الاحدثفلسطين

أفاق العالم وحضر فلم يجد العرب ! | بقلم السفير رشاد فراج الطيب

عندما استيقظ العالم بعد ثمانين عاماً، وقد أفاق ضميره أخيراً ليعترف بالحقوق الفلسطينية كاملة ، بما في ذلك حق إقامة الدولة المستقلة ، كان ذلك بفضل مسيرة طويلة من النضال والتضحيات والدم عبر السنوات .
الشعب في غزة وصموده الأسطوري الأخير في وجه الإبادة والحريق والتجويع والتهجير حرك الضمائر وأيقظ الإنسانية من سباتها الطويل فاستفاقت.
استجاب العالم أخيرا لنداء الحرية المنبعث من بين الركام والأنقاض ، من صوت الأذان المبحوح من تحت الدمار ، ومن آهات النساء الثكالى والأطفال اليتامى والمجوعين حتى الموت . كان المشهد الإنساني أقوى من كل الدعاية وأصدق من كل الأكاذيب والتزوير .
وقف الضمير العالمي وصحا أخيراً ليقول كلمته بعد أن صمت ثمانين سنة حسوماً.
لكن حين حضر العالم ليعيد الحق إلى أصحابه، لم يجدهم ، لم يجد العرب ! ولم يجد المسلمين.
لم يجد أولئك الذين كانوا يوماً مجتمعين ومجمعين على قضيتهم المركزية . قضية القدس والمسجد الأقصى والأرض التي بارك الله فيها وحولها . لقد تفرقوا أيدي سبأ ، كل حزب بما لديهم فرحون ، وكل دولة مشغولة بشؤونها ومصالحها .
لم تعد تجمعهم القضية المركزية.
لم تعد القضية مركزية ولا مقدسة.
لم يعد الاحتلال هو العدو الأول ، ولا حتى الثاني ، بل لم يعد عدواً عند أكثرهم أصلاً . لقد غيّروا بوصلتهم فاتخذوا لهم أعداء آخرين !
نجحت إسرائيل في  احتواء كثيرين من أصحاب القضية ، وأخرجت كثيراً منهم من دائرة العداء إلى دوائر الصداقة والمصالح .
لم تعد أمريكا مجرد طرف في الصراع ، بل تبنت القضية بالكامل وجعلتها ملكية فكرية وسياسية لها ، تحدد بها الولاءات وتوزع عبرها صكوك الغفران أو الغضب .
وحين أفاق الضمير الإنساني ، لم يجد أكثر أهل القضية إلا بين المحايدين أو الوسطاء !
وفي تلك اللحظة التي صحا فيها ضمير العالم متأخراً ولسان حاله يقول كم لبثنا ، لا تزال تُسمع في الزوايا والشوارع بقية من أغنية حزينة ترددها فيروز :
الغضبُ الساطعُ آتٍ،
وأنا كلي إيمان…
القدسُ لنا ، والبيتُ لنا.
إلا أن الملايين التي كانت تملأ آفاق شوارعنا العربية اختفت اختفاءً مدهشاً ، ولم يعودوا يجيبون نداء الجميلتين الثائرتين سوسن الحمامي وأمل عرفة :
الشعبُ العربي وين ؟
الشرفُ العربي وين ؟
وين الملايين ؟
ويرتفع النداء كصرخة في وادٍ فارغ ، يبحث عن أمة كانت هنا ثم غابت ، عن شرفٍ كان يوماً تاجاً فصار ذكرى تلوكها الألسن وتبكيها العيون ، ولم تجد زفرات أمل دنقل الحرّى وتوسلاته استجابة وهو ينشد :
 لا تُصالحْ على الدمِّ… حتى بدمْ،
لا تُصالحْ… ولو منحوك الذهبْ .
ولا نفثات فراج الطيب وهو يستدعي نخوتهم حين يقول :
 لو كنتُ من يعربٍ،
لم تستبحْ حرمي بنو الأعاجمِ، لا هودٌ ولا تترُ ،
إذن لقام بنصري معشرٌ خُشُنٌ
عند الحفيظِة ما في عودهم خورُ ،
لا يسألون أخاهم حين يندبهم
في النائباتِ وفي الأهوالِ ما الخبرُ .
ورغم هذا القتام كله ، فإن الأمل لا يموت ما دام في الأمة قرآنٌ يُتلى وقلوبٌ تنبض بالحق وضمائرُ تستحي من أحكام التاريخ .

السفير رشاد فراج الطيب السراج

السفير رشاد فراج الطيب السراج. دبلوماسي. وباحث مهتم بالشؤون الدولية والتحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وأفريقيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى