اجتماعالاحدث

الإصغاء علمٌ و فنّ و حاجة | بقلم الأب ألبر حبيب عسّاف

منذ اللحظة الأولى لوجوده، لم يُخلق الإنسان في عزلة. فالله، كما يروي سفر التكوين، «رأى أنّه ليس حسنًا أن يكون آدم وحده». ليست هذه الجملة توصيفًا لحالة اجتماعية فقط، بل إعلانًا لجوهر الكائن البشري: الإنسان كائنٌ مُحتاج إلى الآخر، لا اكتمال لوجوده إلا بعبور الصوت إلى قلبه، ولا معنى لوجوده إن لم يدخل في علاقة. إنه كائن علائقي وإجتماعي. هنا يكمن سرّ الإصغاء؛ ذاك الفعل البسيط الذي يحمل قوة تكوين العالم من جديد.

 

ليس الإصغاء إذًا مجاملة ولا لفتة لطيفة. إنّه علم قائم بذاته، له قواعد وجدليّات وتطبيقات، يتكامل فيه البعد النفسي مع البعد الاجتماعي، ويُسهم في تحويل العلاقات من مساحات صراع إلى مساحات لقاء. ولعلّ ما يميّز هذه “المعرفة” هو أنها تُمارَس قبل أن تُدرَّس، وتُلمَس قبل أن تُكتب. الإقبال اليوم على مدارس الإصغاء، مثل مقاربة lien systémique في المواكبة والعلاج، هو تعبير عن إدراك معاصر بأنّ الإنسان المتعثّر في عالم سريع التغيير يحتاج إلى من “يقرأه”، لا من يحكم عليه؛ وإلى من “يتلقّاه”، لا من يلقّنه. فالإصغاء بحسب هذه المقاربة ليس تلقيًا سلبياً، بل دخولاً في منظومة الروابط التي تشكّل الشخص والجماعة، والسير معه في تفكيكها وإعادة بنائها.

 

في العمق، يبدو الإصغاء كأنّه حركة مزدوجة: انفتاح نحو الخارج، وعودة نحو الداخل. من الخارج، إذ يستقبل الإنسانُ الروايةَ التي يحملها الآخر بكل ما فيها من ألم وتردّد وتشظّي. ومن الداخل، إذ يسمح الإنسان لصدى هذا اللقاء بأن يهزّ شيئًا من ثباته، فيتغيّر. وهنا تكمُن صعوبة الإصغاء الحقيقية: أن نسمح للآخر بأن يبدّل فينا نقطة ما، مهما كانت صغيرة. فالذي لا يستعدّ ليُصغي، لا يستعدّ ليتغيّر.

 

وهذا يفتح الباب على بعد آخر أكثر حساسية: تأثير الإصغاء على الجماعات والمجتمعات. فالعائلة ـ وهي الخلية الأولى للمجتمع ـ تتداعى حين يغيب الإصغاء، ويقسو بها الزمن حين يتحوّل الوالد أو الشريك أو الابن إلى صدى غير مسموع. كلّ أزمة عائلية، في العمق، تحمل بين طيّاتها أزمة إصغاء. وحين تنتقل هذه “الأزمة الصغيرة” إلى فضاء أكبر، نجد انعكاساتها في الجماعات المهنية والرعوية والمكرسة والمدنية، حيث يصبح الاختلاف تهديدًا، والصوت العالي بديلاً عن الحضور، والنقاش صراعًا بدل أن يكون جسرًا. ومن هنا نفهم لماذا تُعدّ ثقافة الإصغاء ركنًا أساسيًا في نجاح المجتمعات الحديثة: فهي ليست تمرينًا أخلاقيًا بل شرطًا ديموقراطيًا يسمح للناس بأن يروا بعضهم البعض قبل أن يتجادلوا.

 

في السياق الاجتماعي الأوسع، تظهر قوة الإصغاء في إعادة صياغة العلاقة بين الفرد والجماعة. فالعلاقات ليست مجرّد عقد شفهيّ أو قانوني؛ إنها نسيج من الاعتراف المتبادل. والإصغاء هو الخيط الذي يشدّ هذا النسيج من دون أن يقطعه. حين تُصغي الجماعة إلى هواجس أفرادها، تتحوّل من “بنية صمّاء” إلى كيان حيّ. وحين يُصغي المجتمع إلى المهمّشين، تبدأ العدالة بالتحقّق قبل أن تُدوَّن في أقوال السياسيين. إنّ الإصغاء، بهذا المعنى، ليس فقط فضيلة اجتماعية؛ هو فعل مقاومة ضد اللامبالاة واللاعدالة والازدراء، وضد تحويل الإنسان إلى رقم أو وسيلة أو مادة للتصنيف و ربما للمتاجرة.

 

ولعلّ ما يجعل الإصغاء عنصرًا ثوريًا في عالم اليوم هو أنّه يُعيد الإنسان إلى إنسانيته الأولى. فالمجتمع الحديث، رغم كثرة تواصله، يعيش في عزلة صامتة. نسمع الضجيج، لكنّنا لا نسمع بعضنا. نقرأ الكلمات، لكننا لا نقرأ النفوس. وفي هذا الفراغ، تصبح المعرفة العلمية حول آليات الإصغاء ضرورة لا كمالًا: آليات فهم السرديات، التقاط الإشارات غير اللفظية والإصغاء الحيادي والإصغاء العلاجي والإصغاء التفاعلي والإصغاء البنيوي… كلّها أدوات تُساعد الإنسان على العودة إلى أصله: كائنًا ينفتح ليحيا، ويصغي ليُحبّ.

ففي وجداني وإيماني، يتخذ الإصغاء بُعدًا أعمق: هو مشاركة في فعل الله نفسه. فالله، منذ بداية التاريخ، هو الإله الذي يُصغي: «سمع الربّ أنينهم»، «سمع صراخك»، «أصغى إلى صوتك». لا يبدأ الخلاص بالكلمة، بل بالإنصات. ولأنّ الله أصغى إلينا أولاً، صار الإصغاء فعلًا يشارك فيه الإنسان في مشروع الخلق من جديد.

 

العائلة تنجو بالإصغاء. والجماعة ـ أكانت رهبانية أم رعوية أم مهنية أم أهلية ـ تُولد حين يصغي أفرادها إلى نفوس بعضهم البعض. والمجتمع نفسه لا يصبح مجتمعًا إلا عندما يُصغي إلى أضعف أعضائه. فالإصغاء يعيد القدسية إلى العلاقات، والقيمة إلى الإنسان، لأنّه يمنح الآخر اعترافًا بوجوده، وهذا أسمى أشكال المحبة.

 

وفي عالمٍ يزداد صخبًا وتفكّكًا، يصبح الإصغاء مقاومة روحية، وفعل رجاء. فحين نصغي إلى بعضنا، نصير أقلّ انعزالا وتقوقعا وأكثر انفتاحا وإنسانية. وحين تُصغي الجماعات إلى بعضها، يتحوّل الاختلاف من تهديد إلى نعمة. وحين تتدرّب المجتمعات على الإصغاء، يصبح الحوار ممكنًا، وتصبح الديمقراطية حياة مشتركة لا مجرّد آلية.

 

وهكذا، يستعيد الإصغاء مكانته الأولى، أي إلى دوره كدعوة “لاهوتية” تجعل الإنسان شريكًا في عمل الله، وتعيد للجماعات هويتها، وللمجتمع روحه، وللكنيسة رونقها. وفي النهاية، لعلّ الإصغاء هو الطريق الأكثر بساطة وعمقًا ليُسمِع الإنسانُ صوتَه لله كما يسمعه الله منذ البدء.

الأب ألبر حبيب عسّاف

كاهن ماروني، حائز على بكالوريوس في الفلسفة وبكالوريوس في اللاهوت ودكتوراه في القانون الكنسي والمدني من جامعة اللاتران الحبرية في روما. شغل سابقًا مهامًا أكاديمية وقضائية وثقافية متعددة، منها التدريس في الجامعة اليسوعية في مواد قانون العمل وعلوم الأحياء الحيوي، والتدريس في الجامعة الأنطونية في مادة القانون الكنسي، كما تولّى منصب قاضٍ في المحاكم الكاثوليكية في لبنان. وهو مؤسس فرع الشوف لجامعة سيدة اللويزة، وعمل سابقًا في إذاعة الفاتيكان، إلى جانب خبراته الواسعة في الأعمال الرسولية والرعوية في أوروبا وعدد من البلدان العربية. ويتقن عدة لغات حديثة تشمل الألمانية والإنكليزية والفرنسية والإيطالية، إضافة إلى اللغات القديمة مثل السريانية واللاتينية واليونانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى