إمّا أنْ تكـون دولة يحكمُها الدستور أو مـزرعة تتناتشها المصالح ؟! | بقلم بسام ن ضو

يؤكد علم السياسة على أنّ الأنظمة الديمقراطية السليمة تستنِدْ إلى موجبات أساسية تضمن سيادتها الكاملة على أرضها وسيادتها المطلقة القانونية على شعبها ، ومن أبرز هذه الموجبات : المحافظة على وحـدة الأراضي المشمولة بالدستور وعلى النظام الإنتخابي الدوري الديمقراطي السليم الغير مُشوّهْ ، والتعددية السياسية المُشار إليها في العهـد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والبرتوكولات الإختيارية تحت مُسمّى الشرعة الدولية لحقوق الإنسان International Bill Rights ، إضافةً للولاء المُطلق للدولة ضمن الأطر القانونية والدستورية .
في النظام السياسي الديمقراطي وكالنظام السياسي اللبناني المُعتبر وفقًا للدستور واجب هذا النظام إعتماد الشفافية قــدر الإمكان ، أي أن يكون هناك منقاشات وقرارات من المفترض تغليفها بمراقبة شعبية مع واجب أن تكون كل تصرفات النظام علنيّة ، فاللرأي العام الحق في معرفة كيف تُصان السيادة الوطنية ، وكيف تتم المحافظة على المؤسسات الدستورية الشرعية المدنية والعسكرية ، وعلى كيفية صرف أمـوال المُكلّفين التي تُجبى من الرأي العام وأموال الوردات والثروات الطبيعية وما إذا كان النظام السياسي يتصرف بمسؤولية تجاه ذلك . ( للمقارنة يُشار إلى الإنتهاكات التالية : السيادة المنتقصة – الميليشيا التي تتحكّم بالدولة – الأملاك العامة [ الأملاك البحرية ] – هـدر المال العام – تزوير الإرادة الشعبية …)
الدولة اللبنانية في ظاهرها الحالي ماضيًا وحاضرًا لا يحكمها القانون والدستور وعمليًا تقتحمها الفوضى وكل خارج عن القانون . لقد صيغ الدستور اللبناني لحماية الدولة اللبنانية بكل مؤسساتها الشرعية من هيمنة كل متطاول عليها من الداخل والخارج ، وعلى ما يبدو قَـبِـلَ من مارسوا النظام فكرة تجاوز القانون ومنحــوا دولة إقليمية تصريحًا مفتوحًا ( البيانات الوزارية [ جيش شعب مقاومة])، بحجة “محاربة العدو الإسرائيلي” وحصل ما حصل من تجاوزات غضّ النظر عنها الداخل والخارج … وهنا يكمن السؤال : من الذي قرّرَ بالإنابة عن الشعب اللبناني هذه المنظومة ؟ حتما الجواب : قوة سياسية غير شرعية أتت بفعل التزوير الفاضح لقوانين الإنتخاب فتكت بالسيادة وبحقوق اللبنانيين ، وهذا الأمر يُعرف ب”قانون المصالح الخاصة وشريعة الغاب “.
إنّ ما حصل في لبنان وخاصة في هذه المرحلة جرائم خطيرة وكبيرة يجِبْ أنْ تُحاسب عليها الأنظمة التي قامت منذ إقرار وثيقة الوفاق الوطني ولغاية تاريخه ، وهذه المحاسبة يجب أن تكون على عاتق الشعب الذي يملك الحق المطلق في ذلك لأنه صاحب السيادة ويُمارسها عبر المؤسسات الشرعية الدستورية . إنّ المحافظة على الدستور والمؤسسات الرسمية هو الدرع الوحيد الذي يحمي الوطن كي لا تتحوّل الدولة اللبنانية إلى ساحات في صراع الكبار وهذا الأمر حاصل اليوم للأسف والمبدأ الدستوري لا يمكن تجزأته أو التحايل عليه : إمّا دولة يحكمها الدستور أو مزرعة تتناتشها المصالح .
فعليًا اليوم نظام سياسي يُساوم على القانون وهو عمليًا نظام إستبدادي طائفي يُغلِّب المصالح السياسية يحمل تسويات على سيادة القانون ويتسِّم بالمحاصصة وغياب الإستقلالية الفكرية ، وضرب القضاء ، وإستنسابية تطبيق القوانين … كل هذا الأداء جعل العمل السياسي مرضًا مزمنًا بحسب أسبابه العميقة وجذوره الضاربة في عمق الحياة السياسة اللبنانية بما يكفي من الوضوح والشفافية ، للتذكير ( قوانين إنتخاب تُشرّع على قياس الطبقة السياسية الحاكمة المتخاصمة وجاهيًا والمتضامنة فعليًا مع بعضها البعض على حساب بقائها بهدف إستغلال السلطة – نتائج الإنتخابات على أساس القوانين المعمول بها – الأداء التشريعي السيء …).
الدولة اللبنانية تُعاني من إستمرارية نظام سياسي يفشل في ضبط الحركات المتطرفة ، وسبب هذا الأمر ضعف هيكلي في بُناه الوظيفية المدنية والعسكرية ، ممّا جعل المتطرفين شركاء في إدارة الصراع بدلاً من كبحهم . وهذا ما يجعل كل مراكز
الأبحاث الإستنتاج أنّ النظام السياسي اللبناني كرّس منظومة التطرف المتمثلة بميليشيا تأتمر بالخارج بوعي وتخطيط مُسبق على ما تمّت الإشارة إليه أعلاه . ومن خلال الأبحاث التي أجريتْ في مركز PEAC البحثي تبيّن أنه لا مجال لنقض هذه المقولة إلا بأن يكون هناك سياسة صارمة من قبل نظام سياسي ديمقراطي قوي في إدارة سياسة حازمة في ملاحقة كل متطرف أو ميليشيا ومواجهتها ذلك أنها قوى خارجة عن القانون والدستور وتختلف معها في الفهم والتطبيق .
إمّا أنْ تكــون دولة يحكمها الدستور أو مزرعة تتناتشها المصالح ،للأسف كمركز أبحاث PEAC ، لاحظنا أنّ النظام السياسي تخلّى عن وظيفته الدفاعية نتيجة التدخلات الخارجية ، وبالتالي النظرية أصبحت مؤكدة “تأثيرات إقليمية دولية وإنعكاستها السلبية على الداخل اللبناني ” . فعلاً الدولة في مأزق بسبب أدائها الذي يُكرِّسْ ترسيخ عرف سياسي ميليشياوي أصبح بمثابة أمـر واقع رديف غايته ترسيخ قواعد لعبة تعكس موازين القوى وسلطة الأمر الواقع .




