
يتكوّن الدين القوميّ الأميركيّ من القروض التي تستدينها الحكومة الفيدراليّة لتغطية عجز الميزانيّة السنويّ عن طريق بيع سندات خزانة مختلفة الأجل والخصائص. وهذا الدين يُقسم تقليدياًّ إلى فئتَيْن رئيسيتَيْن: دين مملوك للجمهور ودين داخليّ. الأول عبارة عن سندات خزينة قابلة للتداول تحتفظ بها مؤسسات ماليّة ومستثمرون ومواطنون خارج الحكومة، بينما الثاني يُمثل الديون المستحقة على صناديق حكوميّة خاصة (مثل صناديق الضمان الاجتماعيّ والتقاعد) استثمرت فوائضها في سندات خزينة. بعبارة أخرى، الدين الداخليّ هو دين تحتفظ به الحكومة على نفسها. ويبلغ إجماليّ الدين الفيدراليّ نحو 36.2 تريليون دولار حتى آيار 2025. ويضيف الدين العام المستحق فائدة تراكميّة على الدين الأصليّ، وهذا ما يجعله ينمو سنويّاً بارتفاع عجز الميزانيّة.
مكوّنات الإنفاق الفيدراليّ
يتشكّل الإنفاق الفيدراليّ من ثلاثة مكوّنات رئيسة: الإنفاق الإلزاميّ (الحتميّات)، والإنفاق التقديريّ (المصروفات السنويّة)، ونفقات الفوائد على الدين.
الإنفاق الإلزاميّ هو الذي يفرضه القانون بشكل تلقائيّ دون تصويت سنويّ من الكونغرس، ويشمل برامج الضمان الاجتماعيّ (التقاعد) والرعاية الصحيّة وبرامج أخرى. أمّا الإنفاق التقديريّ فيُخصّص عبر إقرارات سنويّة جديدة من الكونغرس، وغالباً ما يُخصّص نحو نصفه للدفاع الوطنيّ والباقي للخدمات الحكوميّة الأخرى (تعليم، بنية تحتيّة، أبحاث، إلخ). وفي العام 2023، بلغ الإنفاق الفيدراليّ الكليّ حوالى 6.2 تريليون دولار، منها نحو 3.8 تريليون إنفاق إلزاميّ و1.7 تريليون إنفاق تقديريّ و659 مليار فوائد دين. أي أنّ الإنفاق الإلزاميّ يُمثّل نحو ثلثيَْ النفقات التقريبيّة، ممّا يترك قدرة محدودة لتعديل النفقات بصورة دوريّة.
إنّ الإنفاق الإلزاميّ فهو تلقائيّ (كالضمان الاجتماعيّ والرعاية الصحيّة) ويميل إلى الزيادة مع الشيخوخة السكانيّة والتضخم، ويشكّل الجزء الأكبر من العجز طويل الأجل. أمّا الإنفاق التقديريّ فهو مُتغير سنويّاً، نصفه تقريباً للدفاع الوطنيّ، ويخضع للمفاوضات السياسيّة. فيما يرتبط حجم نفقات الفوائد على الدين، وهي المكوّن الثالث، بإجماليّ الدين وسعر الفائدة السائد.
نظريّاً، كلّ عجز سنويّ يتم تغطيته بإصدار المزيد من الدين، فتتراكم الديون تدريجيّاً. ويشير معهد بيترسون إلى أنّ «الفجوة الهيكليّة بين العائدات والنفقات هي الدافع الرئيس للعجز المتزايد مستقبلاً». وبسبب ضعف الإيرادات الحاليّة (بنسب ضريبيّة منخفضة) وتصاعد الإنفاق الإلزاميّ، يزداد العجز المستمر وتتنامى حاجة الحكومة للإقتراض لسد الثغرات، ممّا يزيد من عبء الدين العام.
تاريخ نمو الدين القوميّ والعوامل المحفّزة
شهد الدين القوميّ الأميركيّ زيادات حادة مرتبطة بأحداث استثنائيّة وسياسات محدّدة. فقد نمت قيمة الدين بشكل كبير خلال الحروب الكبرى (حرب الولايات المتّحدة مع العراق وأفغانستان بداية الألفيّة)، والأزمة الماليّة العالميّة 2008، وجائحة كوفيد-19.
على سبيل المثال، إزداد الإنفاق الفيدراليّ بنسبة تقارب 50% في عامَيْ 2020–2021 بسبب حزمة التحفيز لمواجهة الجائحة وتداعياتها الاقتصاديّة. كما لعبت سياسات خفض الضرائب (مثل تخفيضات ضريبيّة عام 2017) دوراً في توسيع العجز بالفترة الأخيرة؛ إذ أنّ تمديد التخفيضات الضريبيّة دون تمويل بديل يُنذر بارتفاع إضافيّ في الدين العام المستقبليّ.
ومن العوامل الأخرى زيادة الإنفاق على البرامج الاجتماعيّة والطبيّة مع شيخوخة السكان، إضافة إلى الإنفاق العسكريّ المستمر. بشكل عام، فإنّ أي توسّع في الإنفاق أو تقليص في الإيرادات يؤدّي إلى تفاقم العجز ورفع نسبة الدين. وتذكر المصادر أنّ خفض الضرائب، وبرامج التحفيز، وزيادة الإنفاق الحكوميّ، وانخفاض الإيرادات الناتج عن البطالة هي الأسباب المباشرة للإرتفاعات الأخيرة في الدين القوميّ.
مؤشر الدين إلى الناتج المحليّ الإجماليّ وتوقّعاته حتى العام 2035
تُعتبر نسبة الدين إلى الناتج المحليّ الإجماليّ المؤشّر الأكثر شيوعاً لقياس عبء الدين. حيث تبلغ نسبة الدين الفيدراليّ إلى الناتج في الوقت الحاليّ مستويات قياسيّة. فبحسب بيانات مكتب الميزانيّة الكونغرسيّة، سيصل الدين (حامل الجمهور) قريباً إلى مستوى يُعادل حوالى 100% من الناتج في العام 2025. ثم ستواصل هذه النسبة الإرتفاع بسبب العجز المستمر. وفقًا للتوقّعات الجديدة لمكتب الميزانيّة الكونغرسيّة، فإنّ الدين الفيدراليّ المملوك للجمهور سيرتفع إلى نحو 107% من الناتج بحلول العام 2029، ثم إلى 118% بحلول العام 2035.
كما تُبرز مؤسّسة الميزانيّة المسؤولة هذه التوقّعات: «سيرتفع الدين المملوك للجمهور من نحو 100% من الناتج في العام 2025 إلى 118% بحلول العام 2035». وفي السيناريو المتشائم (بمدّ التخفيضات الضريبيّة)، قد يتجاوز 129% بحلول العام 2035. كما يشير مكتب الميزانية إلى أنّ نسبة الدين قد تصل إلى 156% بحلول العام 2055 في ظل السياسات الحاليّة، أي أعلى بكثير من أعلى مستوى تاريخيّ سابق (120% عام 1946).
بشكل عام، فإنّ المؤشرات الحاليّة تُظهر اتّجاهاً نحو تضخّم مستمر للدين مقارنة بحجم الاقتصاد، ما يزيد من الضغوط الماليّة المستقبليّة. وقد لاحظ الاقتصاديّون أنّه «لا يمكن للأسواق المالية أن تتحمّل أكثر من نحو عشرين سنة إضافيّة من العجز»، ممّا يعني ضرورة اتّخاذ إصلاحات جريئة لتفادي الوصول إلى مستويات دين لا يمكن تمويلها.
تكاليف خدمة الدين والمساحة الماليّة المتناقصة
مع تراكم الدين، تزداد تكلفة خدمته (الفائدة المستحقة). وقد وصلت تكلفة الفوائد الحكوميّة إلى مستويات قياسيّة. إذ بلغ الإنفاق على الفوائد حوالى 3.2% من الناتج المحليّ الإجماليّ في العام 2025، أي أكثر من النفقات على الدفاع أو على برامج الرعاية الصحيّة الكبرى. وتشير توقّعات مكتب الميزانيّة الكونغرسيّة إلى أنّ هذه النسبة ستواصل الإرتفاع إلى 4.1% بحلول العام 2035، وإلى 5.4% بحلول العام 2055. ويعني ذلك أنّ أكثر من 4 تريليونات دولار ستُدفع فائدة سنويّة بحلول منتصف الثلاثينيات، وقد تصل إلى نحو 6 تريليونات بحلول منتصف القرن الحالي.
هذا الإرتفاع المستمرّ في نفقات الفوائد يعني أنّ حصة متزايدة من ميزانيّة الحكومة تُستهلك في خدمة الدين، ممّا يترك مساحة أقل للإنفاق على الإحتياجات الأخرى (برامج اجتماعيّة أو بنية تحتيّة أو مخارج أزمات). وقد حذّرت التقارير من أنّ «ارتفاع مستويات الدين قد يقيّد القدرة على مواجهة الأزمات الطارئة ويزيد من انكشاف الاقتصاد على المخاطر». فمع تضخم الفوائد، يزداد خطر حلقة الدَين حيث تُصبح الفائدة أعلى من نمو الاقتصاد، ما يؤدّي بدوره إلى تفاقم الدين آليّاً.
الموقف الإئتمانيّ والاقتصاد العالميّ
تتمتّع الولايات المتّحدة بمكانة فائقة في أسواق المال العالميّة: فالدولار عملة احتياطيّة، وسندات الخزانة تُعتبر تقليديّاً أبرز أصول الملاذ الآمن. وبفضل ذلك، تمكّنت الحكومات الأميركيّة من تمويل عجز الميزانيّة عبر سنوات طويلة بتكلفة اقتراض منخفضة نسبيّاً. فعلى مدى عقود، كانت سندات الخزانة تُعامل كأقرب مثال على «الأصول الخالية من المخاطر»، ممّا سمح لها بتمويل العجز بسهولة نسبيّة.
إلّا أنّ الثقة الأمريكيّة في السنوات الأخيرة واجهت تحديّات. فكافة وكالات التصنيف الإئتمانيّ الكبرى قلّلت تصنيف الولايات المتّحدة من «AAA» إلى ما دون ذلك: فقد خفضت وكالة فيتش تصنيفها من AAA إلى AA+ في آب 2023 بدعوى «تدهور وضعيّة الماليّة الفيدراليّة والسياسة المتأرجحة حول سقف الدين». وفي آيار 2025 خفّضت موديز التصنيف إلى Aa1 مشيرة إلى زيادة حجم الدين (حوالى 36.2 تريليون) وارتفاع تكاليف الفوائد (وكذلك كانت ستاندرد آند بورز قد خفّضت تصنيفها في العام 2011 إلى AA+). ورغم هذه التخفيضات، تظل السندات الأميركيّة وتجربة الدولار ذات ثقل كبير؛ حيث يؤكّد بعض المحلّلين أنّ «سندات الخزانة الأميركيّة تظل الملاذ الآمن في الأجل المتوسط». ومع ذلك، حذّر آخرون من أنّ «ثقة المستثمرين في السياسات الأمريكيّة آخذة في التآكل مع ارتفاع الدين واضطرابات الميزانيّة، وهو ما يهدّد وضع سندات الخزانة كأصل خالٍ من المخاطر».
السيناريوهات المستقبليّة واحتماليّة التخلّف الماليّ وأدوات السياسة
في ضوء ما سبق، يبرز سؤال مصيريّ: هل يمكن أن تعجز الولايات المتّحدة عن سداد ديونها؟
تاريخياًّ، لم تُعلن الولايات المتّحدة إفلاساً على دينها الداخليّ أو الخارجيّ (عدا تأخير تقنيّ واحد في العام 1979)، ويعود ذلك لامتلاكها عملتها السياديّة (الدولار) وقدرتها على الإقتراض بطابع عالميّ. وحتى في ذروة التوتّرات السياسيّة مثل أزمة سقف الدين 2023، بقي احتمال التخلّف منخفضاً نظراً للثقة العامة بالدولة الأميركيّة. فقد قدّر بنك الإحتياطيّ الفيدراليّ في شيكاغو الإحتماليّة السوقيّة لإخفاق الولايات المتّحدة في الوفاء بديونها بأقلّ من 0.5% قبل الأزمة، ونحو 4% أثناءها، وهي نسبة ضئيلة جداً في سياق تاريخيّ.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل المخاطر تماماً. إنّ استمرار التوسّع في الدين دون إصلاحات قد يؤدّي إلى أزمة ثقة قد تضطّر الحكومة حينها إلى خيارات مؤلمة (خفض مدفوعات أو تأجيلها). لذا يستلزم تجنّب سيناريو الإفلاس الماليّ استخدام أدوات سياسة من بينها:
1- إصلاح الميزانيّة الإتحاديّة: يشمل ذلك مزيجاً من خفض الإنفاق وزيادة الإيرادات. وتؤكد التحليلات أنّه لا خلاص دون خفض جذريّ في الإنفاق وزيادة في الضرائب. فعلى سبيل المثال، خطة سيمبسون-باولز (2010) التي اقترحت خفض مصروفات الدفاع وتقليص برامج الضمان الاجتماعيّ والرعاية الصحيّة (من خلال رفع سن التقاعد أو تقليص بعض الفوائد)، إلى جانب رفع معدلات ضريبيّة وتوسيع القاعدة الضريبيّة. ولو طُبّقت مثل هذه التدابير، كانت ستُعيد توجيه مسار الدين إلى الهبوط.
2- إدارة سقف الدين: كثير من الخبراء يُطالبون بإلغاء سقف الدين أو مرونته لتجنّب أزمات مفاجئة، لأنّ اللجوء المتكرّر إلى هذا الخلاف السياسيّ يزيد من كلفة الإقتراض ويُزعزع الثقة بدون فائدة حقيقيّة على المدى الطويل.
3- تعزيز النمو الاقتصاديّ: إنّ السياسات التي تستهدف زيادة النمو (كالاستثمار في البنية التحتيّة والتعليم والإبتكار) يُمكن أن ترفع الناتج المحليّ الإجماليّ وتُسهم في خفض نسبة الدين إلى الناتج، كما تزيد من الإيرادات الضريبيّة مستقبلاً.
4- السياسة النقديّة وحسم التضخم: في حالات الطوارئ قد تتوسّع الإحتياطات كالاحتياطيّ الفيدراليّ لشراء سندات الحكومة أو تيسير الشروط الماليّة المعروف بـ«التخفيف الكميّ»، ممّا يُخفّض مؤقّتاً كلفة الدين. لكن هذا الخيار يحمل مخاطر التضّخم وتقويض الثقة على المدى البعيد إذا استُخدم بإفراط.
وفي المجمل، يبدو أنّ احتمال إفلاس الولايات المتّحدة بشكل قاطع منخفض في ظل امتلاكها السيطرة على طباعة عملتها والطلب العالميّ على سنداتها. ومع ذلك، فقد حذّر اقتصاديون أنّ «الديون لا تهُمّ حتى تهُمّ»؛ أي أنّ الأيام الآمنة للتمويل الراهن قد لا تدوم إلى الأبد. لذلك، يُجمع معظم الخبراء على ضرورة إجراء إصلاحات هيكليّة عاجلة تُوازن بين خفض العجز وتعزيز النمو لحماية الاقتصاد الأميركيّ من أزمة ديون محتملة في المستقبل.




