إقتصاداجتهادات

القاتل الاقتصادي، استراتيجية الميكانيكا الكمية للنقود

للاشتراك بالنشرة البريدية اضغط هنا

لقد منيت النداءات القديمة للعصبية والاثنية والعرقية بالفشل , التي للاسف لم تنبت لنا سوى القصور والعرقلة لاي حلول وطنية جامعة حيث ان اشكاليات وتساؤلات مثل عبارة من انا ؟ هل أنا جيد أو سئ ؟ هل لأهدافي معنى ؟ وكل ذلك وتلك الامور نتعلمهم على الطريق من حياتنا , حيث انها رحلة ويمكننا تغييرها في وقت وأوان التحقق الصحيح للارادة الرشيدة وضمن حدود الايمان المعقود بالقدر , انها ليست سوى خيار فالنمط المتمثل ب (لا تعب ولا عمل ولا وظيفة ولا مدخرات مالية ) نمط سلبي يجعلنا ندرك من خلاله اننا كنا نلعب اللعبة الخطأ ونتبع الاسلوب الغير الصحيح , ذلك ان الجوهر في هذه اللعبة يكمن في اكتشافنا لذاتنا الحقيقية .
حيث اننا سنرى كم يبدو مهما لنا ان نحدث تغييرا ثوريا ونوعيا في العقل البشري , فالازمة هي اذا ازمة وعي , ازمة لا يمكنك بعد الآن وفي الواقع ان تتقبل القواعد القديمة , الانماط والتقاليد القديمة , وبالنظر الى العالم الآن مع كل هذا البؤس والصراعات الوحشية المدمرة , العدوان وحالات التطرف والانعزالية, ما زال الانسان على سبيل المثال كما هو عنيفا , استملاكيا وتنافسيا وسيئا , طماعا وسلطويا ولقد بنى مجتمعا وفقا لهذه المفاهيم والمعتقدات .
فالتكيف على مجتمع مريض ليس ابدأ دليلا للصحة والعافية والسلام , فالمجتمع اليوم يقوم ويتألف من سلسلة من المؤسسات السياسية , القانونية , الاقتصادية , والمالية , والتربوية ومؤسسات الطبقات الاجتماعية والتخصصات المهنية والقيم العائلية , ذلك انه من الجلي تماما عمق وتكامل تأثير هذه الهياكل التقليدية في تشكيل مفاهيمنا ومنظوراتنا , اضافة الى ذلك من بين جميع المؤسسات الاجتماعية والتي ولدنا فيها ننقاد ونتقيد بها , ونتكيف عليها هي لنا تمثل الامان والشرعية والحرية . فلا يوجد منظومة تعامل وادارة كأنها أمر غير مشكوك به ولا يساء فهمها كالمنظومة المالية وكأنها منظومة دينية , فمؤسسة النقد المعمول بها هي واحدة من اكثر المنظومات التي يتم الايمان بها بدون ادني شك ونظرا لارتباطنا الوجودي بها.
ان اشكاليات مثل , كيف يخلق المال ؟ وماهي السياسات التي تحكمه ؟ وكيف تؤثر حقا في المجتمع ؟ ذلك ان كلها مصالح حيوية غير متنبه لها للغالبية العظمى والراجحة من الناس والمجتمع .
نحن في عالم يملك فيه 1% من السكان ما يقارب 40% من ثروة الكواكب , عالم يموت فيه 34000 طفل كل يوم من الفقر والامراض والتي يمكن للاسف الوقاية والعلاج منها , ان 50% من سكان العالم يعيشون يوميا على مبلغ من المال الغير واقعي وهو اقل من 2 $ , اذا فالوضوح كل الوضوح لحقيقة مشرقة ولا تحجب بأن هناك شيئا ما وخطبا ما خاطئ , وما اذا كنا ندرك ذلك ام لا فشريان الحياة لكل مؤسساتنا القائمة وبالتالي المجتمع نفسه هو المال , لذلك الامر يشكل فهم سياسة المؤسسة النقدية امر حاسم ولا مناص منه لفهم اشكالية وسؤال لماذا حياتنا هي على ما هي عليه ؟
بشكل مؤسف ينظر للاقتصاد عادة بارتباك وضجر ونفور , حيث ان تيارات لا حصر لها من المصطلحات المالية والرياضية تردع بسرعة الناس عن محاولة فهمها , على كل حال فان الحقيقة تعتقد ان النظام المالي ما هو الا مجرد قناع صمم لاخفاء واحد من اكثر الهياكل الاجتماعية والتي عانت منها الانسانية والبشرية جمعاء . فالمثل يقول : “لا يوجد من مستعبد بلا امل اكثر مما يظنون انفسهم خطأ انهم احرار” .
في وثيقة ” الميكانيكا النقدية الحديثة ” فصلت الممارسة الشبه حقيقية لصك المال . كما تستخدم بالفعل والواقع من جانب مجلس الاحتياطي الاتحادي الفيدرالي وشبكة المصارف التجارية العالمية والتي تعاونها , حيث يتمحور هدف هذه الوثيقة حول نظام ” الكسور الاحتياطي المصرفي ” يسبقها بالتأكيد وصف لعملية الكسور الاحتياطية , حيث تقرر الحكومة الاميركية او اي حكومة ثانية مثلا من انها تحتاج لبعض المال , فتتصل بالاحتياطي الفيدرالي او المصرف المركزي وتطلب المبلغ المحدد , فيرد المصرف والاحتياطي المركزي ويقوم بشراء سندات حكومية , فترسم عندئذ عليها بعض التصاميم الرسمية وتسميها سندات خزينة ومن ثم تحددها بقيمة المبلغ المطلوب ,فيعطي حينها مجلس الاحتياطي الاتحادي بعض الورق الموازي والمزين لها بمسمى “بنكنوتة احتياطية فيدرالية” وبمجرد الانتهاء مثلا من هذا التبادل تأخذ الحكومة الورق وبعد الابداع تصبح هذه البنكنوتات نفسها مالا قانونيا .
في الواقع يحدث التبادل الكترونيا وبدون ان يستخدم الورق على الاطلاق , حيث يوجد فقط 3% من المال الاميركي ورقا وال97% الباقية موجودة في الاجهزة والحواسيب فقط , فالسندات الحكومية هي مصممة لتكون ادوات للدين , فعندما يشتري البنك الاحتياطي الفيدرالي هذه السندات تعد الحكومة بدورها بالوفاء بوعدها بسداد الدين حيث ان ذلك المال هو المال الفيدرالي الاحتياطي وبمعنى مختلف حيث ان ” المال اوجد بالدين ” , هذه بالفعل مفارقة مذهلة وهو في ان المال او هذه القيمة والمسؤولية سوف تصبح اكثر وضوحا باستمرارنا في هذا التمرين والنموذج.
اذا ما يتعلق بمتطلبات الاحتياطي كما ورد في ” الميكانيكا النقدية الحديثة ” , مساوية لنسبة معينه من الودائع وبعد ذلك تتحدد وفقا لكمية هذا النص , فالاحتياطات المقبولة قانونا ولمعظم الحسابات في مقدار 10 % فقط منها , وهذا يعني انه مع وديعة قدرها 10 بليون دولار , 10 % هو الاصل اي بليون دولار واحد , ويعتبر الباقي اي ( التسعة بلايين ) احتياطا زائدا ويمكن ايضا استخدامها كأساس , فمن المنطقي افتراض ان هذه البلايين التسعة مصدرها البلايين العشرة المحفوظة كوديعة, فكما ورد في ورقة ميكانيكا الاموال الحديثة من ان البنوك لا تقدم قروضا للمال الذي تتلقاه كودائع , الذي يفعلونه لتقديم القروض في مقابل وضع مال في رصيد معاملات المقترضين , فبمعني أخر ان تسعة بلايين سوف تنشأ من العدم ببساطة لان هناك طلبا على هذا القرض وان ثمة مبلغ ( 10 بلايين دولار ) على شكل ودائع لتلبية متطلبات الاحتياطي , فعلى الاغلب سوف يقوم بوضع هذا المال كوديعة ثم تكرر هذه العملية بعزل 10 % وبدورها تبقى ال90% من البلايين التسعة كمال خلق حديثا من اجل قروض جديدة , حيث ان هذه الدورة من خلق المال للاقراض يمكن ان تستمر للابد من حيث زيادة 900% والتي يمكن ان تخلق من مبلغ ال ( 10 بلايين دولار ) الاصلية , فكل وديعة تودع في النظام المصرفي تخلق 9 اضعاف هذا المبلغ من العدم فالمال هو الدين وكذلك الامر الدين هو المال وكأنك تدين بكل دولار في جيبك لشخص آخر .
نحاول اذا ان نفهم كيف يخلق المال في هذا النظام الكسري الاحتياطي المصرفي , لكن الاشكالية والتي تطرح نفسها حول ما الذي يعطي قيمة لهذا المال المنشأ حديثا ؟ والجواب بالطبع المال الموجود في الاصل , حيث يسرق المال الجديد قيمتة من العرض النقدي القائم بالفعل فتزداد بركة حجم المال بصرف النظر عن زيادة الطلب على السلع والخدمات وعندما يبلغ العرض والطلب التوازن ترتفع الاسعار حكما وتتناقص القدرة الشرائية للدولار الواحد , حيث التضخم وهو الضريبة المخفية عن العامة , فعندما تخلق المال من العدم وليس لدينا مع ذلك اي توفيرات لكن مع كل ذلك هناك ما يسمى راس المال , فهم لا يصرحون بان هناك خدعة للشعب الآمن بل هناك خفض لاسعار الفائدة , ولا يعترفون بتناقص العملة وانخفاضها بل بانخفاض قيمتها , فالنظام الكسري الاحتياطي مثلا ذو طبيعة تضخمية , حيث ان توسيع العرض النقدي بدون ان يكون هناك استراتيجية توسع مناسبة بالسلع والخدمات بالاقتصاد .
ان دولارا واحدا في العام 1913 يلزمه ما يقارب ال 21 دولار في عصرنا ليساويه من حيث القيمة , وهذا تخفيض من قيمته بنسبة 96% , لذلك تم انشاء المجلس الاحتياطي الفيدرالي , واذا كان هذا التضخم الحتمي والدائم سخيفا ومنهزما ذاتيا وتمسك بتلك الفكرة حيث ان وصف السخافة هو وصف لا يفي حق آلية عمل نظامنا المالي , حيث انه في نظامنا المصرفي المال هو الدين فوجود المزيد من النقود يحتم وجود المزيد من الديون .
فالطريقة الوحيدة والتي يمكن او نستطيع من خلالها ان نخلق الاموال بطريقة مرغوبة هي القروض ,اذا كان الجميع في الدولة بما فيها الحكومة طبعا قادرة على سدادا جميع الديون لن يبقى بالتالي اي دولار واحد في التداول ونعود الى الاصل من حيث اذا لم يكن هناك ديون في نظامنا المالي لن تبقى هناك اي من الاموال . واذا عدنا للتاريخ قليلا لعبرة الاستفادة يمكننا القول ان آخر مرة تم سداد الدين الوطني في التاريخ الاميركي بشكل تام كان في العام 1835 بعد ان اقدم الرئيس الاميركي جاكسون على اغلاق المصرف المركزي والذي كان الطليعة السياسية للمجلس الفيدرالي الاحتياطي حيث كانت خطة جونسون تدور برمتها الواقعية حول التزامه باغلاق البنك المركزي حيث نجح المصرفيون الدوليون بانشاء مصرف مركزي اخر في العام 1913 وهو الاحتياطي الفيدرالي وهي الاستمرارية المؤسساتية وجوديا للدين بشكل ابدي وحتمي من هنا تنبع عملية ايلاء الاولوية بنشر سياسية الاستدانة والديون لخلق الاموال ومضاعفتها .
ان المال يخلق من الدين عبر القروض وهي مبنية بدورها على الذخائر المصرفية وهذه الذخائر بدورها وبشكل حتمي مستمدة من الودائع , و من خلال هذا النظام الكسري الاحتياطي يمكن لاي وديعة ان تخلق 9 اضعاف وتتكرر لمرات تسع لقيمتها الحقيقية والاصلية .
بدورها تؤثر الصدمات في العرض النقدي على رفع الاسعار في المجتمع والذي يتم تداوله بحرية عند التجارة فيصبح الناس والافراد منفصلين عن دينهم الاصلي حيث يضطر الناس للتنافس الواقعي على العمالة المزاحمة للفوز لفرصة عمل لتغطية تكاليف المعيشة من اجل سحب ما يكفي من المال في التداول النقدي , وهذا ما يخلق فوضى اجتماعية وهمجية مقصودة في آن , على الرغم من ان كل هذا يبدو متخلفا وغير فعال الا ان هنالك عنصرا واحدا ناقصا من المعادلة وهذا العنصر من الهيكل والذي يكشف عن الطبيعة الاحتيالية للنظام وهوتطبيق الفائدة .
فعند اقتراض الحكومة المال او حتى عند اقتراض اي شخص المال من احد البنوك , يجب ان يرد المبلغ مع الفائدة فكل فلس مقترض يجب ان يعاد الى البنك مع فائدته , فاذا كانت جميع الاموال مقترضة من المصرف المركزي وموزعة عبر المصارف التجارية من خلال القروض , فالسؤال البديهي هنا من اين ياتي المال اللازم لتغطية الفوائد المستحقة ؟ والجواب هو ليس من اي مكان فهو غير موجود والمضاعفات الناتجة عن هذه الحالة مذهلة بالفعل , حيث ان المال الذي يدين به الناس للبنك يتجاوز دائما كمية المال الموجودة في التداول وهو السبب المركزي والاساسي الكامن وراء وجود التضخم بشكل ثابت في الاقتصاد .
ان المال الجديد يساعد على تغطية عيب النظام المتأصل والدائم والذي سببته الحاجة لدفع الفائدة وسدادها , وهذا يعني بشكل اوضح بما يسمى التخلف عن الدفع والافلاس وهو موجود بشكل متأصل في النظام , حيث سيكون هناك وبشكل دائم فقراء في المجتمع يحصلون عى النهاية القصيرة لكل الحلول وباتباع سياسة القبضة القصيرة للعصا , فما ان تتوقف العمليات ستتبلور لنا بشكل مباشر الصورة النمطية للخاسر وهذا هو الهدف والذي يؤدي حكما بنقل الثروة الحقيقية من الفرد لصالح البنوك , فان كنت مثلا غير قادر على دفع مقبل لرهنك العقاري فانهم سيستولون حكما على الممتلكات الخاصة بك , وهذا شئ نافر جدا ومثير للغضب بشدة لا سيما حينما تدرك ان هذا التقصير لا مفر منه وهو مقصود وسببه المباشر ممارسة كسور الاحتياطي اي التطبيق الميكانيكي الحديث للنقد , حيث ان عقد الرهن مثلا يطالب كلا الطرفين بوضع شكل شرعي من الملكية للتبادل ,ويسمى هذا بلغة القانون “المحاسبة” اساس العقد حيث يؤسس العقد على تبادل شكل محاسبة بعقد آخر , ولكن في الحقيقة ايضا ان المال الذي اعاره المصرف لك لم يكون موجود بشكل قانوني وانه ابصر النور وخلق من العدم ما ان تم الاتفاق على عقد الاقراض , وذلك ما تلحظه الاليات المالية الحديثة حول القروض , فما يفعلونه عند تقديم القروض هو قبول السندات الاذنية في مقابل الائتمانات , والاحتياطات لا تتغير بمعاملات القروض , ولكن هذه الائتمانات المودعة تشكل اضافة جديدة الى اجمالي الودائع من النظام المصرفي ,فالمال لا يشتق بتاتا من الاصول القائمة , ولكن البنك ببساطة هو الذي يخترعه دون ان يضيف عليه شئ الا من حيث المسؤولية النظرية على الورق , ففي كل مرة تقترض المال من احد البنوك كمثال ( قرض رهن شخصي او بطاقة ائتمان … ) , فالمال المعطى لك ليس مزيف فقط بل انه ايضا شكل غير شرعي للمحاسبة وبالتالي هي ثغرة تخلي العقد من تسديد الدين , لان البنك لم يكن يملك المال منذ البداية , وما هو مؤسف ان مثل هذه الادراكات القانونية تقمع ويتم تجاهلها , وتستمر بالتالي لعبة نقل الثروة والدين العام .
لقد تجاوز الرئيس الاميركي “لينكولون ” حالة ارتفاع الفوائد على القروض خلال الحرب الاصلية الاميركية والتي كانت توفرها البنوك الاوروبية ,وقرر ان يفعل ما دعا اليه الاباء المؤسسين وهو تمكنهم من اقامة عملة مستقلة وخالية من الديون بطبيعتها من القطاع الخاص البريطاني والمصالح الاميركية في العمل المصرفي , في حين الخطة الاوروبية حينها كانت قائمة بسيطرة راس المال على العمال عن طريق التحكم من الاجور , وبالتالي السيطرة على المال حيث لا يمكن ان تسمح بالعودة الخضراء لاننا لا نستطيع السيطرة عليه ,حيث نفذها بالتالي الاحتياطي الفيدرالي وانتشرت كممارسة بالنسبة للغالبية العظمى من بنوك العالم , والتي تعتبر في الحقيقة تكريس لنظام جديد من العبودية بطريقة لطيفة ومهذبة اي العبودية الحضارية, حيث يتم اختلاق المال بالدين بالتالي ماذا يفعل الناس في حالة مديونيتهم ؟ اشكالية حاضرة ودائمة , خصوصا اذا كانت الطريقة الوحيدة لخلق المال هي عن طريق القروض ؟ والخوف من فقدان الممتلكات بالترافق مع النضال المستمر لدفع الدين الابدي والتضخم المتأصل للنظام مع الندرة والتي لا مفر منها في الكتلة النقدية نفسها بسبب الفائدة والتي لا يمكن الانتهاء من سدادها مطلقا وابدا , وكأنهم يركضون على دولاب الفئران مع ملايين آخرين ويمدون الامبراطورية بالطاقة .
حيث يبدأ المال في البنوك وينتهي في البنوك , انهم السادة الحقيقيون جنبا الى جنب مع الشركات الكبرى والمتعددة الجنسيات والحكومات والتي تدعمهم .
تتطلب العبودية الفيزيائية اطعام واسكان العبيد في حين ان العبودية المالية ذاتية تعتمد على العبد بشخصه المعين , يطعم ويؤمن السكن لنفسه بنفسه , وهي واحدة من اكثر حيل التلاعب الاجتماعية براعة في اي وقت , هي بالتالي حربا شرسة غير مرئية ضد التاس والافراد , حيث ان الدين (Debt ) هو السلاح الذي يستخدم لقهر واستعباد المجتمعات الانسانية والفائدة هي ذخيرته الاساسية ونظرا لان الكثيرون غافلون عن هذا الواقع وتلك الحقيقة او مقيدون بها , فهم اذا يسيطرون على البيئة الحاضنة بمواصلتهم لتوسيع وتطوير تكتيكاتهم واستكمال حربهم الاقتصادية باستعمال غير مباشر وبنمط باطني للمؤسسات العالمية الكبرى , وهي استعمال مناقض لاهدافها واصل وجودها الاصلي والمساهمة بالتالي في ولادة القاتل الاقتصادي.
لقد سطر التاريخ طريقتان لقهر واستعباد الامم اما الاولى فهي بالقوة والمعارك والفتوحات العسكرية والثانية هي عن طريق الديون , حيث ان هناك قاتلين اقتصاديين وهم المسؤولين حقا عن خلق هذه الامبراطورية العالمية الفريدة والاولى من نوعها وتعمل بطرق مختلفة كثيرا , هي مثلا تحدد بلدا اقليما او منطقة محددة , تتمتع وغنية بالموارد وتثير اللعاب الحاكمة وتفتح شهية الشركات الكبرى , موارد مثل ( النفط , المعادن النفيسة , الثروات الطبيعية المصيرية …) , بعد ذلك يتم ترتيب قرضا ضخما لهذا البلد من بعد ما ترسم له خطة تنموية محددة من قبل البنك الدولي على سبيل المثال وليس الحصر او اي منظمة اخرى , غير ان المال لا ولم يذهب الى هذا البلد , حيث يذهب الى الشركات الكبرى بفروعها في تلك المنطقة وكأنها تقرض نفسها , لبناء المشاريع والامور التنموية السطحية واعادة تشكيل البنية التحتية وهي الامور الجميلة من حيث الشكل والتي تنعكس بنفعها على قلة من الاغنياء في ذلك البلد هي الاقلية الفرعية والمحلية لهذه الشركات ولكنها في الواقع لا تساعد اغلبية العامة والغالبية الفضلى من شعب البلد على الاطلاق ولا حتى الطبقة الفاعلة فيها , بالمقابل يتحمل البلد باكمله حمل عبء هذا الدين الضخم والذي يعتبر من الصعب سداده وهذا هو الجزء الاساسي من الخطة والنموذج , بشد واستدراج الجميع لتحمل دين (Debt) القلة , حيث انهم مدينون بالكثير من المال ولا يمكنهم دفعه ,فيتم عندئذ بيع الخام من المواد والموارد والثروات في الدولة كالنفط والمعادن بسعر منخفض الى نفس الشركات الكبرى والتي تقوم بدورها ببيعه لنفس البلد بعد التصنيع طبعا بالسعر العالمي والمرتفع طارحة البلد تحت الدين المرهق وحارمة ابنائه من حقهم الطبيعي بثروة بلادهم وهي ثروتهم وهناك نماذج كثيرة لدول غنية بالثروات الطبيعية ولكنها فقيرة على ارض الواقع وترزح تحت خط الفقر المدقع , حيث انه المرتكز الاساسي للنمو والتطور والطريقة الاعتيادية لعمل الصناديق والمؤسسات والبنوك الدولية , بعد ذلك يتم عرض اعادة تمويل الدين ودفع المزيد من الفوائد , مع الطلب الالزامي مقابل ذلك بالمشروطية التامة والحكم الصالح والرشيد وتنظيم الخدمات الاجتماعية والمرافق العامة .
ان طلائع القاتل الاقتصادي بدات حقا في بدايات الخمسينات , لقد اصبح هناك توازن بين نشر الحضارة وزيادة الدين وارتفاع الطلب على القروض , كأننا نعيش وليس هنالك ادنى فكرة مادية بذلك على بقايا غنائم الامبراطورية السرية , حيث الرق موجود في العالم بطريقة حضارية والسؤال الذي يتبادر الى ذهننا بشكل عفوي بالاستفهام عن ” من هو هذا الامبراطور في هذه الامبراطوية ؟ ” حيث انه من الواضح ان الرؤساء وبدءا من الدول الكبرى ليسوا هم الاباطرة , انه لا ينتخب ولا يخدم لاجل محدود لذلك لا يمكننا تصنيف الرؤساء بهذه الطريقة , ولكن لدينا ما يفوق الامبراطور وهي الشركات الكبرى والمتعددة الجنسيات انها مجموعة الافراد الحاكمة , حيث انهم الذين يتصرفون كأباطرة حقيقيين لهذه الامبراطورية ,يسيطرون على الاعلام والسياسة ولا يمكنك ان تحدد من هو الذي في القمة , انه تشكيل غير مرئي في اغلب الاحيان ان لم نقل في مطلقه , وسياسات تنفذ على شكل تداول تجاري وتبرعات ومساعدات مشروطة , وليس على هؤلاء الافراد الاجتماع معا حيث ان معظمهم يعمل على اساس افتراضي , بغض النظر عن التكاليف الاجتماعية والبيئية , حيث ان عملية التلاعب والتي تقوم بها الافراد عببر استعمال الدين والرشوة والاطاحات السياسية والتصحيف للقوانين ما هو الا التعبير السئ للعولمة .
حيث تشكل العبودية الملزمة عببر الدين الابدي هذا التكريس السلبي بالاستعمال السئ , فالتضخم والارتفاع لسعر الفوائد فالصناديق والبنوك الدولية تطبق وتلعب هذا الدور على نطاق عالمي وبشكل نمطي مهذب وناعم من البوابة الانسانية في معظمها , حيث ان الخدعة الاساسية بسيطة او من خلال انتشار الفساد والافساد في اي بلد كان .
نتيجة لذلك ينتهك البلد ويصيبه الشلل , عندها يصبح عليه لزاما الامتثال للشروط والقرارات والاجراءات هي البوابة الاولى للحل فيروج لها وكأنها اجراءات النجاة للبلد , حيث تفرض الشروط والتي تسمى في العادة سياسات تكيف الهيكلية , بداية بتخفيض قيمة العملة ,وهذا ما يجعل الموارد الاصلية متاحة فقط للبلدان المفترسة وبسعر اقل بكثير من قيمتها الاصلية شاملة بذلك التعليم والرعاية الصحية , والمجاذفة برفاهية وسلامة المجتمع الامر الذي يجعله عرضة للفوضى بالاضافة الى سياسة خصخصة الشركات المملوكة للدولة مما يعني وبشكل اوضح ان الانظمة المهمة اجتماعيا معرضة للبيع والشراء , ونورد مثالا صغيرا بهذا الاطار , حيث اصر البنك الدولي في العام 1999 على الحكومة البوليفية بان تبيع المنظومة المائية العامة في ثالث اكبر مدينة فيها لصالح الشركة الاميركية (بكتل BECHTEL ) , فما ان تم هذا الامر حتى ارتفعت فاتورة الماء للسكان المحليين الفقراء اصلا ارتفاعا جنونيا وصاروخيا الامر الذي اوصل الى ثورة شعبية كبيرة وتحركات مطلبية معارضة ادت على الفور الى الغاء العقد .
يجب علينا كذلك ان لا نغفل عن امر تحرير التجارة او الانفتاح الاقتصادي الافقي من خلال ازالة اية قيود على التجارة الخارجية , حيث ان عملية ادخال الشركات الكبرى الدولية لمنتوجاتها المصنعة بكميات كبيرة والذي يؤدي الى انخفاض تكلفتها وسعرها فتكون النتيجة الاولى لذلك هي اضعاف انتاج المنطقة المحلي والاصلي وتدمير الاقتصادات المحلية والذاتية وخير مثال على ذلك لا شك هو جامايكا والتي انجرفت بسيول تحرير التجارة الخارجية وفقدت اكبر اسواق محاصيلها بسبب المنافسة مع الواردات الاجنبية , حيث يوجد اليوم وللاسف مأساة كبيرة متمثلة بوجود عدد لا يحصى من المزارعين العاطلين عن العمل لانهم غير قادرين على المنافسة , وكذلك الامر بالنسبة لانشاء العديد من المعامل الصغيرة المغضوض الطرف عنها والغير المنظمة واللانسانية والتي تعمل على استغلال الضائقة الاقتصادية المفروضة ومن خلال نهج اسلوب تحرير الانتاج تدمر البيئة بشكل استمراري ودائم وتصبح بالتالي موارد البلاد وانتاجها الوطني معرضة لاستغلال من قبل الشركات الكبرى الحاكمة الفعلية والغير المبالية سوى لتنفيذ مخططاتها والزيادة في الارباح .
ليس من محض الصدفة انه ومن بين افضل 100 اقتصاد في العالم على اساس الناتج المحلي الاجمالي السنوي يوجد (51) شركة واغلبها موجودين في اميركا ومقرهم الرئيسي فيها , فشركات مثل ( اكسون ) , و( جنرال موتورز ) و(آبل ) و(فيسبوك) , هي اقوى اقتصاديا من دول مثل بولندا والنرويج وجنوب افريقيا وفنلندا واندونيسيا وحتى المملكة العربية السعودية وكثيرا من الدول الاخرى .
فمع تلاشي واضمحلال حواجز التجارة ,واختلاط العملات وسهولة التلاعب بها في الاسواق العائمة وتغيير اقتصاد الدول لصالح المنافسة المفتوحة في الراسمالية العالمية , تسمع بصداها بكثير من الديمقراطيات حيث لا يوجد ديمقراطيات مطلقة فكل شئ نسبي , نحن اليوم في عصر الشركات الدولية الكبرى الشركات المتعددة الجنسيات حيث لم نعد نعيش في عالم من الامم والايديولوجيات , لقد اضحى العالم مكانا لتجمع الشركات ورهينة لتأمين المواد الخام والموارد البشرية اللازمة والسوق المناسب للتصريف كذلك وكلها تحدد ولا مناص بذلك من قبل النظام الاساسي للاعمال التجارية , فالعالم اليوم هو الاعمال التجارية فقط .
لقد تكامل العالم وامسينا على مقربة من عصر الاندماج التام , صفقات اسطورية للسوق الحرة الراسمالية حيث تمكنت نسبة قليلة جدا من الفرار من هذا التكيف الهيكلي وشروطه الموجبة والتابعة لمؤسساته ولا تزال تحدد وسائل العولمة الاقتصادية بتوازن للاسواق الحرة العالمية الموحدة , اليا يسيطر على العالم عدد من القوى التجارية والتي تهيمن على الموارد الطبيعية والتي بالاساس نحتاجها ولا بديل عنها لاستمرارية العيش والحياة وتسيطر ايضاعلى المال والذي نحن بحاجة اليه للحصول على هذه الموارد ولنتفكر قليلا في الثلاثين السنة القادمة وبمقارنة بسيطة ايهما اغلى ؟ ( ليتر الماء او ليتر البينزين ) , والعالم الى اي من السلعتين سيكون بحاجة ؟ ,ففي النهاية سيتم احتكار العالم ليس على اساس الحياة البشرية ولكن على اساس القوة المالية وسلطة الشركات ونحن حاليا بصددها , والامر الاخطر كذلك وبسبب الغلو والازدياد في معيار عدم المساواة ستصبح الاغلبية الكبيرة من الشعب والمجتمعات بائسة وجانحة لمزيد من البؤس في القدرات الحياتية .
لقد اضطر النظام الى اختراع طريقة جديدة للتعامل مع اي جهة تعرقل سير منظومته بالتلطي بذلك عن طريق تدابير لها علاقة بالحماية الاجتماعية والامن الاجتماعي , غير ان علاقتها وثيقة اكثر واولويتها الكبيرة هي لحماية المنظومة سواء اكانت دولية او اقليمية او محلية والتي لها اسس شرعية ضد جشع الشركات الهادفة الى توسيع الامبراطورية , فالاشكاليات التي نحن بصددها حول كيفية وقف تمدد هذا النظام الفاسد والذي لديه الكثير من القوة ؟ وكيف يمكننا بالتالي وقف هذا السلوك الجماعي الشاذ والمتطرف ؟
وكيف تمكن حكم الافراد (corporatocracy ) من السيطرة على موارد الطاقة والافيون من الزيادة في الارباح للمراكز المالية الكبرى وكيف انتقلت افغانستان من نسبة 0% من انتاج الافيون في العالم قبل سنة 1980 الى نسبة قد تزيد عن ال80% في عصرنا الحاضر , ولصالح من هذه الثروات والارباح ؟
كيف يمكننا ؟ وقف نظام فاجر واناني يسوق بالسكان الفقراء الى رق المصانع الصغيرة لصالح الشركات الكبرى او لذلك الذي يهندس سيناريوهات مفبركة من اجل التلاعب او الذي يولد انماطا للعملية الاجتماعية والتي قد تؤدي بطبيعتها الى الاستغلال . اضافة الى كل الذي ينتهك حريات عدة بشكل منهجي وينتهك حقوق الانسان من اجل حماية نفسه من عيوبه , والسؤال المركزي هنا هو , كيف نتعامل مع العديد من المؤسسات الخفية والتي تتواطأ خلف الابواب المغلقة على السيطرة السياسية المالية والاجتماعية وعلى العناصر التي تحيط بحياتنا !
لادراك الحقيقة والجواب الصحيح يجب ويفترض علينا اولا ان نجد السبب الحقيقي الكامن وراء ذلك ,فالسلطة الفاسدة والانانية والمحاباة والجماعات القائمة على الربح ليست المصدر الحقيقي للمشكلة فهي مجرد اعراض فالطمع والمنافسة ليست نتيجة للطبع الفطري الانساني والنتيجة المباشرة هي انه يجب علينا الصراع بجزئياتها مع بعضها من اجل البقاء . فالاهتمام بالمجتمع والبشرية والعمل على وضع نظام يكون مستداما للجميع وبشكل متساو هو عمل شاق وصعب .
حيث ان كلمة فساد , عممت وكأنها اختراع نقدي وملازم للمال وهذا اعتقاد خاطئ , انه ذلك السلوك الشاذ والتخريبي لرفاه الانسان وتقدمه وتطوره , هنا التعامل مع السولك الانساني والذي يتحدد بيئيا ذلك ان الانسان وليد بيئته , وهو ما ينطبق على الامم والافراد , فالاسر والعائلات تحاول تلقين اطفالها على الدين والعادات والتقاليد والاعراف وبالطبع الوطن السابق لكل هذه الامور , وتجعلهم يشعرون انهم جزء من هذا الكل والذي يكنى بالمجتمع او المنشأة النواة , حيث انشؤوا وجهة نظر يمكن العمل انطلاقا منها ويسعون لتكريس ذلك غير ان الحقيقة تفيد بان معظم المجتمعات هي ناشئة وليست منشأة , ولذلك هي تعتمد على محاربة الافكار الجديدة والتي تتعارض وتتداخل مع المنشأة , فالحكومات تحاول تكريس ما يبقيها في الحكم , فلا احد ينتخب في السياسة من اجل التغيير , حيث ان الاسس واللبنات الأولى المشكلة للفساد هي في مجتمعنا , فالدول كلها تميل للفساد حيث انها تتمسك بالمؤسسات الحالية والراهنة , نحن اذا امام نظم من المشاريع المتعددة وجميع الثقافات هي نفسها , فاكثر سمة لمؤسساتنا الاجتماعية هي ضرورة البقاء لها فقط , لذلك ان الاهتمام المركزي والاولوية الفضلى هي في الحفاظ على بقاء المؤسسة نفسها .
وبنفس المنوال ان اخر امر تريده شركات النفط مثلا هو الاستعمال والاعتماد على الطاقة خارج نطاق سيطرتها ومناطق نفوذها , وفي قلب هذه الذاتية المؤسساتية يكمن النظام النقدي , لان المال هو الذي يوفر الوسائل للسلطة للبقاء على قيد الحياة , لذلك فالقيام بما هو ضروري لمواصلة ربحية المؤسسة هو نزعة طبيعية وهو ما يجعل تغيير المؤسسات القائمة على الربح صعبا للغاية , ذلك لانها تعرض للخطر ليس فقط بقاء مجموعات كبيرة من الناس ولكن وبالتوازن اسلوب الحياة المادي والذي يترافق مع الرفاهية والسلطة , لذلك فان ضرورة الحفاظ على المؤسسة بغض النظر عن اهميتها الاجتماعية تعود جذوره الى حد كبير الى الحاجة الى المال والربح , فاذا تعامل الفرد بمنتج معين بالذات وربح منه فانه وبشكل مباشر سيحارب وجود منتج آخر يمكن ان يهدد مؤسسته ونشاطه واصل ارباحه , لذلك لا يمكن لمعظم الناس الاتصاف بالعدل والعدالة كذلك الامر بالنسبة لمعيار الثقة , فمن الصعب في النظام النقدي ان تثق بالناس , فالصناعة بالحقيقة لا تهتم بالعامة من الشعب الا من حيث انهم زبائن بشكل مطلق , وهذا هو ايضا سبب المشاكل الصناعية الكبيرة في العالم , لذلك فالنظام ليس مصمم لرفاه الناس حيث ان الصناعة لا تهتم ابدا للمجتمعات في حقيقة الامر , هم يوظفون الناس واليد العاملة لانهم يحتاجونها بالدرجة الاولى ولان الصناعة لم تأتمت ولم تتحول بعد بشكل كلي , فبغض النظر عن النظام الاجتماعي فالألية الكامنة والاساسية لا تزال هي هي (المال والعمالة والمنافسة ) في كانت في بقعة ومنطقة كانت باختلاق الثقافة والعادات والعرق والدين , فالصين الشيوعية اقل راسمالية من الولايات المتحدة الاميركية حيث الفرق الوحيد يقوم على درجة تدخل الدولة بالمؤسسات وفي الحقيقة ان النظام النقدي هي الآلية الحقيقية والتي توجه مصالح جميع البلدان في العالم هو نظام التجارة الحرة .
ان المنظورالاساسي كما طرحه لنا الاقتصاديين المختصين بالسوق الحرة الاوائل هو ان السعي نحو المصلحة الذاتية والمنافسة يؤدي حكما الى الازدهار الاجتماعي , حيث تخلق المنافسة الحوافز والتي تحس الناس والعامة من الشعب على المثابرة , ولكن الاشكالية هو في انه كيف يمكن لاقتصاد قائم على المنافسة ان يؤدي حتما الى فساد واندماج في للسلطة والثروة والى تقسيم طبقي اجتماعي , فالشلل التكنولوجي والاساءة للعمالة والتي تقود في النهاية الى شكل من اشكال الحكومات الديكتاتورية من قبل النخبة الغنية والافراد المختارين .
يعرف العديد كلمة الفساد على انها انحراف اخلاقي حيث ان معظم الناس يميزون وذلك بوصفه سلوكا فاسدا وعلى مستوى اكثر خفاء ,فعندما تنتقل شركة كبرى وهنا النموذج المقصود مراكز التسوق الكبيرة الى بلدة صغيرة او الى محيط تجمع قرى صغيرة وتجبر المحال وحتى المؤسسات الصغيرة على الاغلاق لانها غير قادرة على المنافسة , كذلك الامر وتمام عندما يطرد اي شخص من وظيفته بسبب اختراع آلة جديدة والتي يمكنها القيام بذات العمل بوقت اقل , وبزيادة لمعدل العجلة الانتاجية وتوفير معيار كبير من المال والمؤسف ان الناس من شدة استسلامهم يميلون لتقبل هذا الامر ويمتثلون للرؤية الوحشية المتأصلة الفاسدة في مثل هذا العمل .
حيث ان الحقيقة هي الربح وكلها نسبية بدرجات مختلفة في نفس الاليات للحفاظ على الذات والتي تضع دائما المكسب المادي قبل مصلحة الشعوب والعامة , لذلك يرتبط الفساد بالموضوع المالي والنقدي بشكل اكبر ولكنه ليس سوى نتيجة ثانوية للنقدية , حيث ان معظم الناس يعترفون بهذا الميل على مستوى او اخر , ولا تزال الغالبية العظمى ساذجة وتنجرف الى مخاطر كبيرة وهي الناجمة اساسا وكنتيجة اولية لوجود مثل هذه الالية الانانية في عقلية المجتمع .
حيث انهم يفكرون بالمعايير الديمقراطية وهذا امر مستحيل في النظام النقدي , اذا كان لديك المزيد من المال للاعلان عن موقفك والمنصب الذي تريده في الدولة هي ليست اذا ديمقراطية , هي تخدم فقط من هم في مراكز متميزة تفاضلية وبالتالي فانها دائما ديكتاتورية نخبوية , فاما ان يكون عندنا ديمقراطية حقيقية او ان تتركز الثروة عندنا في ايدي قلة قليلة , والحقيقة انه لا يمكننا الحصول على كلاهما , ومن المثير ان نلاحظ كيف تبرز شخصيات غير معروفة , لكن قبل ان تتنبه للامر بطريقة ما تجد نفسك امام مجموعة صغيرة من المتمولين والقاحشي الثراء ومضطرا للاختيار من بينهم فقط , وهي امور مقتعة دائما ومعلبة وفي بعض الاحيان اشبه بالمهزلة فقد تمت الموافقة عليهم مسبقا من قبل النخبة الحاكمة والتي تتولى كتابة السيناريو وامور العرض , وغالبا ما يظن الكثير من الذين يدركون وهم الديمقراطية هذا , فلو كنا قادرين وهذا معقول باحتمالها ضعيف بايصال سياسيين اخلاقيين وشرفاء بالمطلق الى سدة الحكم فسوف نكون على ما يرام .
ومن سوء الحظ وهي مغالطة كبيرة عندما ندرك بواقعية ان المؤسسة السياسية وبالتالي السياسيين انفسهم ليست لديهم ايه صلة ولا اية علاقة بما يجعل عالمنا ومجتمعنا يعمل , فالسياسيين ليسوا هم من يحلوا المشاكل , هم لا يعرفون كيفية حلها وحتى لو كانوا صادقين , فالصناعة والتكنولوجيا والاكتفاء الذاتي وتنمية الموارد وامور الاختصاص والتربية والنظام التعليمي والعدالة الاجتماعية هي التي تحل المشاكل , فاغلب الساسة لا يمكنهم حل المشاكل لانهم غير مدربين على القيام بذلك .
عندما يقف عدد قليل جدا من الناس اليوم ويتأمل بالسبب ,هل هو المال ؟ بالطبع ليس كذلك , لان المرء لا يستطيع ان يأكل المال , فكل ما يمكن للسياسيين او حتى المشرعين اي نواب الامة فعله هو خلق القوانين وضع الميزانيات واعلان الحرب وتسييسها , كذلك الامر هو ليس الدين (Debt ) , فهو لا يفعل شيئا الا على سبيل المواساة المعنوية والعاطفية لمن يحتاجها فقط اي انت تستدين لكي تفي بحاجتك , اما الهدية الحقيقية والتي نملكها كلنا نحن البشر وهي المسؤولة عن كل تحسن في شروط حياتنا هي التكنولوجيا الصادقة .
التكنولوجيا الصادقة وهي قلم الرصاص والذي يسمح للانسان بترسيخ افكاره على ورقة من اجل التواصل , هي آليات النقل والتي تسمح للانسان بالسفر براحة وتوفير للوقت اسرع مما قد تسمح له قدماه , فالتكنولوجيا التطبيقية هي مجرد امتداد للخواص الانسانية والتي تساعد وتهدف لان تقلل من جهد الانسان وتحرر البشر من المشاكل بايجاد الحلول والتخلص من العبء. فتخيل معي على ما ستكون عليه حياتك اليوم بدون الهاتف السيارة الكهرباء والطائرة , وكل شئ في منزلك والذي تعتبره من المسلمات انها التكنولوجيا والتي ولدت من الابداع العلمي الخلاق للبشر لا بالمال ولا السياسة هي كلها مؤسسات زائفة .
لذلك علينا ان نبحث في الظروف والتي تبقي التفوق التنافسي قائما في الصميم والجواب لذلك يتأرجح بين الكفاءة العالية والاستدامة في الوفرة والادخار في الموارد للمستقبل وفقا لقوانين العرض والطلب , ان الية الندرة هي التي تزيد من الارباح بالاستناد الى حفظ المنتوجات القيمة , فتخفيض انتاج النفط يرفع من سعره , وما الذي يعنيه للمجتمع عندما تكون الندرة متأصلة بشكل طبيعي او بالاحتيال وهي اوضاع مفيدة للصناعة فلا شئ في مجتمعنا قائم على الربح هو مستدام وكفؤ, لذلك ما نعني به ان الاستدامة والوفرة مستحيلة الحدوث في نظام ربحي وقائم على الكسب , لانها ببساطة تتعارض مع طبيعة البناء فمن المستحيل وللاسف ان يكون العالم خاليا من الحرب والفقر , وهناك ايضا استحالة لان تتحسن التكنولوجيا باستمرار الى الشكل الاكثر فعالية وانتاجية ,فالكفاءة والاستدامة والوفرة هم اعداء للربح .
يستعمل الناس في المجمل كلمة غريزة لانهم عاجزين في معظم الاحيان عن تفسير السلوك , يشرعون بالتقييم بالرغم من فقر معرفتهم احيانا كثيرة , هناك دائما سلوك للانسان , فالانسان لا يولد مع العصبية والجشع والفساد والكراهية , لكنه يكتسب ذلك بالتواتر والنمو ويلتقطه من البيئة والمجتمع , فالاخلاق والشهامة الصدق صفات موجودة ولكنها غير لصيقة بكل البشر
هنالك حروب الفقر والفساد , الجوع والبؤس هي كلها معاناة بشرية ,فالتغيير قليل جدا وبطئ وهو يتطلب اعادة لرسم ثقافتنا وينبغي ان تكون ذات صلة الى القدرة الاستيعابية للارض وليست بحسب رغبة واهواء شخص ما او سياسي محدد حول كيفية العالم .
حيث المجتمع والذي نحن بصدده هو مجتمع خال من جميع العادات التقليدية تقريا , حيث القوانين والادارات والقطاعات الكلاسيكية بمجملها سوف تختفي , ايضا بعض المهن سوف تختفي ويتغير مفهومها والتي لم تعد سارية وليس لديها ادنى اهمية , عندما تفهم ان التكنولوجيا المبتكرة بالابداع الانساني تحرر البشرية وتزيد من نوعية حياتنا , حينها ندرك ان اهم شئ يجب ان نركز عليه هو اتباع نموذج الادارة الذكية لموارد الارض اي سياسة الادخار للمستقبل فالادخار ليس للمال فقط , لانه من هذه الموارد الطبيعية نحصل على المواد اللازمة لمواصلة طريقنا الطبيعي نحو الازدهار , حينها ندرك ان المال الموجود اساسا بوصفه حاجزا لهذه الموارد لان كل شئ تقريبا له سبب مالي , حيث تحتاج للمال دائما للحصول على الموارد بسبب الندرة الحقيقة او المفترضة .
نحن لا ندفع ثمنا للماء والهواء لانهما متوفران بشكل كبير ولانهما اصل وجود الاحياء على الارض والنبض الاساسي للحياة البشرية والطبيعية غير مخصصة للبيع لان لا يزال هنالك الوازع الاخلاقي والعرف الوجودي الاتفاقي ,وان تم سوف يكون بدون جدوى فيتلازم حينها للواقع وان كانت الموارد والتكنولوجيا قادرة على تسهيل صناعة اي شئ ضروري في مجتمعاتنا وتوفيره بما فيه الكفاية لن يكون هنالك اي سبب لبيع اي شئ , بنفس النمطية اذا كانت الاتمتة والتشغيل الالي متقدمين جدا من الناحية التكنولوجية لدرجة اعفاء البشر من العمالة , لن يكون هناك بالطبيعة اي سبب للحصول على وظيفة وبعد انتهائنا من هذه الجوانب الاجتماعية لن يكون هناك سبب لامتلاك المال على الاطلاق , لكن باشكالية واجبة لنا سؤال يطرح , هل لدينا على هذه الغبراء موارد كافية ؟ ومعرفة تكنولوجية لكي تنشأ مجتمع بهذه الوفرة , حتى ان كل ما لدينا الان يمكن ان يكون متاحا بدون ثمن وبدون الحاجة للخضوع عبر التوظيف , والجواب نعم لدينا الموارد والتكنولوجيا ايضا للنجاح في عملية التمكين كحد ادنى , الى جانب القدرة على رفع المستويات المعيشية رفعا كبيرا .
فمن المفارقة المضحكة انه وفي المستقبل سوف ينظر الناس الى حضارتنا الان ويصابون بالدهشة لمعيارية مجتمعاتنا البدائية والغير الناضجة , نحن بحاجة الى مجتمع من شأنه القضاء على الملل والسأم والاعمال الرتيبة من شأنه القضاء على حوادث السير والنقل , من شأنه ان يمكن الناس من الحصول على مستوى معيشة مرتفع , يقدم لنا مصادر نوعية وجديدة للطاقة المتجددة والفعالة الخضراء والنظيفة .
نحن بحاجة الى اقتصاد قائم على الموارد حيث يكمن الفرق الرئيسي بين الاقتصاد القائم على الموارد وبين الاقتصاد النقدي من حيث ان الاول هو المعني الحقيقي بالناس والعامة حيث الموارد البشرية وحمايتها اولويته , والثاني نقيضه ومشوهه المطلق ذلك ان الناس ومطالبهم وحقوقهم حالة ثانوية وغير مبال لها حتى ان وجدت اساسا .
فاذا صادفتنا مشكلة في المجتمع وكان لا يوجد طريقة لكسب المال عبر حلها فانها للاسف لم تحل في وقت قصير ومعقول , فلم يتم تجربة اي حالة او نموذج يشابه الاقتصاد القائم على الموارد من قبل على الاطلاق , حيث يمكننا بكل تكنولوجيات اليوم ان تخلق الوفرة والتي يمكن ان تستعمل لتحسين اسلوب حياة كل شخص , فالوفرة موجودة في كل انحاء العالم اذا قمنا باستخدام التكنولوجيا المتوفرة بكل صدق وحكمة وحافظنا كذلك على البيئة سيكون لدينا ا نظام مختلف كليا , ومن الصعب جدا الحديث عنه لان الجمهور المتلقي ليس حاضرا بما يكفي ومتفهم بالكامل لحالة التكنولوجيا , حيث لدينا مواضيع ومجالات مختلفة حيث الطاقة البديلة متوفرة , فليس علينا مثلا ان نحرق النفط الاحفوري ولسنا مضطرين لاستخدام ما من شأنه ان يلوث البيئة , فالامور الواقعية بخصوص الطاقة موجودة فقط لادارة هيكلية الربح والذي اوجدته الصناعة وعندما ننظر الى ابعد من الدعاية لحلول تخدم المصالح الذاتية والتي قامت شركات الطاقة بوضعها نرى بوضوح ان المشكلة ليست الوفرة انما التكنولوجيا وكيفية حصدها والاستفادة منها وتسخير بشكل صحيح والهيكلة لجميع الوسائل بالطريق الصحيح .
هناك مجالات متنوعة حيث الطاقة والنقل والعمل والتشغيل الآلي , فاذا تأملنا بالتاريخ قليلا نرى نمطا واضحا جدا من حلول الآلات محل اليد العاملة البشرية بالتدريج بمثال اختفاء رجل المصاعد حتى الاتمتة الكاملة لمصانع السيارات والاليات والحقيقة هي كلما نمت التكنولوجيا تضاءلت باستمرار الحاجة للقوة العاملة البشرية وهذا ما يخلق وسوف يكرس لمواجهة خطيرة , بحيث يثبت زيف نظام العمالة النقدي التقليدي , فالعمالة البشرية في منافسة مباشرة مع التطور التكنولوجي بسبب سوء فهم الواقع والحال ولافتقادنا لمدركات التوازن الطبيعي والمرونة الواجبة , ونظرا لان الاولوية الاساسية هي للربح في قطاع الصناعة ,سيتم وللاسف تسريح العمال بشكل مستمر مع الوقت وسيتم استبدالهم بالالات وهذا ما يحصل الان مع ارتفاع نسبة البطالة عالميا .
فعندما تتبنى الصناعة الالات بدلا من تقصير عدد ساعات العمل للعمال والبحث في سبل الراحة لهم , سوف يقومون بشكل مباشر واناني بتخفيض عدد العمال , فالتكنولوجيا المتطورة والمتقدمة في الاقتصاد القائم على الموارد مع تحفظنا الكامل يمكننا الادلاء بان ما يقارب 90% من كل المهن الحالية سيتم التخلي عنها لصالح الاتمتة المطلقة محررة البشر لعيش حياتهم من دون ضغط وعبودية وهو الهدف الاساسي من التكنولوجيا بالاصل , لذلك هناك خلل في نظامنا الحالي وهو ما يجعل من التطور والتكنولوجيا مجالين وكأنهما مجردين ومشلولين من اي جدوى انسانية , حيث ان العديد من الوظائف اليوم سيكون ببساطة لا معني لوجودها في الاقتصاد القائم على الموارد مثل اي شئ مرتبط بادارة المال والاعلانات وغيرهم , حتى ان النظم القانونية بحد ذاته سوف تتغير ويتبدل ونحن الان بصددها , نحن بتنا بحاجة الى حلول اكثر من القانون , حيث القوانين الوضعية هي محاولات لتنظيم وضبط الواقع , ولتتعامل مع المشاكل التي تحدث والتي لا يعرفون كيفية حلها , لذلك يضعون قانونا لتنظيمها واحتوائها .
حيث النظم القانونية ليست سوى بعض الامثلة والتي تدل على تجاهل مجتمعنا عن البحث على الاسباب الجذرية للسلوك, وذلك مرده حكما لان نظامنا يفضل لابتكار معاييرالندرة والحرمان , فلو كان في وسع الناس وبتوازن مطلق بالحصول على ضروريات الحياة بدون اي شكل من اشكال العبودية والتجارة التقليدية لكانوا قد تصرفوا بشكل مختلف جدا , لقد تربت الشعوب جامعة بان النظام النقدي التقليدي يولد الحوافز , حيث اذا كان لديهم امكانية للحصول على الاشياء بمعظمها فلماذا اذا ينبغي عليهم ان يفعلوا اي جهد ؟ سيخسرون حوافزهم اذا ,وهو الامر الذي تتلقاه ونتعلمه لدعم النظام النقدي .
فعندما تسحب المال خارج المضمار والمشهد الانتفاعي , سيكون هناك حوافز نوعية وبالطبع مختلفة ,فلو كان في وسع الشعوب الحصول على ضروريات الحياة وهي مقتضيات العدالة الانسانية ستتغير الحوافز لديهم , لدينا التعليم والذي يهدف اليوم في الجوهر الى انتاج شخص ما بطريقة معلبة لمهنة معينة فقط ومحددة بالذات , حيث انه متخصص بشدة وبدون ثقافة عامة , حيث لا يعرف العامة والناس عن تفاصيل ولو سطحية لمواضيع مختلفة , حيث يعتمد التعليم الاسلوب البصمي والنصي , اذ هم لا يتعلمون ولا يدرسون كيفية حل المشاكل والامور التحليلية , فلم يتم اعطاؤهم الادوات بشكل متجانس او ضمن ميدانهم الخاص عن كيفية التفكير مثلا بشكل نقدي ومعاكس .
ففي المستقبل القريب والمتوسط سيكون التعليم مختلفا جدا ركيزته النمو العقلي وتحفيز كل شخص الى اقصى القدرات , فكلما ازداد ذكاء الناس والعامة من البشر كلما ازداد وبشكل متوازن العالم ثراء , حيث الجميع يصبح مساهما بصورة بناءة اكثر للبيئة والمنظومة الانسانية كل بحسب قدرته ودوره واختصاصه , فالعالم يتجه للاقتصاد القائم على الموارد والذي يعتمد على الانسان والمجتمع ,حيث ان لكل شخص مورده .
الى الان نحن نتغنى بحضارة متطرفة مليئة بمسميات وسلوكيات لا تمت للحضارة بصلة , هي اقرب للحرب والسيطرة واللهجات والنفحات الاستعمارية المبطنة وكأن الانسان لم يتحضر مطلقا انما هو حاضرا فقط في عصر تكنولوجي فقط من حيث الاطار المادي وهي سياسات انتجت الندرة وكرست للمفهوم السوقي , لقد تمت تربية المجتمعات لخدمة المؤسسات العامة وكأننا في مجتمع مريض مليء بالعقد , للاسف لم يذكرنا التاريخ بايجابية فضلا عن ان كتابة التاريخ ليست شفافة بالمطلق حيث نجد ان التاريخ يتكلم دائما عن السلوك الفاسد على طول المسيرة في المحاولة للعمل من اجل المصلحة المشتركة للانسانية ومن دون الطبقية الاجتماعية الهمجية .
ان القيم الاجتماعية في مجتمعنا والتي تجلت في الحرب الدائمة والفساد والقوانين القمعية والطبقة الاجتماعية , اضافة الى تدمير البيئة , وطبقة حاكمة مستبدة غير مبالية اجتماعيا ومهووسة بالربح فقط , هي في الاساس نتيجة للجهل الجماعي لاثنين من المفاهيم الاساسية حول الواقع والسمات الناشئة والتكافلية للقانون الطبيعي , حيث الطبيعة الناشة للواقع بان جميع النظم من المعرفة والمجتمع والتكنولوجيا والفلسفة سوف تخضع دائما لتغيير سائلي وسيليكوني مرن الحركة ومتناغم , فما نعتبره اليوم شيئا مألوفا كالنقل والاتصالات والذي لم يكن متخيلا حتى من العصور القديمة , بالمثل والتوازن سوف يحتوي كذلك المستقبل على التكنولوجيات والمنجزات وهياكل اجتماعية لا تستطيع حتى فهمها في الوقت الحاضر ,هو ذلك التطور والذي لا يبدي اي علامة على التوقف , وهو ايضا ذلك الوعي الذي يضعنا ويقودنا على طريق مستمر نحو النمو والتقدم حيث المعرفة التجريبية الثابتة لا وجود لها .
ان استبصار وانبلاج كل الانظمة هو ما يجب علينا ان نعترف به هذا يعني اننا يجب ان نكون منفتحين على معلومات جديدة في كل الاوقات , حتى لو كانت للوهلة الاولى تهدد نظامنا , فمن المحزن ان المجتمع اليوم قد فشل في ادراك هذه الحقيقة والمؤسسات القائمة تواصل شل النمو الصحيح من خلال الحفاظ على هياكل اجتماعية خارج الزمن .
في الوقت نفسه يخاف الشعب من التغيير لانهم قد تكيفوا في معظم الاحيان واغلبها على ثبات الامر وواقعه رغم مرارته , حيث التمرد والتحدي يؤديان في طبيعة الحال لنتيجتين الاهانة والاعتقال , ذلك بسبب الاعتقاد ان الخطأ يرتبط بالفشل واحيانا كثيرة يكون سببا في الارتقاء الى مستوى جديد من الادراك ومعززا للوعي ففي الحقيقة ليس هناك انسان يسمى ويكنى بانسان ذكي بالمطلق لانها مجرد مسألة وقت قبل ان تحدث افكارهم او تبدل وهو احيانا شكلا من اشكال المادية الفكرية .
ان النظام النقدي الكلاسيكي يحافظ على استدامة هذه الماديات وليس فقط على الهياكل الني تسعى للحفاظ على نفسها , لكن ايضا عبر العدد الكبير من الناس , اناس مكيفين على الدعم الاستباقي الغير المعتمد على عدم المعرفة بالمشاركة اولئك نصبوا انفسهم اوصياء على الوضع الراهن , فهذا الميل لمحاولة مقاومة التغيير ودعم المؤسسات القائمة لمصلحة الهوية والراحة والسلطة والربح لا يمكن الاستمرار ,وسوف يؤدي في المستقبل الى المزيد من عدم التوازن والتجزئة والتشوية والى نهاية حتمية هي اشبه بالدمار .
نحن يلزمنا نوع من التغيير لا شك اننا بحاجة لذلك واعتقد بانه قد آن الاوان فمن الصيادين وجامعي الثمار الى الثورة الزراعية وصولا للثورات الصناعية الاولي والثانية والثالثة وما نحن على ابوابه لجهة الثورة الرابعة حيث النمط واضح من ان الوقت قد حان لرسم ولوجود انظمة اجتماعية جديدة مختلفة عن المفاهيم والتي ندركها , نحن على تماس معها اليوم واعتقد ان رياح التغيير قد بدأت لحاجتنا الماسة لها وبدافع البقاء والتمكين .
ان النظام النقدي هو نتاج لفترة من الزمن كانت الندرة فيه حقيقة , والان نحن بصدد عصر التكنولوجيا والذي يبتعد بمجتمعه عن هذه الانظمة والاعراف والتقاليد ولكن الامر ليس سهلا ابدا وهنالك على نفس النمط والوتيرة وجهات نظر مهيمنة من العالم وتشكل في احيان كثيرة حوافز للنمو الشخصي والاجتماعي فكل مجموعة تحاول في الادامة لوجهة نظر عالمية مغلقة , حيث ان هذا الادراك المحدود الذي يقولون به هو ببساطة غير ممكن في كون منبثق في معظم الاحبان يتم رفض المنطق والمعلومات الجديدة لمصلحة المعلومات القديمة والمتمسكين بها والامر مرده دائما للحقيقة وسبل فهمها وكيفية التعامل معها.
هناك نوع من الافتراض الزائف بالفصل من خلال الرفض لعلاقات التكافلية في الحياة , فضلا عن ادراك ان كل النظم الطبيعية هي ناشئة حيث ان كل مفاهيم الواقع ستتطور بشكل نمطي ثابت , علينا ايضا ان نفهم بان كل النظم هي في الواقع اجواء مخترعة فقط من اجل المحادثة والروابط والمصالح ,حيث انه لا يوجد شئ اسمه استقلال بشكل مجرد وتشكل الطبيعة نظام مرن ومتين من المتغيرات المترابطة والواقعة على شكل لفعل وردة فعل وموجودة فقط ككل مركز , هي ليست تجربة بشرية على هذا الكوكب وانما تجربة كلية , فالانسان لا يستطيع البقاء على قيد الحياة دون النباتات والحيوان ,والشمس والهواء لذا علينا ان نأخذ بالحسبان بطريقة جدية بان نكون ناجحين ونعمل على الادخار للمستقبل , حيث النجاح يعتمد على مدى نجاح علاقتنا بكل شئ حولنا , علينا ان ندرك ونعرف كل شئ والا سوف نكون امام معضلة ليست بالعابرة , انه مجتمع تكامل من العناصر وعلينا حقا ادراك هذا الامر , فالفرح في الاخير يأتي من الترابط والتلاحم والتعاون انه الشعور بالراحة لا تعرفه الا عندما تشعر وتحس به ولا يمكن مطلقا ان تشتريه بالنقود ولا بالاموال .
علينا ان نفهم ان سلامة وجودنا الشخصي يعتمد اعتماد كليا على سلامة كل شئ آخر في عالمنا ,علينا ان نكون موجودين في كل شئ في نفس الوقت , فعلينا العمل والتأسيس لمجتمع مستدام عالمي حيث كل شخص به هو شخص حر بحق وبعدالة تامة مهما اختلفت الآراء والافكار والمعتقدات مع الجامع الاساسي لها وهو مبدأ ضرورة الحياة .
ان من اهم المسائل والتي بين ايدينا هي الادارة الذكية للموارد , حيث ان السعي وراء الربح هو السعي للمصلحة الشخصية , لذلك عدم التوازن هو جزء من النظام وقد تكتشف مع الوقت ان السياسيين عديمي الفائدة لان مشاكلنا الحقيقية في اغلب الاحيان ادارية وتقنية اكثر منها سياسية , حيث ان المجتمع اصيب بالرجعية مع سياسيين وصناع القرار المتحدثين في استمرار عن الحماية والامن بدلا من الابداع والابتكار والتقدم , فالحياة كانت مختلفة لو كانت اهدافنا وتصرفاتنا وخططنا مختلفة , فلماذا مثلا نتحدث عن اسلحة الدمار الشامل ولا نتحدث عن اسلحة العمران والبناء الشامل ؟ فعليتا ان ندرك ان ملاذنا الوحيد في الحقيقة في قدرتنا على الصمود والمرونة والابتكار , وبفهمنا اكثر للروابط التكاملية والتكافلية في الحياة , فلا يوجد شئ لا نستطيع تحقيقه او بالاحرى لا يمكننا بغض الطرف عن حواجزنا القوية مثل هياكل المؤسسات والتي ترفض التغيير وفي داخلها يوجد النظام النقدي والاسلوب الكسري الاحتياطي والذي يعتبر شكل من اشكال العبودية الحديثة لا سيما من خلال الدين والاستحالة لاي مجتمع معها من ان يكون حرا , بدورها فان راسمالية السوق الحرة المتمثلة بالتجارة الحرة تجعل العالم كله قائم على المنافسة والتي تدمر على الفور امكانية التعاون على نطاق واسع من اجل الصالح العام وبمعنى آخر الشلل لاي محاولة حقيقية في الاستدامة العالمية .
هذه الهياكل المالية والمؤسساتية هي الساقطة وبالية الان ويجب تطويرها مع العلم كل العلم ان هناك نخبة كبيرة وخصوصا تلك التي تريد الاعمال التجارية والمالية لن تشترك بهذه الفكرة وسوف تعرقلها وتعارضها لانها حكما سوف تفقد السلطة والسيطرة لذلك يجب اتخاذ اجراءات استراتيجية للغاية والهدف بصورة سلمية .
حيث يجب علينا ان نعدل سلوكنا لاجبار هياكل السلطة للانحناء لارادة الشعب ويجب ان نتوقف عن دعم النظام كذلك , ذلك ان الطريقة الوحيدة لتغيير المؤسسة هي عبر رفضنا للمشاركة اضافة اللى النقد المستمر لعيوبها وفضحها بفسادها اللانهائي , حيث انهم لن يقوموا بالتخلي ببساطة عن النظام النقدي , والذي يجب بالواقع ان يفشل من عمقه وذاته ومن تلقاء نفسه , من بعد ان يفقد الناس الثقة في قادتهم الكلاسيكيين والمنتخبين تقليديا , فتلك ستكون نقطة التحول الرئيسية .
فكل المؤشرات في الكلام وللاسف بذلك تتجه نحو الافلاس والخوف كل الخوف من الديكتاتورية لمنع الانهيارات الاجتماعية الكاملة وما يسمى الصدمة العكسية للمراحل الانتقالية ولمراحل ما بعد الثورات , فالنظام المالي العالمي على شفا الانهيار بسببه قصوره الذاتي والمقصود باطنيا , حيث ان الفوائد على الديون الوطنية في دول كبرى مثل اميركا غير قابلة للسداد في اقل من 10 سنوات , والذي يعد من الناحية النظرية افلاسا كاملا لاقتصاد وبشكل خاص لاقتصاديات الدول المعنية المؤثرة .
لقد وصل بدوره نظام الكسور الاحتياطي النقدي الى حدود التوسعة النظرية , حيث الفشل المصرفي والذي نراه هو مجرد البداية وهو السبب الرئيسي في الازدياد القاتل للتضخم , بحيث بلغت ديوننا مستويات قياسية والحكومات والمصارف المركزية والصتاديق الاحتياطية ينزفون ويزفون بالدم مالا جديدا لانقاذ نظام فاسد .
ان الطريقة الوحيدة لابقاء المصارف جارية وبداخلها نبض الحياة هي عبر صك المزيد من المال ,اي خلق المزيد من الديون والتضخم حيث انها مجرد مسألة وقت قبل ان تنقلب الادوار ولن يكون احد على استعداد لتقديم القروض الجديدة والمساعدة , بينما في الحقيقة يزداد التخلف عن الدفع لان الناس غير قادرة بسد القروض الحالية , عندها سوف يتوقف التضخك ويبدأ الانكماش على نطاق غير منظور من قبل منهيا بذلك قرنا تاما من المخططات الهرمية الشكل , هذا هو السيناريو الحاصل بالفعل لذلك علينا ان نكشف اصول تعرية الاحتيال المصرفي .
مع مقاطعة العديد من المؤسسات والعمل على سلوكية العزل على قدر الامكان بحماية ما تملكه من الديون وبيع الاسهم والسندات حيث ان وهم الديمقراطية هو اهانة لذكائنا ففي النظام النقدي لا يوجد ما يدعى ديمقراطية حقيقية ولم توجد قط بشكل مطلق فكل شئ نسبي , فمعظم التشكيلات السياسية التقليدية مملوكة من نفس الاشخاص ولصالح مجموعات تشكل جماعات الضغط التابعة لشركات الكبرى , حيث تم تعيينهم في مناصبهم من قبل الشركات والنخبة الحاكمة من الافراد مع هدايا شعبيات مصطنعة الى حد ما تنشرها وسائل اعلامهم التابع والمزيف في نظام فاسد وعفن تفنن بابتكار طرق لادارة الفساد , لذلك علينا التركيز على كيفية تجاوز هذا النظام ومحاربة الفساد المتأصل في النظام العالمي والشامل حكما والممتد لانظمتنا المحلية , ذلك بالتيقن التام بان جميع الموارد الطبيعية على كوكب الارض هي تراث مشترك وجامع لكل الناس والعمل على شرح حقيقة التكنولوجيا للجميع انطلاقا من مسلمة ان المستدام للكل .
يجب ان يبدأ التغيير المحوري والمركزي من الداخل والذات لاي شخص وفرد مميز , فالثورة الحقيقة هي ثورة الوعي ويجب علينا القضاء على الافكار التقسيمية المادية السطحية والتي تم ايهامنا بها بانها حقيقية ويجب علينا اكتشاف التضخيم ومحاربة الاصطفاف المتطرف , ان نحاول بقدر الامكان وان نستمر بالعمل والجهد لتحويل العقل البشري بشكل جذري ليس لعقل تقبل الاشياء كما هي , بل لعقل يفهمها ويفحصها ويبرع بالتمحيص بها والمحاولة في الاكتشاف بكل الجوارح طريقة مختلفة للعيش هي الاسلم للانسان والبشرية , فالانسان هو الاولوية , هو يملك كل شئ , وعليه يعتمد كل شئ ..!

للاشتراك بالنشرة البريدية اضغط هنا

د. محي الدين الشحيمي، استاذ في كلية باريس للأعمال والدراسات العليا

الدكتور محي الدين محمود الشحيمي، دكتوراه في القانون جامعة باريس اساس في فرنسا. عضو لجنة التحكيم في مدرسة البوليتكنيك في باريس. محاضر في كلية باريس للاعمال والدراسات العليا واستاذ زائر في جامعات ( باريس 2 _ اسطنبول _ فيينا ). خبير دستوري في المنظمة العربية للقانون الدستوري مستشار قانوني واستراتيجي للعديد من الشركات الاستشارية الكبرى والمؤسسات الحكومية الفرنسية كاتب معتمد في مجلة اسواق العرب ومجلة البيان والاقتصاد والاعمال ومجلة الامن وموقع الكلمة اونلاين . رئيس الهيئة التحكيمية للدراسات في منصة الملف الاستراتيجي وخبير معتمد في القانون لدى فرانس 24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى