة العامة الى التقيد بالتدرجية الهرمية , ولكن سلطة الدعوى الجزائية لا يمكن ان تخضع للسيطرة التامة عليها بهذا الشكل ,وبهذا المعنى ,منحت للنيابة العامة سلطة خالصة ,بوصفها سلطة قضائية .

نتائج عدم استقلالية النيابة العامة عن السلطة التنفيذية :لقد ارتفعت الاصوات في الكثير من البلدان والتي تخضع فيها النيابة العامة للسلطة التنفيذية مطالبة بالاستقلال عنها , حتى تؤدي دورها في حماية حقوق الانسان والحريات العامة , فقد انتقدت نقابة القضاة في فرنسا بتاريخ 16-3-2006 , خضوع النيابة العامة للسلطة التنفيذية وكانت قد دعت الندوة الوطنية لوكلاء الجمهورية في فرنسا بتاريخ 8-8-2010 الى محو صورة النيابة العامة الغير المستقلة عن السلطة التنفيذية , كما ان المجلس الاستشاري للقضاة الاوروبيين اعد ميثاق للقضاة بتاريخ 17-11-2010 , تضمن ان استقلالية النيابة العامة هي من متطلبات دولة القانون .
ان عدم استقلالية النيابة العامة عن السلطة التنفيذية جعلت جانبا من الفقه , والقضاء ورجال القانون , يذهبون الى ان النيابة العامة ليست سلطة قضائية , اذ ان خضوعها للسلطة التنفيذية تجردها من احدى المواصفات الاساسية ,التي يجب ان يتحلى بها القضاء وهي الاستقلالية , ففي هذا السياق اعتبرت المحكمة الاوروبية لحقوق الانسان , ان النيابة العامة في فرنسا ليست سلطة قضائية لانها ليست مستقلة عن السلطة التنفيذية , وصدر في هذا المعنى حكم بتاريخ 29-3-2010 وحكم آخر بتاريخ 23-11-2010 في قضية المحامية مولان تضمن ان اعضاء النيابة العامة في فرنسا , لا تتوفر فيهم مقتضيات الاستقلالية ازاء السلطة التنفيذية ,واكدت محكمة التعقيب الفرنسية في قرار لها صدر في 15-12-2010 نفس هذا الاتجاه , الا ان هذا القرار والراي ينطوي عليه الكثير من الشطط , لان النيابة العامة حتى ولو كانت غير مستقلة عن السلطة التنفيذية تبقى مع ذلك سلطة قضائية , والدليل ان القوانين الاساسية للقضاة تشملهم ,كما هو الامر في التشريع التونسي مثلا حيث استعمل المشرع عبارة ” قضاة النيابة العامة ” والمادة 14 من قانون اصول المحاكمات الجزائية – أضيفت الفقرة الثانية وفقاً للقانون رقم 359 تاريخ 16/8/2001 :”لوزير العدل أن يطلب إلى النائب العام التمييزي إجراء التعقبات بشأن الجرائم التي يتصل خبرها بعلمه. ولهذا الاخير عند الاقتضاء الحق باجراء التحقيق مباشرة او بواسطة معاونيه من قضاة النيابة العامة الملحقين به او افراد الضابطة العدلية التابعين له دون ان يكون له حق الادعاء ” , وكان المجلس الدستوري في فرنسا قد اكد في قراره الصادر في 5-8-1993 , من ان وكيل النيابة العامة او وكيل الجمهورية هو قاض تابع للسلطة القضائية , فهو يساهم في مراقبة احترام ضمانات الحريات الفردية كما اكد في قراره المؤرخ في 11-8-1993 , ان السلطة القضائية تشمل القضاء الجالس والنيابة العامة , واذا لحظنا هنا ان عملية خضوع اعضاء النيابة العامة للسلطة التنفيذية يجعلهم بمثابة موظفين حسب بعضهم , وفي هذا الاطار يرى رئيس المجلس الدستوري الفرنسي الاسبق PIERRE MAZAUD , ان القاضي ليس موظفا , فهو يصدر الاحكام باسم الشعب ,في حين ان الموظف مرؤوس , وفي هذا السياق يقول احد قضاة التحقيق الفرنسيين وهو MATIEU BONDUELLE , ان النيابة العامة تبدو وكأنها حصان طروادة بالنسبة للسلطة التنفيذية في سير اعمال السلطة القضائية ,وانه يتعين ادخال اصلاحات على مؤسسة النيابة العامة لضمان استقلاليتها ازاء وزراء العدل لتحقيق الفصل بين السلطات .
ثانيا-مدى استقلال النيابة العامة في مواجهة السلطة القضائية و ( اللاءات الاربع ) المترتبة عنها :
ان استقلالية النيابة العامة سواء في مواجهة الجهة القضائية او الاطراف له اهمية محورية تماما مثل استقلاليتها في مواجهة السلطة التنفيذية , فاستقلاليتها في مواجهة الاطراف يتجسد بعد تقيدها بطلباتهم ولا تقيدها بتأسيس الضحية كطرف مدني او لا , كذلك صفح الضحية وتنازلها من عدمه لا تأثير له على مطالبة النيابة العامة بالادانة والطعون التي يبدو لها ان ترفعها .
اما في مواجهة السلطة القضائية ,فالنيابة العامة مستقلة عن قضاء الحكم وقضاء التحقيق ,بوجه عام , حيث لا يمكن للقضاة ان يوجهوا اوامر لاعضاء النيابة العامة ولا اي انتقادات على اتخاذ او عدم اتخاذ اجراءات ما , ولا يسوغ لقضاء الحكم ان يطلب من النيابة التخلي او حذف اتهام ما ,كما لا يحق للجهة القضائية ايضا اخطار نفسها بنفسها بالجرائم المرتكبة , ولا يجوز ايضا لقاضي الحكم والذي يترأس الجلسة ان يرفض او ان يحد من حق النيابة العامة في الكلام بكل حرية , ولا رفض اعطاء ممثل النيابة الكلمة , كما انه لا يسوغ للمحكمة الحكم في قضية ما بغير حضور النيابة العامة او بحضورها لكنه بامتناعها عن المرافعة .
ان صلة النيابة العامة بقضاء الحكم ذات وجوه متعددة , حيث انها في الاول الامر صلة تكامل اذ يقع على النيابة العامة عبء الاتهام وتهيئة الدعوى ورسم نطاقها وحضور جلسات المحاكم , وهذ الصلة التكاملية تعزز من دور النيابة العامة لدى قضاء الحكم , وهي صلة يدعمها القانون ويرتب بالتالي على مخالفة بنودها واصولها البطلان , واحيانا الانعدام , وتعتبر بثاني الامر صلة استقلال , استقلال القضاء عن النيابة العامة من ناحية لا يحق لهذه الاخيرة ان تجمع بين وظيفتي الاتهام والحكم , ولا ان تحقق في الدعوى بعد سبق دخولها الى مسرح المحاكمة .
ان استقلال النيابة العامة في مواجهة قضاء الحكم من ناحية ثانية , ولا شك بان هذا الاستقلال هو الاهم , وهو ما نعنيه عندما نتحدث عن استقلال النيابة العامة , وعلة استقلال سلطتي الاتهام والحكم تكمن في توفير الضمانة لكليهما في اداء عملهما بحياد تام ومن دون خشية من تجاوز وتعد فيما اجتمعت هاتان السلطتان في يد واحدة.
نتائج استقلالية النيابة العامة :
بطبيعة الحال ان استقلال النيابة العامة ينبغي ان يرتب مجموعة من النتائج , تم تمييزها وتخصيصها بان نفردها بفقرة خاصة تحت عنوان ” اللاءات الاربعة” وهي :
1-لا رقابة : لا توجد رقابة لقضاء الحكم على ما تقوم به النيابة العامة في مرحلة الاتهام , فلا يجوز ان تفتئت او تعقب على تقدير النيابة العامة لمدى ملاءمته رفع الدعوى العمومية , فليس للمحكمة اذن ان تطلب من النيابة العامة رفع الدعوى ضد المتهم قامت النيابة العامة بحفظ الاوراق في مواجهته , فتأكيدا لما سبق ففي الحالات الاستثنائية التي يجوز فيها للمحكمة تحريك الدعوى العمومية ( كما في جرائم الاخلال بنظام الجلسة ) , فلا يحول ذلك دون ابداء النيابة العامة رأيها استقلالا عما اتخذته المحكمة , ويحق لها اذن ان تبدي رأيهافي صالح المدعى عليه , ولها ان تتصرف حسبما يمليه عليه ضميرها وقناعااتها ولو كان ذلك مخالفا لرأي المحكمة , كما ان للنيابة الحق في التصرف في الاوراق من دون تحقيق .
2-لا سلطة : ان من اهم المبادئ في هذا الصدد هو ان لا سلطة لقضاء الحكم على دور النيابة العامة في التحقيق , فليس للمحكمة ان تكلف النيابة العامة بمباشرة التحقيق في دعوى منظورة امامها , اذ انه باحالة الدعوى العامة من سلطة التحيق الى المحكمة المختصة فان الاولى تغل يدها حتميا عن الدعوى , بينما تضع الثانية يدها عليها , وفي هذه الحالة اذا تعذر تحقيق دليل امام المحكمة , جاز لها القانون ان تندب احد اعضائها او قاضيا آخر وهذا ما ينص عليه القانونين اللبناني والمصري , لكنهالا لا تملك ان تأمر النيابة العامة باجراء تحقيق تكميلي ,ولا وقع باطلا الدليل المستمد من مثل هذا التحقيق , وهو بطلان يتعلق بالنظام العام لمساسه بقواعد التنظيم القضائي والتي تحدد نظام التقاضي والتوام المحككمة بمباشرة جميع اجراءات التحقيق بنفسها, وان تندب احد قضاتها او قاضيا آخر اذا تعذر تحقيق الدليل امامها .
3-لا مصادرة : لا يوجد مصادرة لقضاء الحكم على ما تبديه النيابة العامة من طلبات آراء في جلسة المحاكمة , ان حضور النيابة العامة هي جزء اساسي وواجب من تشكيل المحكمة , شرط لصحة انعقادها بوصفها تمثل المجتمع وتنوب عنه في المطالبة بانزال العقاب بالمتهم , ولا شك ان اعمال هذه الوظيفة يتطلب الاعتراف للنيابة العامة بحرية ايداء ما تراه من طلبات وآراء , وليس بالتالي للمحكمة ان تصادر حقها في ذلك او تحد من حريتها المرافعة في الدعوى .
4-لا انتقاد : لا يجوز لقضاء الحكم الانتقاد على مسلك النيابة العامة في آدائها لوظيفتها , حيث يجب على قضاء الحكم ان ينأى بنفسه عن اي نقد يأخذ صورة اللوم او التجريح لمسلك النيابة العامة فيما تقوم به هذه الأخيرة سواء في الاتهام او في مرافعتها الشفهية , وما تبديه امام المحكمة لا يجوز ان يكون محلا لانتقادات المحكمة ,وقد سبق لمحكمة النقض المصرية ان ارست هذا المبدأ ومؤكدة بذلك استقلال النيابة العامة , بحيث قررت حذف عبارة المحكمة ” ان النيابة العامة اسرفت في الاتهام وفي حشد التهم للمتهمين جزافا , فالنيابة العامة مثلما تقرر محكمة النقض سلطة مستقلة وليس للمحاكم سلطة تبيح لومها او تعيبها مباشرة , بسبب طريقة سيرها في اداء وظيفتها , واذا كان القضاء يرى على شبهة هذا السبيل فليس له الا ان يتجه في ذلك الى الموظف المشرف على رجال النيابة العامة , وهو النائب العامة , او الى الرئيس الاعلى لهم وهو وزير العدل .” (25)
ثالثا-مدى استقلال النيابة العامة في مواجهة الافراد :
1-عدم جواز رد النيابة العامة : حيث ان الاصل هو جواز رد القضاة من جانب الخصوم اذا توافرت احدى حالات الرد (المادة 120 اصول مكاكمات مدنية لبناني والمادة 248 مرافعات مصري ) , ووجوب تنحيهم عن نظر الدعوى في حالات معينة (المادة 121 اصول محاكمات مدنية لبناني والمادة 247 مرافعات مصري ) , فان اعضاء النيابة العامة على خلاف ذلك لا يجوز ردهم من جانب الخصوم ( المادة 248/2 من قانون الاجراءات الجنائية المصري ) .
ويكمن مبرر عدم خضوع اعضاء النيابة العامة لاحكام الرد في ان النيابة العامة تعتبر خصما في الدعوى العمومية , لا يتصور ان يرد الخصم ,كما ان رأي النيابة العامة لا يلزم المحكمة , ولكن يرد على ذلك بانه يصعب القول بشكل كلي ان النيابة العامة خصم , والخصم لا يرد بشكل كلي بالنسبة للنيابة , وانا يرد عضو النيابة العامة والذي قام لديه شك في نزاهته , ويمكن بالتالي استبداله بآخر ,ومن ناحية ثانية وكنتيجة على ان رأي النيابة العامة لا يلزم المحكمة حقا , الا انه من المحتمل ان يؤثر على موقفها , ويضاف الى ذلك اخيرا ان النيابة العامة ليست خصما بالمعنى الدقيق للكلمة , وبالتالي من الغير مستحب ان تعتبر كذلك , بل هي طرف محايد غايته كشف الحقيقة ومهمته تطبيق القانون تطبيقا صحيحا ,ولا شك ان تخويل المتهم حق رد عضة النيابة العامة يمثل ضمانة له , او بالاقل يحقق اطمئنانه , والحق ان الخصم هو ما يتساوى مع خصمه في السلطات والآليات , اما النيابة العامة فهي من الناحية الواقعية تحمل شبهة الخصم فوق العادة والمدجج بامكانيات وسلطات غير متوافرة مع المتهم , وبالتالي فان جواز ردها كفيل بتبديد الهواجس وتعزيز اطمئنان الافراد .
2-عدم مسؤولية النيابة العامة : ان القاعدة الاساس من ان النيابة العامة لا تسأل جزائيا او مدنيا عما تقوم به وتمارسه من اعمال واجراءات , وانتفاء هذه المسؤولية مرده ان النيابة العامة انما تسعى لتطبيق احكام القانون , وهي خصم شكلي لا يتقيد الا باعتبارات الصالح العام , وبالتالي فعضو النيابة العامة يعتبر فيما يتخذه من اعمال قهرية في مواجهة المتهم (كالقبض والتفتيش والحبس الاحتياطي ) , ممارسا لسلطة خولها اياه القانون , وهو ما يعني توافر احد اسباب الاباحة او التبرير في حقه .
ان عضو النيابة بمنأى عن المسؤولية الجزائية المدنية , بقدر التزامه بقواعد القانون وحسن النية , فليس للمتهم الذي حكم ببراءته ان يسأل عضو النيابة العامة مدنيا ويطالبه بالتعويض مثلا , عما اتخذه من اجراءات في مواجهته , كالقبض عليه او تفتيشه او حبسه احتياطيا , ولا شك ان عدم تقرير مسؤولية عضة النيابة العامة هدفه تشجيع اعضاء النيابة العامة على اداء وظيفتهم والا يراودهم الخوف من المسؤولية المحتملة فيما لو اخطأؤا تقدير ما يتخذونه من اعمال او يصدر عنهم من قرارات .
لقد اجاز المشرع وفي احوال خاصة كاستثناء وخروج عن القاعدة القانونية مساءلةعضو النيابة العامة ومخاصمته , ويخضع اعضاء النيابة العامة وفقا للقانون المصري لنفس احكام مخاصمة رجال القضاء , ويسأل عضو النيابة العامة اذا وقع منه مثلا في عمله غش او خداع او غدر او حتى خطأ مهني جسيم , وفي هذه الحالة تكون الدولة مسؤولة عما يحكم به من التعويضات على عضو النيابة العامة ولها حق الرجوع عليه بهذا التعويض .
وقد حدد المشرع اللبناني من جانبه حالات مخاصمة اعضاء النيابة العامة وفقا للمادة 88 من قانون التنظيم القضائي , وهذه الحالات تمثل في الخداع او الغش او الرشوة او الخطأ المهني الجسيم والذي يرتكبه القاضي لوقوعه في غلط فاضح ما كان ليساق اليه لو اهتم لواجباته الاهتمام العادي .
ومن الملاحظ ان النظم القضائية في البلدان المتعددة ومنها العربية , مع التأكيد الدائم على استقلال القضاء عموما , ومن بين تطبيقات ذلك ان السلطة المختصة بالتشكيلات القضائية والترقيات واحالة النواب العامين الى التقاعد تنحصر في مجلس القضاء الاعلى وذلك في كل من لبنان ومصر والاردن والمغرب واليمن , وبشكل خاص نلحظ في هذا الصدد ما هو مقرر في لبنان من انه عند حصول اختلاف في وجهة النظر بين وزير العدل ومجلس القضاء الاعلى بشأن مشروع المناقلات والالحاقات والانتدابات القضائية يجب عقد جلسة مشتركة بينهما , للنظر في النقاط المختلف عليها , فاذا استمر الخلاف يعرض حينها الامر على مجلس الوزراء خلال مهلة شهر واحد للبت به .
3-الضمانات المقررة لاعضاء النيابة العامة: من المقرر ان اعضاء النيابة العامة هم قضاة يتمتعون بحسبتهم ذلك بذات الحقوق والحصانات التي يتمتع بها قضاة الحكم , حيث انه لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون ,ولعل اهم ما يترتب على ذلك من نتائج يتمثل فيما يلي :
*عدم قابليتهم للعزل
*خضوعهم للمساءلة التأديبية وفقا للقانون
*عدم جواز القبض عليهم او مباشرة الاجراءات التي تمس بحرياتهم الا باذن سابق من الجهة التي يحددها القانون وهي في الغالب مجلس القضاء الاعلى ,وذلك فيما خلا حالة التلبس اي الجريمة المشهودة , وتكاد هذه الضمانات تتطابق في النظم القضائية .
اما فيما يتعلق بنظام الملاحقة التأديبية الذي يخضع له اعضاء النيابة العامة , فالامر يتفاوت من دولة لاخرى , فينما تتمثل السلطة المختصة بانواع الجزاءات التأديبية في مجلس القضاء الاعلى في لبنان مثلا , فانه في المغرب يعين وزير العدل مقررا للبحث في الواقعة المنسوبة لعضو النيابة العامة ,ومن ثم يرفع التقرير الى المجلس الاعلى لقضاء لانزال الجزاء التأديبي , وفي اليمن تضطلع هيئة التفتيش القضائية في النيابة العامة بمهمة الملاحقة التأديبية ,اما في مصر فان سلطة الملاحقة التأديبية لعضو النيابة العامة يمكن ان تتمثل في مجلس التأديب او وزير العدل او النائب العام المساعد او مجلس القضاء الاعلى (26).
من الملاحظ ايضا تباين هذه الضمانات المتعلقة بالمساءلة التأديبية من دولة لاخرى :
فيحق لاعضاء النيابة العامة الطعن في الاحكام او القرارات التأديبية الصادرة ضدهم امام محكمة العدل العليا في الاردن , او امام مجلس شورى الدولة في لبنان , والراجح في المغرب ايضا هو جواز الطعن في القرارات التأديبية الصادرة من وزير العدل امام المحكمة الادارية بموجب قضاء الالغاء , ولونظريا على الاقل , ولكن لا يوجد في اليمن امكانية للطعن في مثل هذه القرارات التأديبية امام جهة اعلى .
اما في مصر فيعتبر القرار التأديبي الصادر بحق عضو النيابة العامة قرار نهائي غير قابل للطعن فيه وان جاز لعضو النيابة العامة الاعتراض على توجيه ملاحظة او تنبيه له , وذلك خلال مهلة معينة من تاريخ اخطاره بهذا الجزاء التأديبي ,ويتم الاعتراض به امام اللجنة المختصة لذلك .
الخاتمة :
حيث ان مؤسسة النيابة العامة , هي واحدة من اكثر المؤسسات عراقة في الانظمة القضائية عبر العالم , ومع ذلك فالتحولات السريعة في مفاهيم حقوق الانسان التي يعيشها اليوم والضمانات المتنوعة التي يطلبها الانسان اكثر فاكثر , رفعت العديد من المطالب بشكل جذري في نظام هذه المؤسسة .
ان نظام التبعية التدرجية لم يعد مرحبا به ولا متقبلا في ظل مبدأ استقلالية القضاء عن سلطة اخرى , حتى وان كان هذا النظام يجد مبرراته في ارضية تطبيق سياسة جزائية وطنية محكمة ومتناسقة , تقودها حكما حكومة منتخبة , بحيث يمكن اثارة مسؤوليتها السياسية امام البرلمان , ومع ان هذه الفكرة تغرق في بحر الشرعية الديمقراطية ويؤطرها مبدأ التوازن بين السلطات , الا ان الفكرة اليوم تتجه نحو ابعاد القضاء عم كل تلك التوازنات السياسية , بحيث لا توجد رغبة وخصوصا لدى المحاكم الاوروبية ما فوق الوطنية , في ربط مؤسسة القضاء بعالم السياسة وخاصة السلطة التنفيذية .
في هذا الاطار يمكننا الانطلاق من فكرة رفع يد السلطة التنفيذية عن التعيين في كل المناصب النوعية وترك تلك المهمة لمجلس القضاء الاعلى , الحائز الوحيد على تلك الشرعية , فلنا عندها ان نتصور سياسة جزائية وطنية يقودها النائب العام التمييزي , وهذا الاخير يحوز الشرعية بكونه منتخبا من طرف كل زملائه القضاة عبر انحاء الجمهورية ,ويقوم هو بتحديد معالم هذه السياسة , بعد استشارة وزارة العدل والذي يقدم له بدوره وجهة نظر الحكومة دون ان تكون ملزمة له , ثم يعد تقريرا بذلك ,باسم الهيئة القضائية مجتمعة , ويناقشه امام البرلمان الذي يكون له حق قبولها او رفضها .
نذكر هنا بهذا الصدد فكرتين الاولى “حكومة القضاة” والتي اثبتت فشلها الكبير , حيث انها سادت فرنسا في ظل برلمانات النظام القديم (المحاكم ) , والتي خلفت سمعة سيئة نتج عنها خوف من حكومة القضاة , قد تعارض السيادة الوطنية للمنتخبين , بتعسفها وتمردها على باقي السلطات , الفكرة الثانية ما معناه ويتم اعتباره من ان القاضي ليس سوى “فم القانون ” , والتي جعلت من القاضي مجرد بوق للسلطة التشريعية , وانتقصت من القضاء الى حد انه اصبح لا يعتبر سلطة بالمفهوم التقني واللغوي للمصطلح , يقف على نفس خط الانطلاق وعلى قدم المساواة مع بقية سلطات الدولة .
بين هاتين الفكرتين المتطرفتين , بلا شك ان الفكرة الاساس مفادها من ان القضاة هم “ضمير الامة ” , قلبها النابض , حماة الشرعية في الدولة وضامني الحريات الفردية والجماعية , وبهذا تتولد سلطة قضائية مستقلة فعليا , وان كان وجود هذه السلطة , لم يكون يوما محل ترحيب , بل وكثيرا ما اخاف السياسيين وعالم السياسة , الى حد جعل الاستاذ الكبير JEAN FOYER يعبر عن ذلك في مقالة شهيرة وصفت بانها ” لن تنسى ” من تاريخ الفقه الفرنسي بعنوان :”القضاء : تاريخ سلطة مرفوضة La Justice : Histoire d’un pouvoir refuse .
ففي فرنسا مثلا , لطالما رفضت هذه السلطة , وذلك مبررا تاريخيا من حيث تركيبة الشعب الفرنسي ونظامه السياسي , والذي يعبر عن تلك النفسية والكيفية , فلن يتقبل لمثل هذه الاحكام ولن يدعمها لكونها صادرة من تعسف القضاة وليس من تطبيق القانون العام , هناك ايضا مبرر تاريخي آخر وانه الخوف من شبح “حكومة القضاة” .
اما تجمع نقابات القضاة الاوروبيين , فأعلن ان “استقلالية النيابة العامة مطلب لا غنى عنه لاستقلالية السلطة القضائية ” ودعا كذلك :”الى سلك وحيد للقضاة كلهم سواء قضاة النيابة ام قضاة الحكم : بنفس الضمانات والاستقلالية والحياد ونفس النظام القانوني الذي يخضعون له ” . كما اوصت كذلك بالحظر التام للتعليمات فيما يسمى القضايا الخاصة , وهو ما حصل فعلا بتبني المشرع الفرنسي لقانون 25-7-2013 والمتعلق بصلاحيات وزير العدل وقضاة النيابة العامة في مادة السياسية الجزائية وتحريك الدعوى العمومية .
حيث من المؤكد ان النيابة العامة يجب ان تطبق السياسة الجزائية والمحددة من قبل الحكومة , في اطار المصلحة العامة المتوخاة , فانه لا ينبغي اغفال ان اعضاء النيابة العامة هم من القضاة نهاية الامر , اذا فحري بهم ان يتصرفوا بطريقة عادلة , محايدة وموضوعية , فاستقلالية القضاء لا يكون باستقلال قضاة الحكم فقط لوحدهم , لكن باستقلال النيابة العامة ايضا . يجب اقصاء كل تخوف وابعاد كل شك مشروع لدى المتقاضي حول ظاهرة وعملية تسييس الدعوى العامة , تمهيدا لاستعادة ثقة المجتمع بعدالة سلطته ودولته .
حيث ان النيابة ليست الا هيئة قانونية او شعبة اصيلة في السلطة القضائية , وان اعضائها مستقلون تماما عن السلطة التنفيذية واجهزتها الادارية , ذلك ضمانا لحسن آداء اعمالهم , وانطلاقا من هذا المبدأ وهذا المفهوم فانه يتعين الا يتجاوز اختصاص وزير العدل مجرد الاشراف الاداري على حسن سير العمل في النيابة العامة , دون ان يمتد ذلك الى مجال العمل ,والاجراءات القضائية , حيث انه امر تختص به الاجهزة القضائية بحكم القانون .
ولكي يتمكن جهاز النيابة العامة من آداء دوره الحيوي في الحفاظ على العدالة في المجتمع , فانه من المفروض ان يتمتع بالاستقلالية ,وباعتبار الدعوى العمومية هي وسيلة الحق العام “حق المجتمع ” , لجوء الى القضاء لمحاكمة الشخص الذي خالف ارادة المجتمع وقواعده وقانونه , وانزال العقوبة المقررة له بموجب القانون ,حيث تعمل النيابة العامة بموجب القانون بصفتها الممثلة عن المجتمع , لكي تنوب عنه في اقامة الدعوى العمومية , حيث انها تعتبر خصما محايدا وشريفا في الدعوى ,حيث واجبها الاساسي التطبيق السليم للقانون , لا يهم بعد ذلك ان تكون نتيجة هذا التطبيق ضد مصلحة المتهم او في مصلحته.
فالنيابة العامة بصفتها خصما عاما , عادلا ونزيها , هدفها الاساسي هو حماية المصلحة العامة والمتمثلة في اقتضاء حق الدولة في العقاب من جهة , حماية البرئ وحقه من جهة اخرى , حيث ان النيابة العامة تستمد التقويض بالدفاع عن مصلحة المجتمع من نص القانون والذي يحدد ايضا الاجراءات الاصولية والتي على النيابة العامة التقيد باحكامها اثناء تأديتها رسالتها المجتمعية والانسانية والقانونية , الامر الذي يستدعي توفر بنية تشريعية سليمة ومتوازنة , تناغم وتوائم بين كون النيابة العامة وكيلة المجتمع وحارسته وبين ما اذا كانت آداة وجهاز من اجهزة السلطة التنفيذية .

الهوامش :
1-J-F.RENUCCI, un seisme judiciaire : pour la cour europeenne des droits de l’homme , les magistrats du parquet ne sont pas une autorite judiciaire , Recueil Dalloz , 2009, P.600.
2-CEDH: 20 novembre 2010 . Moulin c. France. Requete numero 37104/06, www.echr.coe.int
3-F.SUDRE .” le glas du parquet . commentaire sous CEDH : 20 novembre 2010 , Moulin C/ France , le semaine juridique (juris-classeur periodique ) , edition generale n 49 , 6 decembre 2010>
4- G. Stéfani, Quelques aspects de l’autonomie du droit pénal,Etudes de droit criminel, Dalloz, 1956, p. 15 et s ; F. M. Neasey, The rights of the accused and the interests of the community, The Australian Law Journal, Vol. 43, 1969, p. 482.
5- في ذات المعنى ، د. أحمد فتحي سرور ، الشرعية الدستورية وحقوق الإنسان في الإجراءات الجنائية ، دار النهضة العربية ، 1993 ، ص13.
6-الدكتور احمد فتحي سرور, الشرعية والاجراءات الجنائية .
7- د. أحمد فتحي سرور ، الشرعية والإجراءات الجنائية ، دار النهضة العربية ، 1977
8- د. علي جعفر: “مبادئ المحاكمات الجزائية” – المؤسسة الجامعية للنشر – بيروت 1994
9- د. مصطفى العوجي: “دروس في أصول المحاكمات الجزائية” – الطبعة الأولى – بيروت – منشورات الحلبي الحقوقية 2002.
10- Glanville Williams, Proof of Guilt, A study of the English Criminal trial, 3rd Ed. 1963m London, Steverns & Sons, p. 186.
11- Davorkpac, Quelques questions de l’organisation de la procédure préparatoire dans le type mixte de la procédure pénale européenne, RIDP. 1985, p. 231 et s.
12-J.VOLEF. Le ministere public . collection . que sais-je? PUF. PARIS 1998.P
13- J.SEGAUD . Essai sur l’action publique , these pour le doctorat . universite de reims . 2010
14-J.CHEVALLIER , SCIENCE administrative , puf , paris , 1994 .
15- J.VOLEF. Le ministere public . collection . que sais-je? PUF. PARIS 1998.P
16 -الدكتور عاطف النقيب: “أصول المحاكمات الجزائية” – دراسة مقارنة – دار المنشورات الحقوقية – بيروت 1993
17- G. Stéfani et G Levasseur: ‘’procédure pénale’’ – 9ème editions.
18-د. علي جعفر: “مبادئ المحاكمات الجزائية” – المؤسسة الجامعية للنشر – بيروت 1994.
19- Michèle – Laure Rassat: ‘’Le Ministère public entre son passé et son avenir’’ – Paris – 1987
20-.SEGAUD . Essai sur l’action publique , these pour le doctorat . universite de reims . 2010
21-حمود محمود مصطفى:” شرح قانون الإجراءات الجنائية”- القاهرة- الطبعة 12-1988-
22- مخايل لحود:” شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية”- دار المنشورات الحقوقية
23- la declaration des droits de l’homme et du citoyen du 26 aout 1789 dispose dans son article 6 que “ la loi est l’expression de la volonte generale “.
24-وهي قضايا سياسيو- اقتصادية ,حدثت في فرنسا , وتم توجيه النيابة العامة فيها من قبل السلطة السياسية عن طريق وزير العدل , اعتبر مثل هذا تدخلا غير مقبول في الهيئة القضائية
25- د. عفيف شمس الدين: “المصنف في أصول المحاكمات الجزائية” – بيروت 1996.
26- الدكتور عاطف النقيب: “أصول المحاكمات الجزائية” – دراسة مقارنة – دار المنشورات الحقوقية – بيروت 1993

المراجع
1- La constitution de Veme republique (du 4 octobre 1958)
2- La loi n 2004-204 du 9 mars 2004
3- La loi organique N 2010-830 de 22 juillet 2010
4- 5-la loi N 2011 -392 du avril 2011 relative a la garde a vue
5- La loi du 25 juillet 2013 relative aux attributions du garde des sceaux et des magistrats du ministere public en matiere de politique penale et de mise en oeuvre de l’action publique. J.O.R.F N0172 . 26 juillet 2013
6- La loi de revision constitutionnel N 2008-724 du 23 juillet 2008 . Modernisation des institutions de la Veme republique .
7- Montesquieu (Charles Louis de secondat ) , de l’esprit des lois tome 1 , livre VI , chapitre III.
8- F.SUDRE , le glas du parquet , commentaire sous CEDH : 20 novembre 2010
9- P.SPINOSI , AFP du 15 decembre 2010 , afp.com
10- L.DIBOS, D.DURAN, E. FRANCOIS , Grandes erreurs judiciaire. Editions prat .2006
11- Jean FOYER, “La justice : histoire d’un pouvoir refusé”, Pouvoirs, revue française d’études constitutionnelles et politiques, n°16, 16 – La justice, p.17-29 . Consulté le 2018-05-30 23:36:09 . URL : http://www.revue-pouvoirs.fr/La-justice-histoire-d-un-pouvoir.html.
12- الأستاذ فايز الإيعالي: “أصول المحاكمات الجزائية على ضوء القانون والفقه والإجتهاد” – المؤسسة الحديثة للكتاب – طرابلس – لبنان – 1994 –
13- المحامي الياس أبو عيد: “أصول المحاكمات الجزائية” – دراسة مقارنة – منشورات الحلبي الحقوقية
14- قانون اصول المحاكمات الجزائية اللبناني
15- د. عفيف شمس الدين: “المصنف في أصول المحاكمات الجزائية” – بيروت 1996
16- د. مصطفى العوجي: “دروس في أصول المحاكمات الجزائية” – الطبعة الأولى – بيروت – منشورات الحلبي الحقوقية 2002
17- قانون السلطة القضائية المصري الحالي رقم 46 لسنة 1972
18- احمد فتحي سرور القانون الجنائي الدستوري 1999

للاشتراك بالنشرة البريدية اضغط هنا

د. محي الدين الشحيمي، استاذ في كلية باريس للأعمال والدراسات العليا

الدكتور محي الدين محمود الشحيمي، دكتوراه في القانون جامعة باريس اساس في فرنسا. عضو لجنة التحكيم في مدرسة البوليتكنيك في باريس. محاضر في كلية باريس للاعمال والدراسات العليا واستاذ زائر في جامعات ( باريس 2 _ اسطنبول _ فيينا ). خبير دستوري في المنظمة العربية للقانون الدستوري مستشار قانوني واستراتيجي للعديد من الشركات الاستشارية الكبرى والمؤسسات الحكومية الفرنسية كاتب معتمد في مجلة اسواق العرب ومجلة البيان والاقتصاد والاعمال ومجلة الامن وموقع الكلمة اونلاين . رئيس الهيئة التحكيمية للدراسات في منصة الملف الاستراتيجي وخبير معتمد في القانون لدى فرانس 24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق