علم اجتماعمقالات رأي

التصوّف في خدمة الوطن والإنسان

للاشتراك بالنشرة البريدية اضغط هنا

تباحث على مدى خمسة ايام، ببلدة مداغ، شمال شرق المغرب، علماء وباحثون من القارات الخمس، حول ” التصوف والتنمية..دور البعد الأخلاقي والروحي في صناعة الرجال”، كان ذلك في الملتقى العالمي للتصوف الذي نظمته الطريقة القادرية البودشيشية بتعاون مع مؤسسة الملتقى والمركز الاورومتوسطي لدراسة الاسلام اليوم، في إطار الاحتفالات بالمولد النبوي الشريف، وذلك من 06 الى 10 نونبر 2019.

ووضع المتدخلون في الملتقى نصب اعينهم بحث “التحدي الحقيقي الذي يواجه التنمية اليوم أي الإنسان الذي بصلاحه تصلح المجتمعات وتتقدم على جميع المستويات : دينيا، وأخلاقيا، وثقافيا، واجتماعيا”.

وقد حاول المشاركون في الملتقى الإجابة عن مجموعة من الأسئلة التي تؤرق المجتمعات المعاصرة، من قبيل، كيف السبيل الى بناء اوطان يعمها الامن والرخاء؟ ثم لماذا تعثرت عجلة التنمية عند المسلمين حاليا؟ و ما هي اسباب جنوح بعض التيارات الى التطرف والارهاب؟ وكيف يمكن إرساء العيش المشترك في المجتمع المتعدد الأديان والأعراق؟ ثم كيف يمكن التوفيق ما بين متطلبات الروح والجسد؟

وأكد الدكتور منير القادري بودشيش مدير الملتقى أن المكون الصوفي يعد من أكثر المكونات الدينية ارتباطا بالجانب الانمائي والبنائي والتأهيلي للفرد، وإعداده وجعله فاعلا تنمويا إيجابيا صالحا ومصلحا لنفسه ولأسرته ولمجتمعه وعصره، وتحقيق أمنه الروحي، مبرزا أن القيم الانسانية تعتبر ركيزة أساسية لبناء المجتمعات التي تقوم على العيش المشترك والسلام والتعاون.

وأضاف أن اي مشروع تنموي يفتقر الى البعد الأخلاقي والروحي مآله التعثر والفشل. ومن تجليات ذلك حسب القادري ما تعانيه المجتمعات المعاصرة من أزمات نفسية، اضافة الى تدمير النظام الايكولوجي والبيئي نتيجة الاستغلال المفرط للثروات. ونبه الى أن ما يعاب على النهضة التنموية المعاصرة، هو تركيزها على الابعاد المادية واهمال الجانب الأخلاقي.

ثم بين دور شيوخ التصوف في بناء رجال اسوياء نفعوا مجتمعاتهم، حيث قدموا خطابا مبنيا على الاخلاق والاحسان والرحمة مستشهدا بقول حسن البصري ” الاحسان ان تعم ولا تخص كالشمس والريح والغيث”. واستنتج أن التربية على التصوف تفتح أفقا واعدة للتنمية، وتقدم قيمة مضافة في بناء وتشييد الحضارة الإنسانية المشتركة على أساس من التعاون والتكامل المنتج.

وأبرز شيخ الطريقة القادرية بنيجيريا،في كلمته، الدكتور ناصر قريب الله كبارى، الدور العلمي للزوايا القادرية بغرب إفريقيا، وذكر على سبيل المثال ما قام به الشيخ محمد الناصر المختار الكبرى في نيجيريا، حيث
أسس معهدا علميا بولاية كانو, تخرج منه جمع غفير من العلماء والقضاة والأئمة والأمراء وطبقة من المثقفين من نيجيريا وخارجها, ثم أنشأ مدرسة ثانوية للدراسات الإسالمية العالية ثم كلية تراث الإسالم, ومن أجل مواجهة التحديات التي تواجه المسلمين فى عصره من شتى النواحي كانتشار أفكار المتأثرين بالثقافات الغربية وجهود المستعمري لطمس تعاليم الإسلام، فقد
قام الشيخ باستخدام مساجد القادرية وزواياها لتدريس المناهج التعليمية المتسمة بالوسطية والإعتدال، من أجل تحصين المسلمين من الافكار المتطرفة. وأضاف الدكتور كبارى أن عددا من المسؤولين الكبار بنيجيريا تلقوا تعليمهم بهذه الزوايا، كرئيس نيجيريا السابق المرحوم مرتضى محمد، والشيخ أبي بكر محمود، أول قاضي قضاة بالبلد.

بدوره استهل الدكتور  علي النقشبندي الصيني مداخلته بلمحة تاريخية موجزة عن مراحل دخول الإسلام إلى الصين، ثم بين معالم التدين الصيني القائم على العقيدة الماتريدية والفقه الحنفي، والتصوف القادري النقشبندي والشاذلي.  مبرزا الاثر الإيجابي للصوفية في الصين، حيث تتسم دعوتهم بالحكمة والموعظة الحسنة.

‎وأشار الدكتور علي الصيني إلى أن السلفية الوهابية كان لها اثر سلبي حيث نشرت التطرف والفتن بين فئات المجتمعات المسلمة في الصين، كما كفرت من يخالفها، وابرز الدور الذي لعبه الشيخ محمد حبيب عبد الرؤوف اليماني في التصدي لهذه الافكار المتطرفة ونشر ثقافة التسامح والسلام ومحبة الوطن والتعاون مع جميع اطياف المجتمع الصيني من اجل نفع الوطن، في هذا الإطار قام الشيخ اليماني بتأليف عدة كتب وترجمة أخرى الى اللغة الصينية

وأكد مفتي استراليا الدكتور سليم علوان الحسيني في مداخلته، أن التصوف الصحيح تمسك بالشريعة ظاهرا وباطنا، وعلم وعمل ومساهمة في بناء المجتمعات وليس كسلا وخمولا. وبين فضيلة المفتي خصال الصوفي الحقيقي المتمثلة في صفاء السريرة وحسن المعاملة، والتواضع، ومحبة الخير للغير.
وأضاف أن التصوف دعوة الى الوسطية و الاعتدال، ووقاية من التطرف والعنف والارهاب حيث أن التصوف حسب الحسيني ضمانة لحفظ البلاد ، وسبب لتنميتها، وتنشأة أجيال الغذ، على الدعوة الى الخير والهدى والرحمة.

بدوره أكد الدكتور الاردني ربيع صبحي العائدي، المتخصص في الفلسفة والعقيدة، دور البعد الروحي و الأخلاقي في حل الأزمات والصراعات التي تعيشها المجتمعات المعاصرة، وبين أبعاد الهجرة الى الحبشة التي أظهرت المشترك الإنساني رغم الإختلاف في الدين، بل وزيادة على ذلك مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، ملك الحبشة وأنصفه وقد كان ملكا مسيحيا بقوله لأصحابه : ( إن فيها ملكا عادلا لا يظلم عنده أحد). وكان هذا أول لقاء يجمع بين المسيحية والإسلام ، فاحتضنت المسيحية الإسلام بعلاقات وطيدة، وقد ذكرت لنا كتب السير أن المسلمين هناك كانوا عنصرا فاعلا لنشر الأمن والسلام في المجتمع، وفي هذا السياق دعا العائدي الجاليات الإسلامية في الغرب، الى إبراز أخلاق الاسلام الراقية، كالتسامح، ومعاونة الضعيف، والمشاركة في الأعمال التطوعية.

وأبرز مفتي اوكرانيا الدكتور احمد تميم، في مداخلته، دورالطرق الصوفیة الحقة في التأليف بين شعوب المسلمین بمختلف ثقافاتھم، مشيرا الى استمرار وظیفة الصوفیة الأخلاقیة، مما أثمر حسب الدكتور تميم نھجا يتسم بالتعایش والأمن لابناء المجتمعات. مضيفا ان صورة الوسطیة والاعتدال كانت ومازالت دومًا في البقاع التي انتشرت في ربوعھا الصوفیة الحقة.

توصيات الملتقى :

اختتم الملتقى العالمي للتصوف مساء الاحد 10 نونبر 2019، وقد خرج العلماء والباحثون المشاركون بعدة توصيات نذكر منها:

– تفعيل الانفتاح التواصلي أكثر وتوسيع سبله مع دول العالم، وعلى مختلف مجالات الحياة بما في ذلك مكونات المجال الثقافي والفني والمجال الإعلامي، نشرا لغنى التصوف ومبادئه المنهجية والروحية.
– مراعاة لما بلغه الملتقى العالمي للتصوف من رقي علمي وتنظيمي واتساع إشعاعي ندعوا إلى انفتاح المؤسسات العلمية الأكاديمية ارتباطا بموضوع التصوف وما يتصل بها من خلال تنظيم ندوات مشتركة خاصة في ظل الشراكات المبرمة مع بعض الجامعات داخل وخارج الوطن..
-إدراج مادة الأخلاق في التعليم بجميع مستوياته من خلال إحداث مقررات تراعي ذلك نظرا لضرورته الملحة.

ختاما:

بعد هذه الجولة العابرة للقارات لبعض المتدخلين في الملتقى، يتبين لنا أهمية التصوف في معالجة الأزمات التي تعانيها مجتمعاتنا المعاصرة، التي يفرض عليها الانفتاح الرقمي الذي تعيشه البشرية حاليا، بذل المزيد من الجهود لتحصين المواطن والوطن من الافكار المتطرفة والهدامة العابرة للحدود، والمساهمة الإيجابية والفعالة في بناء حضارة إنسانية تحتفي بالقيم الأخلاقية التي تضمن عيشا كريما على جميع النواحي، وتفادي الأخطار المحدقة بالعالم نتيجة الصراعات المادية، وآثار العولمة السلبية وغيرها.

للاشتراك بالنشرة البريدية اضغط هنا

أ. عبد العزيز اغراز، كاتب مغربي

استاذ مع وزارة التربية الوطنية المغربية منذ العلم 2006. عمل مديراً لمكتب جريدة "السفير العربي الدولية بالمغرب" ، وكتب بعدة منابر اعلامية مغربية واجنبية كجريدة "ليفانت نيوز" التي تصدر من لندن بانجلترا. حائز على دبلوم الدراسات العليا المعمقة في المعلوماتية والاتصال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق