اقتصاد بلا دولة… ودولة بلا استراتيجية | بقلم العميد الركن المتقاعد جورج جاسر

في لبنان، لا نعيش انهياراً تقليدياً لدولة فاشلة، بل مساراً أخطر.
دولة تُفرَّغ بهدوء، واقتصاد يستمر بلا محرّك وطني. لا مشهد سقوط مدوٍّ، ولا لحظة فاصلة، بل «استقرار» هشّ يُدار كهدف بحدّ ذاته. هنا تكمن المفارقة: ما يبدو نجاة هو في الواقع تأجيل مدروس للمواجهة مع الحقيقة.
الاقتصاد اللبناني لم يتعافَ، بل تعلّم كيف يعمل خارج الدولة. كالدولرة، والتحويلات، والاقتصاد النقدي أبقته حيًّا بالحد الأدنى، كسيارة تسير نزولاً بفعل الجاذبية لا بفعل الطاقة. هذا المسار لا ينتج نمواً ولا فرصاً، بل يستهلك ما تبقّى من المجتمع ويعمّق اللامساواة.
في المقابل، تستمر الدولة بوظائفها الشكلية. موازنات تُعدّ لإدارة سنة مالية لا لبناء اقتصاد، إصلاحات تُقاس بقدرتها على منع الانفجار لا على إطلاق الإنتاج. تتحوّل الدولة إلى جهاز جباية وتشغيل، بلا مشروع وطني، وبلا تصور لدورها الاقتصادي أو الاجتماعي.
هذا الانفصال بين الدولة والاقتصاد يُقدَّم كواقعية سياسية. يُقال إن البلد «ماشي»، وإن الأسواق لم تُقفل، وإن الرواتب تُدفع. لكن ما لا يُقال هو أن هذا الاستقرار الزائف يمنع أي تصحيح فعلي للمسار.
الثمن لا يدفعه النظام، بل الناس. طبقات اجتماعية تُسحق، قدرة شرائية تتآكل، وشباب يُدفَع إلى الهجرة أو التكيّف القسري. الاقتصاد الذي يعمل بلا دولة لا يحمي الضعفاء، والدولة التي تجبي بلا استراتيجية تفقد شرعيتها بالتقسيط.
لإعادة التوازن، يجب تحفيز الأغنياء على الاستثمار في الاقتصاد الوطني. يمكن تحقيق ذلك عبر تحسين بيئة الأعمال، وتقديم حوافز ضريبية للمشاريع التنموية، وتحرير القضاء من التدخلات السياسية. هذا يتطلب أيضاً تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد لضمان أن الاستثمارات تتم في إطار قانوني وأخلاقي.
إعادة بناء الطبقات الاجتماعية تتطلب استراتيجية شاملة لتعزيز العدالة الاجتماعية وتحسين مستوى المعيشة للجميع. يمكن تحقيق ذلك عبر تعزيز التعليم والتدريب المهني، دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، تطبيق سياسات ضريبية تصاعدية، وتعزيز الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر احتياجاً.
الاقتصاد الذي يعمل بلا دولة لا يحمي الضعفاء، والدولة التي تجبي بلا استراتيجية تفقد شرعيتها بالتقسيط. الأزمة اللبنانية، في جوهرها، ليست مالية فقط، بل أزمة خيار. لا رؤية لدور الاقتصاد، ولا تحديد لأولويات الإنتاج، ولا تعريف لوظيفة الدولة في مرحلة ما بعد الانهيار.
هكذا تصبح الهشاشة نظام حكم، لا حالة طارئة. تصحيح المسار لا يبدأ بالشعارات ولا بالوعود الكبرى، بل بثلاث خطوات واضحة: أولاً، الانتقال من موازنات إدارة البقاء إلى موازنات تحفيز الإنتاج، ولو بشكل تدريجي ومحدود. ثانياً، إعادة تعريف دور الدولة كمنظِّم ومحفِّز لا كجباية صمّاء، عبر حماية القطاعات القادرة على خلق قيمة مضافة حقيقية. ثالثاً، فتح نقاش وطني صريح حول النموذج الاقتصادي المطلوب، بدل الاكتفاء بإدارة الأزمة كقدر دائم.
هذه ليست حلولاً سحرية، لكنها بداية مسار يعيد المعنى للدولة والاتجاه للاقتصاد. في النهاية، لبنان لا يموت لأنه لا يزال يتحرّك، ولا يُنقَذ لأنه لا يزال «مستقراً». الخطر الحقيقي أن نعتاد هذا الوضع وأن نسمّيه واقعية. اقتصاد بلا دولة لا يصنع وطناً، ودولة بلا استراتيجية لا تحكم بل تؤجّل الانهيار. ومن يكتفي بإدارة السنة المقبلة، سيخسر ما تبقّى من السنوات القادمة.




