
يسود اعتقاد لدى البعض أن الاقتصاد العالمي محكوم بالنمو الذي تضيفه الدول الصناعية المتقدمة الى النمو العالمي والذي يشكل رافعة اقتصادية في هذا الإطار. وفي طليعة تلك الاقتصادات بطبيعة الحال الولايات المتحدة الأمريكية، اليابان وبعض دول الاتحاد الأوروبي.
وفي هذا الصدد، تشير البيانات الصادرة عن صندوق النقد الدولي (تقرير: آفاق الاقتصاد العلمي لشهر يناير 2026) بأن النمو العالمي خلال عام 2025 بلغ 3.3% ومن المتوقع استمراره عند هذا المستوى خلال العام الجاري 2026. في حين تشير البيانات عينها بأن نمو اقتصادات الدول المتقدمة هو عند 1.7% و1.8% للعامين المذكورين على التوالي. أما الدول النامية فقد بلغ النمو الاقتصادي لديها نحو 4.4% خلال عام 2025 ومن المتوقع أن تحقق 4.2% خلال عام 2026. ومن الملاحظ بأن النمو لدى الدول النامية يتخطى المتوسط العالمي للنمو، كما أنه من الملاحظ أيضاً عدم اقتصار تلك الظاهرة على السنتين الماضية والحالية، ولكن هذا التفوق في نمو الدول النامية على الدول الصناعية يمتد لسلسلة طويلة من السنوات كما هو مبين في الرسم البياني (الدول النامية الخط الأعلى، ثم الاقتصاد العالمي، ثم الدول المتقدمة الخط الأدنى).
ومن أبرز الدول التي شكلت رافعة لنمو اقتصادات الدول النامية خلال عام 2025 الصين (5.0%)، الهند (7.3%)، البرازيل (2.5%)، المملكة العربية السعودية (4.3%)، نيجيريا (4.2%) وغيرها. وعليه، تقود الصين النمو العالمي بمساهمة تبلغ 26.6%، بينما تساهم الهند بنسبة 17%، مما يرسخ مكانتهما كأهم محركات الاقتصاد الآسيوي والعالمي، وسط تحول في مركز الثقل الاقتصادي نحو الأسواق الناشئة. وبالتالي، تتجاوز المساهمة المشتركة للصين والهند (43.6%) بشكل كبير مساهمة الولايات المتحدة (9.9%) والاتحاد الأوروبي (9.5%)، ما يبرز تحول الزخم الاقتصادي الى الدول النامية واقتصادات الأسواق الناشئة.

وهذا ما كانت قد اشارت اليه مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا، في مؤتمر العلا بتاريخ 8 فبراير2026 لاقتصادات الأسواق الناشئة، في المملكة العربية السعودية، بأن معدلات النمو في الأسواق الناشئة – التي بلغت أكثر من 4% هذا العام – قد تجاوزت بفارق كبير معدلات النمو في الاقتصادات المتقدمة، والتي بلغت حوالي 1.8%. وتستمر حصتهم في الاقتصاد العالمي بالارتفاع، حيث تضاعفت منذ عام 2000 لتتجاوز 56%.
وأضافت بأن ثمة الكثير مما يدعو للتفاؤل، حيث تُظهر أبحاث الصندوق أن الأسواق الناشئة تتمتع ببنوك مركزية أكثر استقلالية، وأهداف تضخم أكثر وضوحاً، واعتماد أقل على التدخل في سوق الصرف الأجنبي لامتصاص الصدمات. وعلى الصعيد المالي، تتبنى المزيد من الاقتصادات الناشئة قواعد مالية تُساعد على ترسيخ الانضباط المالي.
وفي هذا الصدد، تقود الأسواق الناشئة الطريق؛ فمن دول مجلس التعاون الخليجي، إلى رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، إلى منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، إلى السوق المشتركة الجنوبية (ميركوسور)، ويمكن أن يساعد خفض الحواجز وتعميق التكامل في الحفاظ على التجارة كمحرك للنمو الاقتصادي لتلك الدول وللاقتصاد العالمي.
وفي التعريف أو التفسير الاقتصادي، فإن معدلات النمو في الأسواق الناشئة تنمو بوتيرة أسرع من الاقتصادات المتقدمة لأنها لا تزال في مرحلة مبكرة من التطور الاقتصادي، مما يمنحها مزايا هيكلية تسمح بتوسع أسرع. وهناك بعض الأسباب الرئيسية منها على سبيل المثال لا الحصر، ما يسمى بنظرية التقارب، أي تأثير اللحاق بالركب، حيث يمكن للاقتصادات الناشئة أن تنمو بسرعة من خلال تبني التقنيات ونماذج الأعمال والمؤسسات الموجودة بالفعل في الاقتصادات المتقدمة، وذلك بدلاً من اختراع تقنيات جديدة (كما يحدث في الولايات المتحدة أو ألمانيا)، يمكنها استيرادها وتطبيقها. وهذا بطبيعة الحال يقلل التكاليف ويُسرّع مكاسب الإنتاجية وخير مثال على ذلك هو التصنيع السريع في الصين والهند.
يضاف الى ذلك عامل المزايا الديموغرافية، إذ تتميز العديد من الأسواق الناشئة بأن معظم السكان هم شباب وذو أعمار صغيرة، ولديها قوة عاملة متنامية وتتسم بتسارع التحضر، بينما تعاني بعض الاقتصادات المتقدمة مثل اليابان وبعض الدول الاوروبية من شيخوخة السكان، مما يبطئ النمو. كما أن الأسواق الناشئة غالبًا ما تنفق من موازناتها أو بمساعدات من مؤسسات وبنوك دولية على الانفاق الرأسمالي، حيث يتوجه قسم من تلك الموازانات للاستثمار بكثافة في البنية التحتية، في بناء مصانع ومدن جديدة وفي توسّعة أنظمة التعليم، وهذا يكون عادة له تأثير مضاعف على الاقتصاد. ولأن رأس المال لكل عامل منخفض نسبيًا في البداية، فإن كل استثمار جديد يحقق مكاسب إنتاجية كبيرة.
إضافة الى ذلك، يلعب التحول الهيكلي في الاقتصادات الناشئة دوراً هاماً وذلك من خلال انتقال العمالة من القطاع الأولي – أي قطاع الزراعة – وهو القطاع الذي يتسم بانخفاض الإنتاجية، الى القطاع الثاني والثالث – وهي التصنيع والخدمات – وهي القطاعات الأعلى إنتاجية مما يزيد الناتج لكل عامل بشكل كبير وينعكس على النمو الاقتصادي.
كما أن تحرير الأسواق من خلال إلغاء القيود التنظيمية والانفتاح على التجارة وخصخصة الشركات المملوكة للدولة يدفع الى مزيد من النمو، حيث تتجه الاستثمارات الأجنبية المباشرة نحو الأسواق الناشئة بحثًا عن عوائد أعلى، إذ يحقق رأس المال عوائد أعلى في الأماكن التي يكون فيها نادرًا، وهو ما يُسمى ارتفاع العوائد الحدّية على الاستثمار. وغالبًا ما تؤدي أيضاً الإصلاحات الهيكلية في اقتصادات الأسواق الناشئة إلى فترات نمو سريعة.
ولكن غالباً ما يكون هذا النمو المرتفع في الأسواق الناشئة مصحوباً بتقلبات أكبر، مخاطر سياسية وأزمات داخلية، مخاطر تقلبات العملة، وهشاشة الديون. كما أن النمو السريع لا يعني بالضرورة انخفاض في المخاطر.
هذا في حين أن الاقتصادات المتقدمة تنمو بوتيرة أبطأ. فالاقتصادات المتقدمة تعمل بالفعل عند حدود التكنولوجيا المتاحة، تمتلك رأس مال مرتفع لكل عامل، تشهد نموًا سكانيًا بطيئًا، وتعتمد على الابتكار أكثر من التوسع. فالنمو القائم على الابتكار (مثل الذكاء الاصطناعي أو التكنولوجيا الحيوية أو الطاقة الخضراء) قوي، لكنه عادةً أبطأ وأكثر تدريجية من نمو اللحاق بالركب.




