ازمة لبنانالاحدث
جراح تبتسم | بقلم الأب ألبر حبيب عسّاف

بعدما اختتم قداسة البابا لاوون الرابع عشر الحبر الأعظم زيارته التاريخية إلى لبنان، بدا وكأن الزمن توقّف لحظة، ثم عاد ينبض من جديد على إيقاع مختلف، أرقّ وأنقى. خرج اللبنانيون بكل أطيافهم، من مختلف الطوائف والمناطق والانتماءات، فرحين بقدومه من جهة، ومطالبين ببقائه من جهة أخرى، وكأنهم وجدوا فيه شعلة المحبة الإلهية التي أدفأت قلوبهم، وبلسمت جراحهم، وأعادت فتح نافذة على الأمل في وطن أتقن فنّ الصمود رغم كثافة العواصف.
لم يكن المشهد مشهدًا كنسيًا فحسب، بل كان حدثًا وطنيًا بامتياز؛ ذلك أن مجيء البابا بدا كأنه زيارة من السماء تحمل معها لغة لا تعرف العنف ولا الانقسام. خلال تلك الأيام، شعر المسيحيون والمسلمون، كلّ بطريقته، أن شيئًا ما تغيّر في عمق الروح. لبنان الذي أتعبته الفواجع، امتلأت ساحاته فجأة بنور غير مألوف؛ نور أعاد للناس القدرة على النظر إلى بعضهم البعض بعين أكثر رقّة وصدقًا.
كانت البيوت تستعيد الدفء، والطرقات تلمع تحت خطى بشرٍ يبتسمون دون سبب ظاهر، سوى أنهم تنفّسوا هواءً مشبعًا بالسلام. بدا كأن الله قد غمر لبنان بأيام طويلة من الرحمة، وأن السماء أمطرت رجاءً طريًا على البشر، رجاءً يكاد يُسمَع في خفقاته همسُ الملاك ليلة ميلاد المخلّص: “لا تخافوا”.
لقد جاءت زيارة البابا لاوون الرابع عشر لتقول للبنانيين إن جراحهم ليست نهاية الطريق، وأن الوطن مهما انكسرت أطرافه سيقف مجددًا، لأن فيه شعبًا يرفض أن يموت. كانت جراح لبنان تبتسم. نعم، تبتسم. فالجراح التي تُقدَّم أمام الله تتحوّل من ندوب ألم إلى علامات قيامة.
في لحظة ما، بدا لبنان كما رآه البابا: أرضًا يمكنها أن تُشفى، وشعبًا قادرًا أن يحبّ من جديد، وبلدًا كُتب عليه أن يكون رسالة سلام، لا صدى حروب.
إن مغادرة قداسة البابا لم تكن وداعًا، بل بداية عهد جديد. ترك بين أيدينا نورًا، ومنح قلوبنا قدرة على النهوض، وذكّرنا بأن الوطن ليس مجرد جغرافيا، بل إمكانية دائمة للرجاء ورسالة وفاء.
وها نحن اليوم، بعد رحيله، نقف بين صمتين: صمت الجراح وصمت الرجاء. وفي هذا الفراغ الرقيق تنبت ابتسامة… ابتسامة جرحٍ لا يزال ينزف، لكنه يؤمن بأن الشفاء ممكن، بل آتٍ.
وهكذا يبقى لبنان، رغم كل شيء، وطنًا يعرف كيف يجعل من الألم صلاة، ومن الجراح علامات القيامة.




