ازمة لبنانالاحدث

بين لبنان والفاتيكان: «رجاء جديد»؟ | بقلم الأب ألبر حبيب عسّاف

كلما سمع اللبنانيون بوصول “بابا” لزيارة لبنان، كلما كثُرت التساؤلات من جهة وانتعشت الانتظارات من جهة أخرى، وكأنه يملك عصا سحرية يغيير فيها أحوالهم ويمنحهم ما يرغبون محققا الأحلام!
زيارة البابا لاوون الرابع عشر تحمل إلينا ذكريات زيارة قداسة البابا بنديكتوس وقداسة البابا القديس يوحنا بولس الثاني الذي تدخل مباشرة بالقضية اللبنانية و”حروبها” وجيّش العالم الكاثوليكي للصلاة والدعم من خلال كل ما استطاع حتى أصدر الإرشاد الرسولي الشهير بعد استعدادات على مستوى أساقفة الكنيسة المحلية والجامعة.
وعندما أصدر البابا القدّيس يوحنا بولس الثاني في العاشر من أيّار عام 1997 الإرشاد الرسولي «رجاء جديد للبنان»، كان يُدرك أنّ لبنان يقف عند مفترقٍ مصيريّ: إمّا أن يكون نموذجًا للعيش المشترك، أو أن يغرق مجدّدًا في دوّامة الانقسام والارتهان.
أراد البابا يومها أن يمنح اللبنانيين وثيقة نهضةٍ وطنية تربط الإيمان بالفعل، والرجاء بالمسؤوليّة، والروح بالكيان.
وهذا المشهد يتكرّر اليوم، فيما مخاض ولادةٍ جديدة يطول ولبنان ينزف.
لكنّ ما بدا آنذاك مشروعَ خلاصٍ تعثّر في التطبيق لأسبابٍ متشابكة، سياسيّة وطائفية وإقليميّة وثقافيّة–روحيّة، جعلت من «الرجاء الجديد» صرخةً جميلةً في صحراء واقعٍ مأزوم. ومع الأسف، نجد أنّ هذه الأسباب لا تزال كما هي، بلا تغييرٍ يُذكر.
فالدولة غائبة أو مستضعفة، والوصاية تغيّر اسمها ولكنها حاضرة، والناس بين رجاءٍ خافتٍ وخوفٍ متجدد.
خرج لبنان من حربٍ مدمّرة إلى نظامٍ هشٍّ تحت وصايةٍ مفروضة. كان القرار اللبناني آنذاك أسيرَ المعادلات الإقليمية، فيما استُبدلت فكرة الدولة بفكرة السلطة، والمؤسسات بشبكات النفوذ.
تكلّم الإرشاد عن «سيادةٍ حقيقية وحريةٍ مسؤولة»، لكنّ السيادة بقيت شعارًا بلا مضمون. ازدهر الفساد في ظلّ منطق المحاصصة، واستُهلكت فكرة الوطن في لعبة الزعامات. وهكذا اصطدم «الرجاء الجديد» بجدار السياسة المصلحية، وغاب عنه الحدّ الأدنى من الإرادة الوطنية التي كان يُعوّل عليها الإرشاد لتكون رافعة النهضة.
وما العثرة الطائفية إلا الوجه الآخر لتعطيل النهوض، فكان الوطن بلا مصالحة.
لم تكن الحرب اللبنانية حدثًا عابرًا في التاريخ، بل جرحًا لم يلتئم. دعا يوحنا بولس الثاني إلى أن يعيش اللبنانيون «الحرية في إطار الوحدة»، لكنّ الحرية بقيت مطلب كلّ فريق، والوحدة مطلب الجميع نظريًا فقط.
غابت المصالحة الحقيقية لتحلّ محلّها هدنة هشّة. بقيت الذاكرة الجماعية منقسمة، والمواطنة مشروطة بالانتماء الطائفي، والمصلحة العامة أسيرة الولاءات الصغيرة.
ومع تفاقم الهجرة، خصوصًا في صفوف الشباب والمسيحيين، تراجعت فكرة «لبنان الرسالة» أمام واقع «لبنان البقاء»، وانكمش الحلم في حدود الضرورة اليومية وصراع نوعية الوجود.
أما العثرة الإقليمية المتكرّرة، فتبقى جرحًا مفتوحًا في خاصرة لبنان الرسالة.
فمنذ صدور الإرشاد، لم يُتح للبنان أن يلتقط أنفاسه في محيطٍ متقلّب.
توالت الصراعات من النزاع العربي–الإسرائيلي إلى حروب العراق وسوريا، وصولًا إلى حرب غزّة الراهنة وما رافقها من “إسنادٍ”واصطفافاتٍ ونتائج مؤلمة. ومعها تغيّرت موازين القوى في المنطقة.
كان لبنان في قلب الأحداث، لا طرفًا فاعلًا فيها، وسرعان ما تحوّل من مساحة حوارٍ إلى ساحة صراعٍ بالوكالة.
الانقسام حول مفهوم السيادة وسلاح المقاومة أعاد رسم خطوط التباين الداخلي، وأدخل البلد في دوّامة اصطفافاتٍ لا نهاية لها، تاهت فيها المصلحة الوطنية بين الشعارات والتجاذبات.
لم يكن «الرجاء الجديد» مجرّد نصٍّ ديني، بل رؤية لدولةٍ سيّدة في محيطٍ متوتر، لكنّ هذه الرؤية ظلّت أسيرة التجاذبات الخارجية التي فرّغت السياسة من مضمونها الوطني.
على أن العثرة الأعمق ليست سياسية ولا طائفية -وحسب-، بل روحية قبل كل شيء.
فأيّ إصلاحٍ سياسيّ لا يمكن أن يصمد ما لم يبدأ من داخل الإنسان.
لقد أراد الإرشاد أن يُطلق نهضةً روحية تعيد إلى اللبنانيين ثقتهم بذواتهم وبقدرتهم على تجاوز الماضي.
غير أنّ التعب الوطنيّ، والخيبات المتراكمة، وضعف الإيمان بالسياسة، جعلت المجتمع يختار الانكفاء بدل المبادرة، والتكيّف بدل المواجهة.
تراجعت روح الالتزام والمسؤولية، وتراجع معها الحلم الجماعي بلبنان الرسالة. صارت الكنيسة صوتًا في برّية الشكّ، والمجتمع أسير البحث عن خلاصٍ فرديّ بدل الرجاء الجماعيّ الذي بشّر به البابا.
إذا نظرنا إلى هذه العثرات الأربع كعوامل متفرّقة، نُخطئ الفهم.
فالسياسة والطائفة والمنطقة والروح ليست جزرًا معزولة، بل أجزاء من منظومةٍ واحدة.
العجز السياسيّ غذّى الانقسام الطائفيّ، والانقسام جعل لبنان ساحةً لصراعات الآخرين، فيما عمّق الانهيار الروحيّ فقدان الثقة بين المواطن والدولة وبين المؤمن والكنيسة.
إنّها حلقة مغلقة لا يكسرها إلا وعيٌ جديد، يتجاوز الطائفة إلى الوطن والمواطنة، والسياسة إلى الضمير والأداء الفعال والصحيح.
إنّ قراءة الإرشاد بعين الضمير الوطني، كما دعا إليها البابا، لا تُقاس بالنيات بل بالقدرة على تحويل المبادئ إلى خياراتٍ ملموسة.
الضمير هنا ليس وعظًا ولا تجريدًا مطلقًا، بل بوصلة.
هو الذي يحدّد اتجاه القرار السياسي، ويعيد إلى المواطن معنى الانتماء.
فعندما يُستعاد الضمير في الحكم، تُستعاد الدولة،
وعندما يُستعاد الضمير في المجتمع، تُستعاد الثقة،
وعندما يُستعاد الضمير في الكنيسة، تُستعاد الرسالة.
بهذا المعنى، يصبح الإرشاد مشروعًا حيًّا لا وثيقةً من الماضي، لأنّ النهضة التي بشّر بها تبدأ من مسؤولية الإنسان، لا من خطب القادة.
لقد أراد يوحنا بولس الثاني أن يعيد إلى لبنان معناه قبل دوره، وأن يذكّر أبناءه بأنّ الرجاء ليس وعدًا سماويًا فحسب، بل مسؤولية أرضيّة أيضًا.
غير أنّ هذا الرجاء تعثّر لأنّ اللبناني لم يجدّد ذاته:
فالسياسيّ لم يتحرّر من نرجسيّة السلطة،
والمواطن لم يتحرّر من خوف الطائفة،
والكنيسة لم تُترجم تمامًا نبوءة البابا إلى نهجٍ وطنيٍّ وجوديٍّ دائم.
واليوم، بين الفاتيكان ولبنان، يعود السؤال نفسه بصيغةٍ جديدة على مسامع البابا لاوون الرابع عشر:
هل يمكن لرجاءٍ آخر أن يولد من بين الركام،
أم أنّنا ما زلنا نبحث عن وطنٍ يتذكّر ذاته قبل أن يطالب العالم بتذكّره؟
وبين السؤال والجواب،
يبقى «رجاء جديد للبنان» وثيقةً مفتوحة على التاريخ،
تنتظر من يقرأها لا بالحبر، بل بالضمير،
ومن يكتب فصولها الجديدة بأفعال الصدق والمسؤولية والحرية والشفافية والمصالحة والإيمان.

الأب ألبر حبيب عسّاف

كاهن ماروني، حائز على بكالوريوس في الفلسفة وبكالوريوس في اللاهوت ودكتوراه في القانون الكنسي والمدني من جامعة اللاتران الحبرية في روما. شغل سابقًا مهامًا أكاديمية وقضائية وثقافية متعددة، منها التدريس في الجامعة اليسوعية في مواد قانون العمل وعلوم الأحياء الحيوي، والتدريس في الجامعة الأنطونية في مادة القانون الكنسي، كما تولّى منصب قاضٍ في المحاكم الكاثوليكية في لبنان. وهو مؤسس فرع الشوف لجامعة سيدة اللويزة، وعمل سابقًا في إذاعة الفاتيكان، إلى جانب خبراته الواسعة في الأعمال الرسولية والرعوية في أوروبا وعدد من البلدان العربية. ويتقن عدة لغات حديثة تشمل الألمانية والإنكليزية والفرنسية والإيطالية، إضافة إلى اللغات القديمة مثل السريانية واللاتينية واليونانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى