حين تصبحُ الزعامةُ أهمَّ من الرئاسةِ: خسارةٌ للإنجازاتِ وإضاعةٌ للفرص | بقلم العميد الركن المتقاعد جورج جاسر

تشهدُ الحياةُ السياسيةُ اللبنانيةُ منذ الاستقلال علاقةً معقّدة بين الزعامة المسيحية وموقع رئاسة الجمهورية، علاقةٌ اتّسمت في معظم مراحلها بالتجاذب والصراع أكثر مما اتّسمت بالتكامل. فمنذ عهد الرئيس الأسبق كميل شمعون وما رافقه من انقسامات داخلية وتدخّلات خارجية، مرورًا بالرئيس فؤاد شهاب الذي حاول بناء دولة مؤسّسات، فواجه معارضة شرسة من قوى مسيحية رأت في مشروعه تهديدًا لنفوذها التقليدي، ترسّخ منطقُ الصراع داخل البيت المسيحي على حساب منطق الدولة. ومع نهاية العهد الشهابي عاد النظام إلى قواعد المحاصصة، وتراكمت التناقضات السياسية والأمنية في عهد الرئيس سليمان فرنجية إلى أن انفجرت الحرب الأهلية التي أسهمت عوامل داخلية وخارجية متشابكة في إشعالها.
وبعد انتهاء الحرب واعتماد وثيقة اتفاق الطائف نظامًا جديدًا للبنانيين، نقل جانبًا واسعًا من صلاحيات رئيس الجمهورية إلى مجلس الوزراء، فأصبح الموقع الرئاسي بحاجة إلى غطاء مسيحي متماسك يعوّض عن هذا التحوّل الدستوري. إلّا أنّ السنوات التي تلت الاتفاق أظهرت العكس تمامًا: تنافس مستمر على الزعامة، وتباعد بين المرجعيات، وخلافات انعكست عند كل استحقاق، من تشكيل الحكومات إلى انتخاب الرئيس نفسه إلى القانون الانتخابي. ولعل أبرز تجلّيات هذا الانقسام ما عرفه المسيحيون في أواخر الحرب الأهليّة من صراع بين «القوات اللبنانية» ورئيس الحكومة الانتقالية العماد ميشال عون، وهو صراع ترك جروحًا سياسية عميقة ثم عاد وظهر لاحقًا بأشكال مختلفة مع كل محطة مفصلية.
وقد برزت هذه الإشكالية مجددًا في الأيام الأخيرة مع مواقف «القوات اللبنانية» تجاه العهد الجديد قبل وبعد زيارة البابا لاوون الرابع عشر لبنان، وعدم دعوة قائد القوات سمير جعجع لاستقبال قداسته لأسباب بروتوكولية، حيث تحوّل النقد السياسي إلى سجالات حادّة بلغت حدّ الاتهام والوشاية، كما وصفها رئيس الجمهورية على إحدى محطات التلفزة. هذا السلوك، بدلًا من أن يدعم رئيس الجمهورية في حماية الاستقرار، يُرجَّح أن يضعف الرئاسة وخياراتها، في لحظة تحتاج فيها البلاد إلى تهدئة وتثبيت السلم الأهلي للحؤول دون أي صدام داخلي.
إن استمرار هذا النهج عبر العقود الماضية أدّى إلى نتيجتين واضحتين: تراجع هيبة موقع الرئاسة لصالح الزعامة وفقدان الرئيس القدرة على لعب دور الحكم والشريك الفاعل والضامن بين المكوّنات اللبنانية؛ وتراجع الدور المسيحي في لبنان والشرق بعدما فقد المسيحيون النموذج الذي كان يُفترض أن يقدّمه لبنان كنقطة توازن وحماية للتعدّد والحرية.
ومع التحوّلات العميقة التي يشهدها الشرق الأوسط اليوم، واحتمالات إعادة تشكيل الخرائط وموازين النفوذ، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت إلى صياغة مقاربة واستراتيجية مسيحية وطنية موحّدة، لا تُلغي التعددية الحزبية بل تنظّم الخلاف وتضع ثوابت مشتركة تحمي دور الرئاسة وتعيد تعريف الحضور والدور المسيحي في الدولة والإقليم. ويمكن لهذه المقاربة أن تستفيد من قوة اللوبي اللبناني–الأميركي الذي يشكّل اليوم أحد أهم مفاعيل الضغط السياسي لصالح لبنان في واشنطن، والقادر على دعم مشروع دولة حديثة قائمة على الحوكمة والمعايير العالمية.
ليست الدعوة إلى استراتيجية موحّدة دعوة لإلغاء التعددية أو توحيد الأحزاب، بل تتلخّص على المستوى الوطني في:
• توحيد الموقف حول ثوابت وطنية تتعلق بدور الرئاسة وبالتوازن الوطني.
• تحييد موقع رئاسة الجمهورية عن التجاذبات الحزبية والسياسية باعتباره رمزًا للكيان والدولة لا أداة نفوذ.
• صياغة رؤية مشتركة لدور المسيحيين في لبنان والشرق تستعيد دورهم الريادي في حماية التنوع والحرية والهوية الثقافية.
• توفير الدعم الدولي عبر التماسك المسيحي الداخلي والوطني من خلال احترام موعد الاستحقاق الرئاسي الذي شغر مرّات عديدة، بدلًا من تقديم ذرائع للقول إن الانقسام المسيحي والوطني هما أساس الأزمة.
أما على المستوى المسيحي الداخلي فتتجلّى في:
– وضع استراتيجية فاعلة للزعماء المسيحيين لدعم رئيس الجمهورية عبر الالتزام بآلية تنسيق دائمة تجمعهم حول ثوابت وطنية مشتركة تتقدّم فيها المصلحة العليا على الحسابات الحزبية.
– تحييد موقع الرئاسة عن الصراعات، وتبنّي ميثاق شرف يضبط الخطاب السياسي ويمنع الاستثمار في الخلافات.
– إنشاء إطار استشاري موحّد يُعنى بتقييم المواقف الوطنية وتوحيدها في المحطات المفصلية، بما يعيد للرئيس الغطاء السياسي اللازم ويُثبت الدور المسيحي في حماية الدولة والشراكة والاستقرار.
إن إعادة الاعتبار لموقع رئاسة الجمهورية وحماية الدور المسيحي في لبنان والشرق يتطلبان مقاربة جديدة تتجاوز إرث الماضي وترتكز على وحدة الموقف لا على صراع الزعامات. فالتجربة أثبتت أن قوة هذا الموقع لا تأتي من صلاحياته الدستورية فقط، بل من التفاف المسيحيين حوله ودعم باقي مكونات الوطن له باعتباره رمزًا للكيان وضمانة للشراكة. وعندما تصبح الزعامة أهم من الرئاسة تنتج معها خسارة للإنجازات وإضاعة للفرص. وفي هذه اللحظة الإقليمية الدقيقة تصبح هذه الوحدة ضرورة وجودية، ليس لإنقاذ الرئاسة فحسب، بل للحفاظ على الدور التاريخي للمسيحيين في لبنان وفي المنطقة.




