
تُشكّل موازنة عام 2026 محطة مفصليّة في مسار الماليّة العامة اللبنانيّة، ليس فقط لكونها استحقاقاً دستوريّاً متأخّراً، بل لأنّها تعكس بوضوح عمق التداخل بين الإختلالات الماليّة والبنيويّة من جهة، والإنقسامات السياسيّة الحادة من جهة أخرى. فالموازنة، كما بدت في أيام مناقشتها النيابيّة، تجاوزت كونها أداة لإدارة الموارد العامة، لتتحوّل إلى مرآة شاملة لأزمة نظام اقتصاديّ-سياسيّ لم ينجح بعد في إنتاج مقاربة إصلاحيّة متماسكة.
من الناحية الشكليّة، يُفترض أن تشكّل الموازنة تعبيراً رقميّاً عن رؤية الحكومة الاقتصاديّة والاجتماعيّة، وأن تُترجم أولويات واضحة على مستوى الإنفاق، الاستثمار، العدالة الضريبيّة، وضبط العجز. إلّا أنّ تقرير لجنة المال والموازنة كشف بوضوح غياب هذه الرؤية، سواء لناحية تدنيّ النفقات الاستثماريّة، أو لناحية اعتماد مقاربة تجزيئيّة في إدارة الإعتمادات، وصلت إلى حد إرجاء تمويل قوانين برامج بقيمة تفوق 772 مليار ليرة لبنانيّة، ما يعكس إدارة قصيرة الأجل للماليّة العامة أقرب إلى “ترقيع” الأزمة منها إلى معالجتها.
أمّا على صعيد الواردات، فإنّ تقدير الحكومة لإيرادات تُقارب 5.5 مليارات دولار يطرح إشكاليّات جديّة حول واقعيّة الفرضيّات المعتمدة، في اقتصاد لا يزال يُعاني إنكماشاً هيكليّاً، وضعفاً في التحصيل، وتراجعاً في الثقة. ويزداد هذا القلق في ظل غياب الشفافيّة حول إيرادات السنوات السابقة، ما يقوّض أي محاولة لبناء سياسة ماليّة قائمة على معطيات دقيقة وقابلة للتحقّق.
إشكاليّة أخرى جوهريّة تتّصل بالشق الدستوريّ والمؤسساتيّ، حيث أُقّرت الموازنة مجدّداً من دون إقرار قطع حساب، في مخالفة صريحة للمادة 87 من الدستور اللبنانيّ. هذا الخلل لا يقتصر على بُعد قانونيّ، بل يضرب في الصميم مبدأ المُساءلة الماليّة، ويحوّل الموازنة إلى أداة إنفاق غير مرتبطة بسلسلة محاسبيّة مكتملة، ما يُضعف صدقيّتها داخليّاً وخارجيّاً، ويعقّد أي مسار تفاوضيّ مع الجهات الدوليّة.
وفي البعد الاجتماعيّ، برزت الموازنة كوثيقة عاجزة عن الإستجابة للتدهور الحاد في القدرة الشرائيّة، لا سيّما لدى العاملين في القطاع العام والمتقاعدين.
فغياب معالجة جديّة لملف الأجور والتقاعد، مقابل التركيز على ضرائب ورسوم تطال شرائح واسعة من المواطنين، يعكس انحيازاً نحو الجباية السهلة بدل الإصلاح الهيكليّ، ويُهدّد بمزيد من التآكل في العقد الاجتماعيّ بين الدولة ومواطنيها.
غير أنّ الأبرز في مناقشات الموازنة كان الإنزلاق الواسع للنقاش من الحيّز الماليّ-التقنيّ إلى الحيّز السياسيّ-السياديّ. فقد تصدّر ملف السلاح، والسيادة، والعلاقات الإقليميّة، مداخلات عدد كبير من النواب، ما يعكس واقعاً مفاده أنّ المالية العامة لم تعد قابلة للفصل عن سؤال الدولة ووحدانيّة القرار. هذا التداخل، وإن كان يُعبّر عن واقع سياسيّ قائم، إلّا أنّه يؤشّر إلى عجز بنيويّ عن إنتاج موازنة كأداة سياسات عامة مستقلّة نسبيّاً عن الصراعات الكبرى.
خلاصة القول، إنّ موازنة 2026، بصيغته الحاليّة، يبدو موازنة لإدارة الأزمة لا للخروج منها. فهي تفتقر إلى رؤية اقتصاديّة شاملة، وتغيب عنها الإصلاحات البنيويّة، وتُقر في بيئة سياسيّة مشحونة تُضعف التركيز على جوهرها الماليّ. وفي ظل هذا الواقع، تبقى الموازنة تعبيراً رقميّاً عن مأزق أعمق: دولة عاجزة عن توحيد أولويّاتها، واقتصاد معلّق بين الإنهيار والإنتظار، ونظام سياسيّ يؤجّل الحلول بدل أن يُنتجها.
في ضوء ما تقدّم، لا يُمكن لأيّ مقاربة ماليّة أن تدّعي الجديّة أو الإستدامة ما لم تُضع مسألة رواتب العاملين في القطاع العام في صلب أولويّاتها. فرفع رواتب الأساتذة والقضاة والعسكريّين وموظفي الإدارات العامة والمساعدين القضائيّين لم يعد مطلباً فَئوياً أو إجراءً ظرفيّاً، بل شرطاً بنيويّاً لإعادة انتظام عمل الدولة نفسها. إنّ التآكُل الحاد في الأجور أفقد هذه الفئات قُدرتها على العيش الكريم، وهدّد فعليّاً استمراريّة المرافق العامة، من التربية والقضاء إلى الأمن والإدارة.
وعليه، فإنّ أيّ موازنة لا تُعالج هذا الخلل من خلال سياسة أجور عادلة، واضحة التمويل، ومقترنة بإصلاح إداريّ حقيقيّ، تبقى موازنة قاصرة، تُراكم الأزمة بدل أن تُؤسّس لحد أدنى من التعافي المؤسّسيّ والماليّ، وتُبقي الدولة في حالة عجز مزمن عن القيام بوظائفها الأساسيّة.




