وثيقة رؤية استراتيجية: تجنب الطائفة الكارثة، وتأمين المستقبل | كتب ناجي علي أمهز

مقدمة: ضرورة قراءة الواقع واستشراف المستقبل
البداية: يجب معرفة ان السلاح ليس المشكلة في الطائفة الشيعية وتسليمه دون سلة متكاملة من الضمانات والانفراجات، لن يكون هو الحل، لذلك الحفاظ على الاستقرار الشيعي الداخلي هو الاساس، لان الفوضى ستكون هي الكارثة التي ستصيب الشيعة وتقضي على انجازاتهم العظيمة خلال نصف قرن.
مدخل استراتيجي: الثوابت الحاكمة وتحديد الأهداف
قبل الخوض في تفاصيل أي رؤية أو خطة عمل، لا بد من تأسيس النقاش على مجموعة من الثوابت الحاكمة التي تشكل واقع الطائفة الشيعية السياسي والاجتماعي في لبنان. إن تجاهل هذه الحقائق، أو محاولة القفز فوقها، يجعل أي طرح مجرد تنظير بعيد عن الواقعية. هذه الثوابت هي:
1. الثابتة الأولى: مركزية القيادة الدينية
إن البنية التاريخية والاجتماعية للمجتمع الشيعي تجعل قيادته محصورة فعليًا برجل الدين. رغم كل المتغيرات، تبقى مكانة رجل الدين ثابتة ومحورية، مما يجعل سلطته، التي تمثل موروثًا تاريخيًا في العقلية الشيعية، هي الحد الفاصل والفيصل في بت الأمور الحاسمة.
2. الثابتة الثانية: القدرة الحصرية على التعبئة
لا يمكن لأي مراقب أن ينكر بأن الثنائي الوطني يمتلك القدرة الحصرية والكاملة على تحريك الشارع الشيعي وتوجيهه في أي وقت وبأي اتجاه يراه مناسبًا.
3. الثابتة الثالثة: حتمية “الفاتورة” الدولية
هناك إجماع شبه كامل في الدوائر العربية والدولية، يتجاوز الداخل اللبناني، على أن هناك فاتورة سياسية واستراتيجية يجب على الشيعة دفعها كثمن لخياراتهم في سياق صراعهم مع الكيان الإسرائيلي. وفي ظل واقع إقليمي لا يمكن التعويل فيه على دعم عربي أو إسلامي فعّال للدفاع عن الشيعة الذين ضحوا بكل شيء في سبيل تحرير لبنان ودعم فلسطين، فإن هذا يفرض على الطائفة حتمية استراتيجية وهي:
• فهم أسباب الصراع الكبير: إدراك أبعاد الصراع الدائر حولهم وعليهم.
• تحديد الأولويات بدقة: ممارسة أقصى درجات الحذر في إدارة المرحلة.
• الاستعداد للعاصفة القادمة: وهنا يجب إعادة تعريف مفهوم النصر. فالمطلوب ليس تحقيق انتصار كلاسيكي، وليس تكرار “كربلاء جديدة”، وليس تحويل المدن والقرى إلى “غزة أخرى”. إن الانتصار الحقيقي والممكن هو تخفيف خسائر هذه العاصفة قدر المستطاع، فهذا هو الفوز المبين.
غاية هذه الوثيقة وأهدافها
أمام هذه الثوابت، تنطلق “وثيقة الرؤية الاستراتيجية: تجنب الكارثة وتأمين المستقبل”. هذه الوثيقة لا تسعى لتجاوز هذه الثوابت أو إضعافها، بل على العكس، هي تقدم إطار عمل وبدائل فاعلة ومؤثرة تعمل ضمنها، مستندة إلى دروس تاريخية مستفادة من تجارب قاسية، كتلك التي عاشها اللبنانيون إبان الوصاية السورية.
إن الغاية المباشرة لهذه الوثيقة هي تقديم مسار عمل يهدف إلى:
1. استبعاد الحلول التصادمية: والابتعاد كليًا عن الخطابات الاستفزازية التي لا تخدم إلا الخصوم.
2. تجنب الانجرار لمعارك خاسرة: سواء كانت عسكرية، والتي لن ينتج عنها إلا المزيد من الدمار، أو سياسية وإعلامية، والتي تغرق الطائفة في حروب استنزاف داخلية وخارجية.
3. تحصين البيئة الشيعية: عبر الحفاظ على الاستقرار الداخلي، وإبقاء الشارع الشيعي بعيدًا عن الفوضى والضجيج، وضمان استمرارية الحياة الطبيعية، خاصة في قطاعي الاقتصاد والتعليم.
ويجب التنبه إلى أن الفوضى هي البيئة المثالية التي يسعى الخصوم لخلقها عبر أدوات “الطابور الخامس” وأساليب لا تخطر على بال، لتسهيل عملية محاسبة الشيعة إلى أقصى حد.
الخلاصة الغاية من هذه الورقة رسم خارطة طريق شبه امنة لوصول الشيعة الى غايتهم وهو تجاوز هذه العاصفة القادمة باقل خسائر ممكنة حتى على المستوى النفسي، حتما وطبيعي ان تحتاج هذه الورقة الى تطوير ونقاش لكنها الملامح الثابتة لما يعد للطائفة الشيعية.
تُقدَّم هذه الوثيقة كخلاصة لجهد تحليلي امتد لسنوات، رصد المتغيرات العميقة التي تُحاك للمشهد اللبناني بشكل عام، وللطائفة الشيعية بشكل خاص، على الصعيدين المحلي والدولي. في ظل التحولات الجذرية التي يشهدها الواقع، لم يعد التحليل ترفًا، بل ضرورة حتمية لرسم مسار آمن.
إن مراجعة التاريخ اللبناني القريب تُظهر أن ما ينتظر الطائفة الشيعية اليوم ليس سيناريو جديدًا، بل هو تكرار لتجارب قاسية مرت بها مكونات وطنية أخرى. فما حدث مع أنصار العماد ميشال عون قبل تأسيس “التيار الوطني الحر”، وما مرت به “القوات اللبنانية” وغالبية الطوائف المسيحية بين عامي 1990 و1998 — حيث أدت الظروف إلى هجرة ما يقارب 45% منهم بعد تحييد قياداتهم وسحق بنيتهم السياسية تحت وطأة واقع إقليمي جديد — يقدم دروسًا بالغة الأهمية.
يكمن الدرس الأهم في كيفية تعافي المكون المسيحي من تلك المرحلة؛ حيث تم الرهان على نخب سياسية وثقافية ذكية تحركت بهدوء. هذه النخب، كما عملت في الداخل، جابت عواصم العالم على مدار خمس عشرة سنة دون ضجيج، لأنها أدركت أن المواجهة المباشرة مع سوريا انتحار، وأن الحل يكمن في قراءة المتغيرات الإقليمية والاستفادة منها بعد عام 1989. عندما اشتد الخناق عليها في الداخل، لم تلجأ إلى التظاهرات او اطلاق العنان للابواق، بل إلى القانون الدولي والمنظمات الحقوقية العالمية. لقد أطلقت العنان لنخبها لإغراق السفارات الغربية بالمناشدات والتقارير، حتى بنت قضية متينة أعادت لها أنفاسها.
يطرح هذا الواقع سؤالاً محورياً حول ما إذا كانت الطائفة الشيعية اليوم، تمتلك الهدوء لانتهاج هذا الركب، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان.
أولاً: تشخيص الوضع الراهن والسيناريوهات المحتملة
يستدعي فهم المرحلة الحالية تحليلًا دقيقًا للنماذج السياسية القائمة والمتغيرات الاستراتيجية المحيطة:
• نموذج الدروز: فقد أتقنوا فن البقاء السياسي. رغم كل العواصف، نجحوا بفضل حكمتهم التاريخية في تقاسم الأدوار. فدائمًا ما تجد منهم من هو في صف السلطة ومن هو في صف المعارضة. هذه الاستراتيجية المرنة تضمن أنه أيًا كان الفريق الرابح، فإنه يسخّر علاقاته لحماية الطائفة وتأمين مصالحها داخليًا وإقليميًا ودوليًا.
• الوضع الشيعي: يفتقد حاليًا لهذه المرونة، مع حصر القرار في اتجاه واحد، وغياب شبه تام للنخب الفاعلة عن الساحة الدولية.
• وضع الطائفة السنية: بفضل عمقها العربي وامتدادها، تبقى أقل تأثرًا بالمتغيرات الحادة، كونها جزءًا لا يتجزأ من النسيج الإقليمي الأوسع.
بناءً على هذا التشخيص، يمكن استشراف السيناريوهات التالية:
1. نهاية عصر الضجة الإعلامية: تشير المعطيات إلى أن الأصوات الإعلامية الصاخبة التي تتبنى خطاب التحريض والبهورات ستشهد تراجعًا حتميًا. سيصبح أصحابها أما منبوذين شيعيًا عندما تدرك القاعدة الجماهيرية حجم الخداع الذي مارسه هذا الإعلام، أو سيصبحون ملاحقين قانونيًا. سيتحول خطابهم الشعبوي إلى مادة إدانة، بعد أن سعى إلى تحقيق مكاسب شخصية على حساب مصلحة الطائفة، مما أوصلها إلى أزمة وجودية تتطلب صحوة عقلانية.
2. لا حرب أهلية، بل قرار دولي حاسم: تشير المؤشرات إلى وجود إجماع إقليمي ودولي على أن زمن السلاح خارج إطار الدولة قد انتهى. هذا لم يعد قرارًا لبنانيًا فقط، بل هو جزء من مخطط أوسع لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط الجديد. أي طرف سيخالف هذا الإجماع سيعرض نفسه ومقربيه لعقوبات وملاحقات دولية.
3.سيناريو الوصاية الدولية: إن أي استخدام للعنف ومن اي فئة، أو أي انهيار أمني كبير قد يفتح الباب أمام تشكيل تحالف دولي يضع لبنان تحت وصاية مباشرة. وقد يُعهد إلى النظام السوري الجديد بدور مماثل لما كُلِّف به نظام حافظ الأسد سابقًا، ولكن بتقنيات أكثر فتكًا. وفي هذه الحالة، قد يجد المكون الشيعي نفسه وحيدًا في مواجهة العالم.
4. أسباب التسريع الدولي: يمكن تفسير الإصرار الدولي الحالي بعاملين:
o الأول: ضمان إجراء انتخابات نيابية في مناخ سياسي محايد، بعيدًا عن تأثير السلاح، لتشكيل سلطة تشريعية منسجمة مع رؤية الاستقرار والحياد في المنطقة التي تطالب فيها واشنطن.
o الثاني: التغيرات في السياسة الأمريكية، خاصة مع زيارة دونالد ترامب المرتقبة، التي قد تعلن عن حقبة جديدة من النفوذ الأمريكي، يرمز إليها افتتاح أكبر سفارة أمريكية في العالم في لبنان، والتي اكدها ترامب نفسه عندما اعلن عن زيارة لبنان لافتتاح السفارة بعد أن يكون حزب الله قد أُضعف إلى أبعد الحدود، وتمت إزالة السلاح من كامل المخيمات الفلسطينية.
ثانياً: خطة العمل المقترحة: الحلول والخطوات
إن الحلول المطروحة هنا ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج دراسة طويلة للواقع ومتغيراته. ويمكن البناء في هذه المرحلة على نقاط ارتكاز أساسية، تتمثل في القيادة الحكيمة لسماحة الشيخ نعيم قاسم، الذي جنب الطائفة كارثة بموافقته على وقف إطلاق النار، وعندما تحدث بصراحة متناهية عن دور الاعلام وبعض الذين صوروا قوة حزب الله العسكرية انها اقوى من الكيان الاسرائيلي، ومد يده الى مختلف القوى الداخلية وحتى العربية، والجميع يعلم انه يسعى بكل حكمة وحرص لانتقال سلس للشيعة رغم ضيق الوقت ونفاذ الخيارات.
كما ان دور الرئيس بري على مستوى الخارج يشكل صمام امان، يجب الاستفادة منه ومن دوره السياسي الاستثنائي والفريد والذي ربما لن يتكرر في مستقبل الطائفة كما كان الشهيد السيد نصرالله قائدا لبنانيا وامميا لا يتكرر، منح الطائفة وهجا ومساحة وحضورا لم تعرفه طائفة منذ نشوء المعتقدات والمذاهب الفكرية.
.
1. تفعيل قوة ثالثة:
* الإجراء: إنشاء وتفعيل مجتمع مدني شيعي حقيقي، وتشكيل قوة ثالثة من النخب، بعيدًا عن المحاصصة والمحسوبيات، تكون قادرة على بناء الجسور مع الداخل والخارج، وتمتلك التأثير ضمن مختلف الطوائف.
2. ضبط الخطاب الإعلامي والسياسي:
* الإجراء: اتخاذ قرار شيعي داخلي حاسم وفوري بوقف الخطاب الإعلامي غير المسؤول، وإنزال “الأبواق والسياسيين غير الرسميين” عن المشهد، قبل أن يُفرض الصمت عليهم وعلى الفضائيات عبر قرارات حكومية أو حظر دولي ووسائل التواصل الاجتماعي .
3. إطلاق حوار وطني شامل:
* الإجراء: تكثيف التواصل مع كافة القوى اللبنانية، بما فيها تلك التي يوجد اختلاف سياسي معها. إطلاق وثيقة شيعية جديدة تحدد بوضوح رؤية الطائفة لمستقبلها ضمن إطار الدولة، وتؤكد على الالتزام بالدستور والتوافق، مع المطالبة بأفضل العلاقات مع سوريا والعالم العربي والغرب.
4. استثمار الثقل السياسي الرسمي:
* الإجراء: يجب على النواب والوزراء والموظفين الكبار من الشيعة استخدام علاقاتهم ودورهم الحالي للدفع نحو تسويات كبرى، كقانون عفو عام، والبحث عن طرق جديدة للمشاركة في السلطة تقوم على الشراكة والتوازن، والاحتكام الكامل لصناديق الاقتراع.
خاتمة: توصيات استراتيجية للمستقبل
إن ما ورد في هذه الوثيقة ليس تكهنًا، بل هو قراءة لسلسلة أحداث بدأت تتكشف منذ عام 2016. تبقى التوصية الاستراتيجية الأخيرة والأهم هي ضرورة التحلي بالهدوء والحكمة، والابتعاد عن الضجيج والشعبوية، والسعي نحو تسوية تاريخية تحفظ مكانة الطائفة ودورها. فأي طريق آخر ستكون كلفته باهظة ومدمرة.
يجب إغلاق صفحة الماضي، خاصة تلك التي بدأت عام 2012 مع صناعة ظاهرة “الأبواق والمحللين الاستراتيجيين”.
إن الواجب الآن هو الحفاظ على الإرث المقاوم الثمين والغالي الذي تحقق بتضحيات عظيمة. حماية هذا الإرث، وعدم تلويثه بالحروب الداخلية، هو الكفيل الوحيد بتحويله إلى انتصار تاريخي لا يموت ولا يُنسى عبر الزمن.
وثيقة رؤية استراتيجية كتبها: ناجي علي امهز 4 / 8 / 2025




