ازمة لبنانالاحدث

هل تستطيع وزارة الخزانة الأميركية ضبط الأموال غير الممتثلة؟ | بقلم د. بيار الخوري

لبنان بين الكاش والشبكات المغلقة للعملات المشفرة

منذ سنوات يشكّل لبنان إحدى النقاط الأكثر اضطراباً في خريطة الامتثال المالي الدولية. فاقتصاده النقدي وتراجع قدرة الدولة على الرقابة جعلاه بيئة خصبة لتدفّق الأموال “غير الممتثلة” وفق التعريف الأميركي سواء عبر الذهب أو الحوالات غير النظامية أو وسطاء الكاش أو شبكات العملات المشفّرة. ومع ازدياد اعتماد الجهات غير الممتثلة على أدوات مالية خارج النظام التقليدي، تزداد مهمة وزارة الخزانة الأميركية تعقيداً في محاولة رصد حركة الأموال المرتبطة بأنشطة مشبوهة أو محظورة. التحدّي الأكبر اليوم لا يرتبط بضعف الدولة اللبنانية فحسب بل بظهور منصّات تداول دولية كبرى غير خاضعة للامتثال تعمل خارج الرقابة الغربية وتُدار أحياناً من مصالح إقليمية ودولية لديها القدرة والخبرة والشبكات اللازمة للالتفاف على أنظمة العقوبات.

 

بعد انهيار النظام المصرفي اللبناني انتقل الجزء الأكبر من الاقتصاد إلى الكاش ثم إلى مزبج من الكاش والذهب، ما وفّر بيئة مثالية لحركة الأموال من دون المرور بأي مستوى من المستويات الرقابية، وتطور الأمر لاحقاً مع تداول العملات المشفّرة كوسيلة إضافية لتهريب وتخزين القيمة خاصة عبر المنصات العالمية التي لا تلتزم بقواعد الامتثال الأميركية. لبنان بات متلقّياً طبيعياً لتدفّقات مالية يصعب تحديد مصدرها أو حركة استخدامها مستفيداً من شبكة وسطاء ماليين غير رسميين، تداول الذهب، الحوالات من مناطق نزاع أو عقوبات، ومنصّات دولية تعمل خارج  KYC / AML التقليدي (معرفة العميل / مكافحة غسل الأموال).
على خلفية العقوبات الغربية بنت روسيا منذ عام 2022 نظاماً مالياً موازياً يعتمد على منصّات تداول مغلقة ووسطاء يعملون بالروبل والعملات المستقرة وشبكات تحويل داخلية لا تحتاج إلى العودة إلى النظام البنكي وواجهات تداول مبنية على Telegram وTON وخدمات تعدين تشكّل مدخلًا لإنتاج أصول غير قابلة للتعقّب المباشر. هذه المنظومة الروسية لم تُبنَ من العدم، اذ يشير تقرير صادر عن مكتب مدير الاستخبارات الوطنية الأميركية إلى أن روسيا تعاونت مع إيران بخبرتها المتراكمة عبر خمسة عشر عاماً من تاريخ المشفرات، بما أنشأ نموذجاً مجرّباً في اقتصاد الظل وإدارة الحوالات غير الرسمية والتمرير المالي عبر استخدام العملات المستقرة للتسويات الثنائية وبناء منصّات كريبتو لا تخرج إلى النظام البنكي بل تكتفي بتداول داخلي مغلق. هذه الأنظمة الرقمية الخارجة عن الرقابة لا تتأثر كثيراً بضغط وزارة الخزانة الأميركية لأنها لا تعتمد البنوك المراسلة ولا تخضع لقواعد الامتثال الغربية وهي تُدار من دول وليست مجرد نشاط مالي غير نظامي.

 

يصعب ضبط هذه الأنظمة في لبنان لأن البلد يشكّل بيئة مثالية لتقاطع هذه الشبكات. شبكات الكاش، تجارة الذهب، الحدود المفتوحة نسبياً وكثافة التداولات غير الرسمية تجعل لبنان ساحة سهلة لاستقبال أموال يصعب تحديد مصدرها. المنصات المغلقة لا تحتاج إلى خروج الأموال إلى الكاش، فالمستخدمون يمكن أن يتعاملوا داخل المنصة دون المرور بأي مصرف لبناني أو أجنبي، أي أنّ وزارة الخزانة لا ترى شيئاً إلا عند نقطة الخروج وهذه النقطة قد لا تأتي أصلاً. الاقتصاد اللبناني نفسه أصبح حاضنة قيمة ولا يحتاج المتعاملون إلى تحويل الأموال إلى الدولار النظامي أو إلى النظام المصرفي بل يكفي استخدام مزيج الذهب والكاش والعملات المشفرة للحفاظ على القيمة أو نقلها محلياً. الجهات المشتبه بها تتعامل مع منصّات أجنبية خارج النفوذ الأميركي مثل المنصات الروسية والإيرانية وغيرها في أميركا اللاتينية وشرق آسيا، كلّها تعمل دون تسجيل في نطاقات خاضعة للنفوذ الأميركي وبالتالي تظل القدرة الأميركية التنفيذية محدودة ما لم تستطع الضغط على مزوّدي التكنولوجيا أو على الدول نفسها.

 

وزارة الخزانة الأميركية تملك قوة ضغط هائلة عبر نظام العقوبات، تجميد الأصول، قوائم SDN (الأفراد والكيانات الخاضعة للعقوبات) والتعاون مع القطاع المصرفي العالمي لكنها تستطيع العمل فقط حين يكون الطرف الآخر مرتبطاً بالنظام الدولي. أما حين تنتقل الأموال إلى منصات لا تتعامل بالدولار وشبكات لا تستخدم مصارف وخوادم في دول غير متعاونة وتداول داخلي مغلق لا يتطلّب خروجاً، تصبح قدرة الوزارة على الرصد مرتبطة بالذكاء المعلوماتي أكثر من الرقابة المالية. مع ذلك، يمكنها مراقبة لحظة التحويل من الأصول الرقمية إلى أموال تقليدية من خلال صرافين أو شراء سلع بكميات كبيرة أو تجارة الذهب أو العقارات أو التعاملات عبر دول وسيطة، والضغط على المصارف المراسلة في المنطقة لردع جزء من حركة الأموال، وضرب الوسطاء المحليين الذين يعملون كجسور بين النظام الرقمي الموازي والنظام النقدي التقليدي، لكن المنصات الأجنبية غير الممتثلة نفسها من الصعب الوصول إليها أو تعطيلها لأنها جزء من ترتيبات جيوسياسية دولية جديدة.

 

حظوظ نجاح وزارة الخزانة الأميركية في ضبط مصدر وحركة الأموال غير الممتثلة في لبنان تتراجع كلما توسّعت المنصات الموازية وزاد اعتماد الجهات المحلية على أنظمة تداول مغلقة وانتقلت شبكات التهريب المالي إلى دول تدير منصات خارج الامتثال وتراجع الارتباط البنكي بلبنان. مع وجود بنية مالية روسية –إيرانية موازية قائمة على منصات مغلقة غير مراقَبة تصبح الرقابة الأميركية جزئية ومحدودة وليست شاملة، ويمكنها عرقلة وتوقيف بعض التدفقات وإبطاء أخرى لكنها لا تستطيع إيقاف هذه الأنظمة بشكل كامل لأن الأموال أصبحت قادرة على إيجاد طرق للتدفّق والتخزين ما لم تظهر سلطة محلية قادرة على بناء منظومة رقابية كاملة وهذا غير متاح في المدى المنظور.

د. بيار بولس الخوري ناشر الموقع

يُعد الدكتور بيار بولس الخوري أكاديميًا رئيسيًا وباحثًا بارزًا يتمتع بخبرات واسعة في الاقتصاد السياسي وسياسات الاقتصاد الكلي وإدارة التعليم العالي. يشغل حاليًا منصب أمين سر الجمعية الاقتصادية اللبنانية واكاديمي رئيسي في الجامعة الاميركية للتكنولوجيا، وسبق له العمل كخبير اقتصادي في عدة بنوك مركزية عربية، كما تخصص في صناعة السياسات المالية بمعهد صندوق النقد الدولي في واشنطن العاصمة. ​تتنوع إسهاماته الأكاديمية والتقنية بصفته أستاذًا زائرًا لتكنولوجيا البلوك تشين بجامعة داياناندا ساغار في الهند ومستشارًا في الأكاديمية البحرية الدولية. ألّف الخوري أربعة كتب دولية حول تحولات اقتصاد التعليم العالي، ونشر أكثر من 40 بحثًا علميًا محكمًا، مما يجعله مرجعًا في قضايا مبادرة الحزام والطريق وتداعياتها الجيوسياسية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط. ​أسس الخوري منصات معرفية رائدة تشمل مركز السياسات والاستشراف المعرفي (مسام)، وموقع الملف الاستراتيجي، وموقع بيروت يا بيروت المخصص للمعرفة وأسواق العمل. كما أطلق بودكاست "حقيقة بكم دقيقة" لمناقشة القضايا الراهنة، وشارك في تأليف سلاسل بحثية هامة تناولت صراعات حوض المتوسط والتحولات السياسية في لبنان عام 2019. ​يظهر الخوري كصوت مؤثر في مئات المقابلات الإعلامية العربية والدولية، حيث يحلل أزمات الاقتصاد اللبناني والإقليمي، ويكتب مقالات رأي في صحف كبرى مثل النهار والجمهورية وأسواق العرب اللندنية. تتركز جهوده حول إصلاح السياسات الكلية ومكافحة الفساد، بالإضافة إلى تطوير التعليم العالي وربطه باحتياجات سوق العمل الحديثة. ​يمتلك الخوري خبرة تقنية رائدة في دمج تطبيقات البلوك تشين في قطاع الأعمال، وقدم تدريبات دولية متخصصة لوزارة الخارجية النيجيرية وشركات في بانغالور. بالاضافة لمسيرة تمتد لثلاثين عامًا في التدريب مع مؤسسات كبرى كشركة نفط الكويت ومنظمة "أوابك". يجمع الخوري بين العمق الأكاديمي والاستشراف العملي كخبير اقتصادي موثوق في العالم العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى