وإذا صحت التقارير المنقولة عن Axios بخصوص مشاركة قادة عسكريين سعوديين وعرب في اجتماع مغلق عقد بألمانيا في الأسبوع الثاني من سبتمبر ٢٠٢٦م جمع رئيس أركان الجيش الإسرائيلي وقادة عسكريين من سبع دول عربية برعاية القيادة المركزية الأمريكية ، فإن ذلك يمثل تطوراً مهماً في طبيعة الترتيبات الأمنية الإقليمية .
فقد أكدت تقارير أن الاجتماع تناول الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران والتحديات الأمنية الأوسع في هرمز والبحر الاحمر ، وأن السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت والأردن ومصر شاركت إلى جانب إسرائيل والولايات المتحدة .
لكن الأهم أن هذا التحرك يأتي في لحظة تبدو فيها السعودية أكثر حاجة إلى إعادة ترتيب علاقاتها الإقليمية ، في ظل تصاعد الهجمات الحوثية ، وفي الوقت نفسه محاولة ترميم العلاقة مع الإمارات .
فقد زار نائب رئيس الإمارات الشيخ منصور بن زايد الرياض بدعوة من وزير الدفاع السعودي في ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٦م ، في أول زيارة رفيعة المستوى منذ الخلاف الكبير الذي تفجر بين البلدين حول اليمن .
وهنا تظهر المفارقة الكبرى .
فالسعودية والإمارات كانتا شريكتين في الحرب على الحوثيين ، لكنهما اختلفتا حول مستقبل اليمن نفسه .
حيث دعمت أبوظبي قوى جنوبية ذات توجه انفصالي ، بينما دعمت الرياض ترتيبات أكثر ارتباطاً بالحكومة اليمنية ووحدة البلاد .
وقد بلغ الخلاف حد المواجهة غير المباشرة بين القوات المدعومة من الطرفين في جنوب اليمن مطلع العام الحالي .
ومن ثم فإن التقارب السعودي ـ الإماراتي الجديد لا يمكن قراءته بمعزل عن النزاع السعودي الحوثي المتصاعد ؛ لكنه في الوقت نفسه لا يعني بالضرورة انتهاء التنافس بين القوتين الخليجيتين علي النفوذ والزعامة .
فالتهديد المشترك قد يدفع الخصوم إلى تنسيق مؤقت ، دون أن يلغي اختلاف المصالح والأجندات .
أما البعد الإسرائيلي ، فيطرح سؤالاً أكثر حساسية : هل تتحول المخاوف الأمنية العربية إلى مدخل لإعادة تشكيل النظام الأمني العربي بحيث تصبح إسرائيل جزءاً مركزياً منه ؟
هنا ينبغي التمييز بين التعاون التقني المحدود وبين التحول الاستراتيجي .
فالحاجة إلى منظومات دفاعية أو معلومات استخبارية لا تعني بالضرورة تطبيعاً سياسياً شاملاً ، لكنها قد تخلق تدريجياً واقعاً أمنياً جديداً تصبح فيه إسرائيل طرفاً لا غنى عنه في ترتيبات الدفاع الإقليمي .
وهذا تحديداً ما ينبغي أن تنتبه إليه الدول العربية : فالأمن الذي يُبنى على الاعتماد الخارجي قد يفيد المدى القصير ، لكنه قد يعمق التبعية الاستراتيجية في المدى الطويل .
والسؤال الأكثر أهمية هو : هل الحرب مع إيران والحوثيين هي الطريق الوحيد لحماية الخليج ؟
التجربة السعودية نفسها تقدم إجابة مختلفة .
ففي مارس 2023م ، توصلت الرياض وطهران ، برعاية صينية ، إلى استئناف العلاقات الدبلوماسية ، وأكد الطرفان احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية ، كما أشادا بالدور العماني والعراقي في استضافة جولات الحوار السابقة .
وكانت تلك الخطوة دليلاً عملياً على أن الخصومة السعودية ـ الإيرانية ليست قدراً محتوماً ، وأن الحوار ممكن حتى بين دولتين راكمتا سنوات طويلة من التوتر .
ومن هنا فإن التعامل مع الحوثيين لا ينبغي اختزاله في خيار عسكري دائم . فقد أكدت السعودية نفسها ، في مسارات سابقة ، دعم الحل السياسي في اليمن ، كما رحبت في يناير 2026م بالحوار بين المكونات الجنوبية باعتباره جزءاً من الحل السياسي الشامل .
كما أن مجلس التعاون الخليجي أكد دعم العملية السياسية في اليمن وجهود السعودية وعُمان والأمم المتحدة لإحياء المسار السياسي .
ولا يعني ذلك تجاهل خطر المواجهة مع الحوثيين أو القبول بسيطرتهم منفردين على الدولة اليمنية أو استهدافهم دول الجوار والملاحة الدولية .
لكنه يعني أن الحل العسكري وحده أثبت محدوديته وعدم جدواه في حل النزاع في اليمن وخارج نطاق اليمن ، وأن التسوية السياسية اليمنية ـ اليمنية ، المصحوبة بضمانات إقليمية ودولية ، قد تكون الطريق الأقل كلفة والأكثر قابلية للاستدامة .
وهنا تبرز سلطنة عُمان باعتبارها نموذجاً مختلفاً في إدارة الأزمات الإقليمية : الحوار مع الخصوم بدلاً من تحويل كل خلاف إلى حرب بالوكالة .
أما موقف السودان ، فتأكد مرة أخرى في إعلان الفريق أول ياسر العطا في سبتمبر 2026م وقوف السودان إلى جانب القوات الحكومية اليمنية المعترف بها في مواجهة الحوثيين ، ولكن هذا الموقف يستحق نقاشاً وطنياً هادئاً .
فالسودان لديه علاقات ومصالح استراتيجية مع السعودية ، وله مصلحة مباشرة في أمن البحر الأحمر ، كما أن لديه تجربة مريرة مع الحروب بالوكالة والتدخلات الخارجية .
ومفهوم أن يتضامن السودان أن يتضامن مع أمن المملكة ، ويدعم أمن البحر الأحمر وحرية الملاحة ، ويرفض استهداف الدول والمنشآت المدنية ، ولكن ليس بالضرورة أن يتحول إلى طرف في نزاع وحرب يمنية داخلية أو إلى جزء من محور عسكري يخدم أجندات الآخرين .
وهذا أكثر أهمية في ضوء الوضع السوداني نفسه ، حيث أصبحت الخرطوم في حاجة إلى سياسة خارجية توسع هامش المناورة ، لا إلى إدخال نفسها في صراعات إقليمية إضافية .
كما أن التقارب السعودي ـ الإماراتي ، إذا استمر واتسع ، ستكون له انعكاسات مباشرة على السودان ؛ لأن أبوظبي طرف شديد التأثير في المشهد السوداني ، وخصوصاً في ظل الاتهامات السودانية المتكررة بشأن دعم قوات الدعم السريع ، وهي اتهامات تنفيها الإمارات ولكنها مثبتة .
ومن ثم فإن أي تفاهم سعودي ـ إماراتي جديد قد ينعكس على شبكة التحالفات المرتبطة بالحرب السودانية ، سواء إيجاباً أو سلباً ، بحسب طبيعة هذا التفاهم وأولوياته .
إن السؤال الحقيقي أمام العرب ليس : هل نواجه إيران أم إسرائيل ؟ وإنما : هل نبني أمناً عربياً مستقلاً ، أم نقبل بأن يكون أمننا جزءاً من منظومة أمنية تقودها قوى خارج الإقليم ؟
إيران دولة إقليمية لها مصالح ومشروع نفوذ ، والحوثيون قوة يمنية قد تكون مرتبطة بإيران وتملك أجندتها الخاصة ، وإسرائيل قوة عسكرية إقليمية ، والولايات المتحدة قوة دولية كبرى لهما مصالح مشتركة وواضحة في السيطرة علي المنطقة وفي افتعال الحروب والنزاعات مع دولها واستدراجها الي نزاعات بينية خدمة لأهدافها .
لكن مصلحة العرب لا تقتضي بالضرورة الانضمام إلى حرب أي طرف من هؤلاء .
والمصلحة العربية تقتضي بناء منظومة أمن إقليمي تقوم على الحوار ، وعدم الاعتداء ، واحترام السيادة ، ومنع التدخل في الشؤون الداخلية ، وتأمين الملاحة ، وتسوية النزاعات بالوسائل السياسية ، مع الاحتفاظ بالقدرة الدفاعية الرادعة .
لقد أثبتت تجربة السعودية وإيران عام 2023م أن الحوار ممكن ، وأثبتت تجربة اليمن أن الحرب الطويلة لا تنتج بالضرورة حلاً نهائياً ، كما أثبت الخلاف السعودي ـ الإماراتي أن مواجهة خصم مشترك لا تلغي تضارب المصالح بين الحلفاء .
ومن ثم فإن الخيار الأكثر عقلانية للعرب ليس التماهي التلقائي مع الأهداف الأمريكية والإسرائيلية ، ولا الدخول في مواجهة مفتوحة مع إيران وحلفائها ، وإنما امتلاك القرار العربي المستقل ، واستخدام الحوار كأداة للأمن والاستقرار والتعايش ، والقوة كوسيلة للردع ، والدبلوماسية كطريق لتسوية النزاعات .
فالأمن الحقيقي لا يتحقق عندما تختار الأمة العربية طرفاً خارجياً يحارب نيابة عنها او يحمي حدودها ، وإنما عندما تصبح قادرة على منع الآخرين من تحويل أراضيها وشعوبها إلى ساحات لحروبهم .
وهذه هي المعركة الأهم : معركة استقلال القرار العربي قبل أن تكون معركة الصواريخ والطائرات والمسيرات وخيار التبعية أو التحالفات المدمرة .




