ازمة لبنانالاحدث

الاستشهاد لأجل قضية | بقلم الأب ألبر حبيب عسّاف

يوم كنت طفلًا، مررتُ بملصق قديم في ناحية من نواحي شمال بيروت، كُتب عليه ما معناه: «لا خوف… فلبنان لن يتصدّع». كانت الجملة أكبر من إدراك طفل، لكنني التقطت منها شيئًا يشبه الاطمئنان البعيد. وما هي إلّا سنوات قليلة حتى بدأت قوافل الشهداء تتتابع، لاسماء أصدقاء وغرباء تتوالى، يومًا بعد يوم، تحمل وجوهًا وملامح ناسٍ آمنوا بأن للوطن قيمة، وللوجود رسالة، وللحرّية ثمنًا لا يُقاس.

كانوا يودِعون الحياة وهم يعلنون أنّ النفس ليست أغلى من الحقيقة حين تُهدّد، وأن الكرامة لا تُقاس بعدد الأيام، بل بقدر ما يُبذَل من أجلها.

لم أكن أفهم يومها ماذا يجري، لكن دموعي – كطفل – كانت لغتي الوحيدة. كانت حديث وجداني مع المطلق، وترجمان تلك الرعشة التي يُحدثها حضور الحقيقة عند أبواب الموت. كأنّ قصص الاستشهاد مسلسل لا ينتهي، يُطوى فصل بعد فصل، تاركًا خلفه سؤالًا أكبر من العمر نفسه: لماذا تُهرَق الدماء؟ ولماذا يُدفن “الرجال” وتُمحى القضية؟

كبرت، وكبر السؤال. واجهتُ عالمًا لا يُشبه روايات البطولة التي حملها الشهداء على أكتافهم. رأيتُ كيف يحكم التجّار، وكيف يسرح الفجّار، وكيف تُلغى الحقيقة أو تُباع في أسواق المساومات. رأيتُ كيف يُزرَع اليأس وتتقلّص مساحات الرجاء، وكيف يتغيّر تاريخ نضالٍ وشهادةٍ وقيمٍ كأنّها كانت زينة مرحلة وليس جوهر وطن.

 

خلتُ أنّ تساؤلاتي مبالغات، أو أنّني ما زلتُ أسير رومانسية الطفولة. لكن خبرات العمر—وما رأيتُه من امتهان النفاق، وتسويق الزيف، وتبجيل الجهلة—أكدت لي أنّ القضيّة التي استشهد لأجلها كثيرون لم تَضع… بل ضُيّعت.

وأنّ كل نقطة دم لم يُصنها أهلها، وكل شهادة لم تُحفظ في ضمير أمة، تتحوّل من بطولة إلى عبء، ومن قيمة إلى ذكرى باهتة.

 

الاستشهاد، في ماهيّته الأصيلة، ليس موتًا لأجل الموت، ولا بطولة رومانسية كما يتصوّر البعض. هو فعل حرّية. اختيار واعٍ بأن الحياة تُعطى لتُبذل، لا لتُخزّن.
وهو رسالة إلى من يبقون: أن يحفظوا القضية، وأن يحوّلوا الدم إلى ضمير، والتضحية إلى التزام، والشهادة إلى مشروع مستمرّ.

 

أما حين لا يُكمل الأحياء مسيرة الشهداء، تتحوّل التضحية إلى صرخة معلّقة بين الأرض والسماء.
فالاستشهاد يفقد معناه إذا خانته الذاكرة، وإذا استُبدلت القيم التي دفعت إليه بثقافة مصالح أو سلطان مال أو طغيان جهالة.

 

ليس ضعفًا أن يعترف الإنسان بأن خيبته من الواقع أكبر من قدرته على الاحتمال. وليس خطأ أن يُقال إن كثيرًا من الدماء ذهبت هباءً، لأن الهباء ليس في الدم، بل في من لم يحفظوه. لكن الحقيقة الأعمق تبقى أن قيمة الاستشهاد لا تتوقف على خيانة عصر، ولا على ضياع مرحلة. فالحقّ، مهما أُهمل، لا يموت. والدم، مهما نُسي، لا يفقد صوته.

 

ولعلّ ما يشبه صوت جبران خليل جبران يعلو في هذا الموضع كإدانة أخيرة:
بئسَ أمةٌ تجهل قيمة الذين وقفوا بين الموت والحياة كي تبقى؛ أمةٌ لا تعرف شهداءها إلّا يوم تتزيّن بصورهم، ثم تنساهم يوم تُقسّم المنافع وتتبدّل الولاءات. فالأوطان التي لا تحفظ أسماء أبنائها الذين افتدوها، إنما تحكم على نفسها بالتيه، لأن الشعوب التي تنسى دماءها تفقد المعنى الذي يجعلها شعبًا.

ويبقى السؤال الذي يواجه كل جيل: هل نترك شهادات الأمس تتحوّل إلى أطلال، أم نحوّلها إلى جذور تُعيد بناء وطن؟

الأب ألبر حبيب عسّاف

كاهن ماروني، حائز على بكالوريوس في الفلسفة وبكالوريوس في اللاهوت ودكتوراه في القانون الكنسي والمدني من جامعة اللاتران الحبرية في روما. شغل سابقًا مهامًا أكاديمية وقضائية وثقافية متعددة، منها التدريس في الجامعة اليسوعية في مواد قانون العمل وعلوم الأحياء الحيوي، والتدريس في الجامعة الأنطونية في مادة القانون الكنسي، كما تولّى منصب قاضٍ في المحاكم الكاثوليكية في لبنان. وهو مؤسس فرع الشوف لجامعة سيدة اللويزة، وعمل سابقًا في إذاعة الفاتيكان، إلى جانب خبراته الواسعة في الأعمال الرسولية والرعوية في أوروبا وعدد من البلدان العربية. ويتقن عدة لغات حديثة تشمل الألمانية والإنكليزية والفرنسية والإيطالية، إضافة إلى اللغات القديمة مثل السريانية واللاتينية واليونانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى