الثلاثاء، 25 أغسطس 2026 بيروت
النشرة البريدية
https://strategicfile.com مقالات موقّعة بأقلام سفراء وأساتذة وباحثين
اشترك بالنشرة
https://strategicfile.com
الأقسام النشرة
الرئيسيةإقتصاد
إقتصاد إقتصاد
إقتصاد

الذكاء الاصطناعي والداء الهولندي الجديد: كيف تبتلع البداوة الرقمية مقدرات الاقتصاد العالمي؟ | بقلم حيدر المنصوري

 

القبائل الرأسمالية والكلأ التكنولوجي

في ظل العولمة المتطرفة والليبرالية الجديدة، تحررت رؤوس الأموال من قيود الجغرافيا والحدود، وتحولت الشركات العابرة للقارات إلى ما يشبه القبائل الرقمية البدائية، لا تنتمي لأرض، ولا تستقر في مجتمع، بل تتحرك بشكل دائم وراء الكلأ والمراعي الأكثر ربحية والأسرع نمواً.

اليوم، يتجلى هذا السلوك البدوي في أبهى صوره عبر التدفق المرعب لرؤوس الأموال نحو قطاع الذكاء الاصطناعي (AI). لكن هذا الزحف الاستثماري الأحادي لم يعد مجرد طفرة تكنولوجية، بل تحول إلى صيغة رقمية عابرة للحدود من الداء الهولندي (Dutch Disease) ونقمة الموارد.

فبينما يمتص الذكاء الاصطناعي العقول والأموال والطاقة، تترنح القطاعات الحيوية الأخرى وتُترك مكشوفة وعطشى للتطوير، مما يهدد بخلل بنيوي في الاقتصاد العالمي.

 

الداء الهولندي التقليدي (Dutch Disease) أو نقمة الموارد.

في الاقتصاد التقليدي، هو مصطلح اقتصادي يُفسر ظاهرة تبدو في ظاهرها إيجابية لكن عواقبها وخيمة؛ وهي عندما يؤدي الاكتشاف المفاجئ لمورد طبيعي هائل (أو طفرة في قطاع اقتصادي معين) إلى تدفق كميات ضخمة من العملات الأجنبية، مما يتسبب في تراجع وضمور القطاعات الإنتاجية الحيوية الأخرى كالصناعة والزراعة.

 

يعود أصل هذا المفهوم إلى أواخر خمسينيات القرن الماضي (1959)، وتحديداً عندما اكتشفت هولندا حقل خرونينجن (Groningen)، وهو أحد أكبر حقول الغاز الطبيعي في العالم.

عندما بدأت هولندا في تصدير الغاز بكميات هائلة خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، حدث ارتفاع قيمة العملة حيث تدفقت الأموال الأجنبية لشراء الغاز الهولندي، مما أدى إلى ارتفاع حاد في قيمة العملة المحلية آنذاك (الغيلدر الهولندي).

أدى ذلك إلى فقدان التنافسية، سبب هذا الارتفاع في قيمة العملة جعل المنتجات الهولندية الأخرى (مثل السلع المصنعة والمنتجات الزراعية) غالية الثمن وصعبة البيع في الأسواق العالمية.

وفي نفس الوقت جعل الواردات الأجنبية أرخص داخل هولندا. سبب ذلك ركود القطاعات الأخرى، بينما عجزت المصانع والمزارع الهولندية عن منافسة البضائع المستوردة، مما أدى إلى إغلاق العديد منها، وارتفاع معدلات البطالة، وهجرة الكفاءات ورؤوس الأموال من القطاعات التقليدية إلى قطاع الغاز أو الخدمات المرتبطة به.

 

في عام 1977، صاغت مجلة The Economist البريطانية مصطلح الداء الهولندي لوصف هذا الركود الذي أصاب الاقتصاد الهولندي نتيجة لاعتماده المفرط على طفرة الغاز، ومنذ ذلك الحين أصبح المصطلح نموذجاً علمياً يُستخدم لتفسير كيف يمكن للثروة المفاجئة أن تدمر الاقتصاد إذا ركزت كل طاقتها في قطاع واحد وأهملت بقية القطاعات.

 

البداوة الرقمية واستنزاف المراعي (الموارد المشتركة)

الليبرالية الجديدة حررت الأموال لتتحرك كقبائل رقمية تبحث عن الكلأ. (هناك بحث منشور في جزئين في منصة strategicfile.com يمكن الإطلاع عليه). في حالة الذكاء الاصطناعي، نرى هذه البداوة تتجسد في الآتي:

 

عدم الارتباط بالجغرافيا أو المجتمع:

الشركات العابرة للقارات تضخ مئات المليارات في مراكز بيانات عملاقة ونماذج لغوية ضخمة. هذه الاستثمارات لا تنعكس بالضرورة على تنمية المجتمعات المحلية أو خلق وظائف مستدامة للطبقات الوسطى، بل تتركز عوائدها في أيدي نخبة رقمية محدودة جداً.

الداء الهولندي الرقمي: آليّات الامتصاص والنزيف واهتزاز استقرار السوق:

تاريخياً، الدول التي اعتمدت على النفط كلياً واجهت أزمات حادة عند تقلب الأسعار. اليوم، يعيد التاريخ نفسه؛ فالاقتصاد العالمي يركز كل ثقله في سلة الذكاء الاصطناعي، مما يجعله عرضة لنقمة الموارد الرقمية في الواقع الراهن.

يلعب الذكاء الاصطناعي دور النفط الجديد، مسبباً نزيف العقول (Talent Drain) لم يعد هروب الكفاءات يقتصر على الهجرة من الدول النامية إلى المتقدمة، بل تحول إلى هجرة داخلية وخارجية عمودية من القطاعات الفيزيائية الأساسية إلى قطاع الحوسبة والذكاء الاصطناعي.

هذه البداوة تستهلك موارد الطاقة والمياه (لتبريد مراكز البيانات) بشكل جائر، مما يذكرنا بكيفية استنزاف القبائل الرعوية القديمة للمراعي قبل الانتقال لغيرها. الشركات تبني مراكزها حيث الطاقة رخيصة، وإذا ارتفعت التكلفة أو فرضت الدولة قيوداً بيئية، تنتقل الأموال فورا إلى جغرافيا أخرى، تاركة وراءها قطاع طاقة محلي منهك. وشعب عاطل عن العمل.

الشركات العملاقة تتحرك اليوم كالبدو في استهلاك الموارد؛ تبني معسكراتها (مراكز البيانات) حيث الكلأ (الطاقة والمياه الرخيصة) متوفر، وعندما تنضب هذه الموارد أو ترتفع تكلفتها، ترتحل إلى مكان آخر تاركة وراءها بيئة منهكة اقتصادياً وبيئياً.

 

حمى مراكز البيانات وأزمة الطاقة

تتطلب نماذج الذكاء الاصطناعي طاقة كهربائية ومياه تبريد بكميات تفوق قدرة الشبكات المحلية على التحمل. شركات مثل Microsoft وAmazon باتت تشتري وتستأجر محطات طاقة نووية كاملة (مثل الاتفاقية الشهيرة لإعادة تشغيل مفاعل Three Mile Island) لتغذية مراكز بياناتها.

بحلول عام 2026، باتت مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي تستهلك ما يقرب من 4.5% من إجمالي توليد الكهرباء العالمي (مقارنة بـ أقل من 1% قبل أعوام قليلة). هذا التكالب أدى إلى رفع أسعار الكهرباء على المستهلكين العاديين وعلى المصانع التقليدية في مناطق مثل فيرجينيا الشمالية وإيرلندا، مما يمثل ضغطاً تضخمياً يطرد الاستثمارات الأخرى ويعجز معه الاقتصاد المحلي عن التنفس خارج عباءة تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.

إذا ما تباطأ العائد الاستثماري للذكاء الاصطناعي أو واجه عقبات تنظيمية وقانونية صارمة، فإن انفجار هذه الفقاعة سيتسبب في ركود عالمي عنيف، لأن الاقتصاد أهمل بناء مصادر نمو بديلة ومستدامة في القطاعات الفيزيائية الحقيقية طوال سنوات الطفرة.

 

إن الليبرالية الجديدة التي سوّقت للذكاء الاصطناعي كأداة لتحرير الإنتاجية، تسببت عبر آلياتها الرأسمالية المتطرفة في خلق اقتصاد أحادي المورد. هذا المورد يستهلك أفضل ما تملكه البشرية من عقول وموارد طبيعية، لإنتاج أدوات توليدية برمجية، في حين تترك قطاعات الأرض، والغذاء، والطب، والتعليم الفيزيائي مكشوفة ومعرضة للضمور والتراجع. وهي في نفس الوقت تقضى على الوظائف وتسرح الاف الموظفين.

مفهوم الداء الهولندي هنا يوضح بدقة أن الخطر ليس في التكنولوجيا نفسها، بل في أحادية التركيز التي تفرضها الليبرالية الجديدة. عندما يصبح الذكاء الاصطناعي هو المورد الوحيد الذي يلتهم كل رأس المال البشري والمادي، يصبح الاقتصاد العالمي الهش مكشوفاً أمام أي فقاعة قد تنفجر، ومقيداً في نمو المجالات الأخرى التي تمس حياة البشر اليومية بشكل مباشر (كالغذاء، الدواء، والبنية التحتية الفيزيائية).

 

فقاعة التقييمات مقابل العائد الحقيقي:

تتجاوز تقييمات شركات أشباه الموصلات (مثل القفزات التاريخية لشركة NVIDIA التي تخطت قيمتها حاجز الـ 3 تريليون دولار) والشركات المطورة للذكاء الاصطناعي مئات المليارات، بناءً على وعود مستقبلية وليس على عوائد تشغيلية فعلية توازي هذا الإنفاق.

 

مخاطر الانكشاف:

إذا ما تباطأ العائد الاستثماري للذكاء الاصطناعي أو واجه عقبات تنظيمية وقانونية صارمة، فإن انفجار هذه الفقاعة سيتسبب في ركود عالمي عنيف، لأن الاقتصاد أهمل بناء مصادر نمو بديلة ومستدامة في القطاعات الفيزيائية الحقيقية طوال سنوات الطفرة.

كيف يتطابق التكالب على الذكاء الاصطناعي مع الداء الهولندي؟

في الاقتصاد التقليدي، يحدث الداء الهولندي عندما يكتشف بلد ما مورداً طبيعياً هائلاً (مثل النفط)، فتدخل الأموال الضخمة لقطاع النفط، مما يرفع قيمة العملة ويجعل القطاعات الأخرى (كالزراعة والصناعة) غير تنافسية، فيهجرها الجميع.

 

نزيف المواهب والعقول (Talent Drain):

يلعب الذكاء الاصطناعي دور النفط الجديد، مسبباً: نزيف العقول (Talent Drain) لم يعد هروب الكفاءات يقتصر على الهجرة من الدول النامية إلى المتقدمة، بل تحول إلى هجرة داخلية وخارجية عمودية من القطاعات الفيزيائية الأساسية إلى قطاع الحوسبة والذكاء الاصطناعي.

تشهد الجامعات العريقة في أمريكا وأوروبا تفريغاً مخيفاً لأقسام الرياضيات والفيزياء، وحتى الهندسة المدنية والميكانيكية، حيث يترك الأساتذة والباحثون الأكاديميون مناصبهم للعمل في شركات مثل OpenAI، Google، وAnthropic برواتب ومكافآت سنوية تتجاوز ملايين الدولارات. هذا النزيف يترك قطاعات مثل تطوير الرعاية الصحية الأساسية، علوم البيئة، وهندسة البنية التحتية بدون العقول القادرة على ابتكار حلول حقيقية للأزمات البشرية.

تماماً كما كان النفط يسحب العمالة والمهندسين من القطاعات الأخرى، فإن الذكاء الاصطناعي اليوم يسحب أفضل العقول المهندسة، والعلماء، وحتى أساتذة الجامعات من مجالات حيوية مثل: الهندسة المدنية، الرعاية الصحية الأساسية، علوم البيئة، والتعليم، بسبب الرواتب الفلكية التي تقدمها شركات التكنولوجيا الكبرى (Big Tech).

 

هجرة رؤوس الأموال الاستثمارية (Capital Flight):

رأس المال الاستثماري (Venture Capital) بطبيعته البدويّة لا يبحث عن الاستدامة طويلة الأجل في قطاعات البنية التحتية أو الخدمات الأساسية؛ إنه يبحث عن النمو الأسي (Exponential Growth)، وبما أن القطاعات التقليدية تقدم نمواً خطياً مستقراً، فقد تعرضت لجفاف تمويلي حاد، لإن رأس المال الاستثماري (Venture Capital) يهجر اليوم شركات التكنولوجيا الحيوية التقليدية، الطاقة المتجددة، أو حلول المياه، ليوجه كل طاقته نحو شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة، مما يترك القطاعات الحيوية الأخرى مكشوفة وعطشى للتمويل.

تتوجه أكثر من 40% من إجمالي الاستثمارات التكنولوجية في أسواق المال والتمويل الجريء، حصراً نحو الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي وتطوير النماذج اللغوية الضخمة (LLMs).

تشير التقارير الاقتصادية المحدثة لعام 2025 والربع الأول من عام 2026 إلى أن الإنفاق الرأسمالي العالمي (CapEx) لشركات التكنولوجيا الكبرى (مثل مايكروسوفت، وميتا، وألفابت، وأمازون) الموجه حصراً للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات قد قفز ليتجاوز حاجز الـ 200 مليار دولار سنوياً.

وفي المقابل، انخفض التمويل الجريء الموجه لشركات التكنولوجيا الحيوية (Biotech) الصيدلانية، والشركات الناشئة في مجال الطاقة النظيفة وتقنيات تحلية المياه بنسبة تقارب 18%، مما تسبب في تباطؤ أو إغلاق مشاريع كانت تبحث عن علاجات لأمراض مستعصية أو حلول لأزمة الجفاف العالمية.

 

تضخم التكلفة والتقييمات المبالغ فيها:

مثلما يتسبب طفرة النفط والغاز في تضخم محلي، فإن حمى الذكاء الاصطناعي رفعت تكاليف الحوسبة، والطاقة، ومساحات مراكز البيانات إلى أرقام خيالية، مما جعل تطوير أي برمجيات أو حلول رقمية في مجالات أخرى مكلفاً جداً وغير قادر على منافسة الإنفاق الموجه للذكاء الاصطناعي.

التأثير المضاعف والمخرب (The Double-Whammy Effect)

الضربة الأولى (انكشاف القطاعات):

 تموت القطاعات الفيزيائية والخدمية الحيوية (كالتعليم، والزراعة، والرعاية الصحية المحلية) بسبب جفاف التمويل وهجرة العقول منها إلى قطاع الذكاء الاصطناعي. عندما يصبح الذكاء الاصطناعي هو المورد الوحيد الذي يلتهم كل رأس المال البشري والمادي، يصبح العالم رهينة لقبائل رقمية تستهلك الموارد وترتحل فور انتهاء الطفرة. إن إعادة التوازن الاقتصادي عبر سياسات حمائية للقطاعات الحيوية لم يعد خياراً تكنولوجياً، بل هو ضرورة وجودية لاستدامة الحضارة البشرية.

 

الضربة الثانية (انعدام الملاذ الآمن):

في الداء الهولندي التقليدي، كان الموظف المسرح من مصنع مغلق يمكنه إعادة التأهيل والعمل في قطاع آخر. اليوم، الموظف الذي يُطرد بسبب الأتمتة لا يجد قطاعاً حيوياً آخر يستوعبه، لأن القطاعات الأخرى تعاني أصلاً من الضمور والجفاف التمويلي بسبب الداء الهولندي، إضافة لتقليص الوظائف التي يستهدفها الذكاء الإصطناعي اساساً.

يصبح التأثير مضاعفاً ومدفوعاً بآليات الليبرالية الجديدة بسبب فك الارتباط بين النمو الاقتصادي وخلق الوظائف.

تاريخياً، كان نمو أي قطاع اقتصادي يعني حاجة أكبر للموظفين والعمال (علاقة طردية). الذكاء الاصطناعي يكسر هذه القاعدة تماماً. الشركات المليارية ذات الموظفين المعدودين في عصر الليبرالية الجديدة حيث تبحث الشركات عن الكفاءة القصوى لرفع أرباح المساهمين. اليوم، يمكن لشركة ذكاء اصطناعي ناشئة أن تصل قيمتها السوقية إلى مليارات الدولارات وهي لا توظف سوى 50 أو 100 مهندس فقط.

المفارقة المدمِرة: قطاع يمتص رأس المال ويقيد العمالة الحية

التسريح الهيكلي (Structural Layoffs):

الأموال التي تهاجر من القطاعات الأخرى للذكاء الاصطناعي لا تذهب لخلق فرص عمل جديدة في تلك القطاعات، بل تُستغل لأتمتة الاستشاريين، والمبرمجين المبتدئين، وموظفي الدعم، وصناع المحتوى، والمحامين، والمحاسبين. نحن أمام قطاع يمتص الثروة ويسرح البشر ويقود للبطالة العالمية.

على العكس من الطفرات الاقتصادية السابقة التي كانت تفتح آفاقاً جديدة للتوظيف، فإن الداء الهولندي الرقمي يتميز بطبيعة إنكماشية للوظائف. رأس المال البدوي يتدفق نحو الذكاء الاصطناعي كونه أداة لتعظيم الأرباح عبر إلغاء العامل البشري. في حالة الذكاء الاصطناعي، فإننا نواجه مفارقة مرعبة. القطاع الذي يلتهم كل استثمارات العالم وعقوله، هو نفسه القطاع المصمم خصيصاً لتقليص الحاجة إلى البشر وتخفيض العمالة.

رعي الموارد وتحطيم المستهلك:

وبذلك، يواجه المجتمع أزمة مزدوجة، قطاعات حيوية فيزيائية تُحرم من التمويل والتطوير، وفي المقابل، قطاع تكنولوجي مهيمن يمارس تسريحاً هيكلياً للموظفين. هذا الانفصام بين نمو رأس المال وتقليص العمالة يؤدي إلى سحق الطبقة الوسطى وتجفيف القدرة الشرائية في الأسواق، مما يجعل خطورة هذا الداء التكنولوجي أشد تدميراً من أي طفرة موارد شهدها التاريخ الحديث.

 

انهيار المنظومة الاقتصادية برمتها:

هنا تظهر المفارقة الفلسفية لليبرالية الجديدة وبداوتها: رأس المال البدوي يبحث عن الربح الأقصى عبر إلغاء الوظائف بالذكاء الاصطناعي لخفض التكلفة. لكنه ينسى أن هؤلاء الموظفين المُسرحين هم في النهاية المستهلكون الذين يشترون المنتجات، عندما تقضي على الوظائف في كل مكان، فإنك تحرم السوق من القدرة الشرائية، التي غالبا ما تحصل بسبب الوظائف، مما يؤدي في النهاية إلى انهيار المنظومة الاقتصادية برمتها.

نحو كبح البداوة الاستثمارية:

إن إسقاط مفهوم البداوة الحديثة والداء الهولندي على واقع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي يثبت أن الخطر لا يكمن في التكنولوجيا ذاتها كأداة للتطور، بل في التنظيم الاقتصادي المشوه الذي يفرضه رأس المال البدوي المرتحل.

لحماية مستقبل الاقتصاد العالمي من هذا الانكشاف، بات من الضروري صياغة سياسات دولية ومحلية تعيد توجيه دفة الاستثمارات؛ من خلال فرض ضرائب نوعية على الاستهلاك الجائر للموارد الرقمية، وتقديم حوافز ومزايا تفضيلية لرؤوس الأموال التي تستثمر في قطاعات البنية التحتية والعلوم الأساسية. بدون هذا التوازن، سيبقى العالم رهينة لقبائل رقمية تترك أرضاً قاحلة وترتحل فور انتهاء الطفرة.

السياسات الاقتصادية المقترحة لمواجهة الداء الهولندي الرقمي

لحماية مستقبل الاقتصاد العالمي من هذا الانكشاف والحد من جموح رأس المال البدوي، لا يمكن الاعتماد على آليات السوق الذاتية، بل يتطلب الأمر تدخلاً تنظيمياً عبر السياسات التالية:

 

فرض ضرائب الموارد الرقمية النوعية (Resource Taxes)

على غرار الضرائب المفروضة على شركات التعدين والنفط، يجب إلزام الشركات التي تدير مراكز بيانات ضخمة بدفع ضرائب استثنائية على الاستهلاك الكثيف للطاقة والمياه. تُوجه عوائد هذه الضرائب مباشرة لدعم شبكات الطاقة المحلية، ولمنع تضرر المستهلكين والمصانع التقليدية، و لتمويل الأبحاث العلمية في المجالات الفيزيائية والبيولوجية التي هجرها رأس المال.

 

الحوافز الضريبية العكسية (Counter-Incentives)

توفير إعفاءات ضريبية ضخمة ومزايا تفضيلية لرؤوس الأموال التمويلية (VCs) التي تختار الاستثمار في قطاعات النمو الخطي المستدام، ويجب وضع عدة خطوط تحت مفهوم المستدام، مثل: تطوير اللقاحات، الهندسة الزراعية المستدامة، وتقنيات إعادة التدوير ومكافحة التغير المناخي.

 

حماية الأكاديميين والبحث الأساسي (Academic Sovereignty)

لمنع تجريف العقول، يجب على الحكومات والمؤسسات العامة زيادة التمويل الحكومي للأبحاث الأساسية (الفيزياء، الكيمياء، الطب الحيوي)، وربط بحوثهم بالإنتاج المستقر في المجتمعات، ووضع أطر تنظيمية تقيد التعاقدات الاحتكارية التي تجريها شركات التكنولوجيا الكبرى مع أساتذة الجامعات، لضمان بقاء العقول الفذة في خدمة التعليم العام والابتكار المفتوح وليس خلف الجدران المغلقة للشركات العابرة للقارات.

عن الكاتب حيدر المنصوري، خبير في الاتصالات والتكنولوجيا حيدر المنصوري خبير في الاتصالات والتكنولوجيا، شغل منصبًا إداريًا في إحدى كبرى شركات الاتصالات في العراق، ويمتلك خبرة في إدارة العمليات وتطوير البنية الرقمية. يعمل حاليًا مستشارًا في القطاع، مقدمًا رؤى استراتيجية حول التحول الرقمي والأسواق. كما يهتم بالجغرافيا الجيو-استراتيجية وتأثيرها على القرارات السياسية، وله مقالات وبحوث في هذا المجال.