ازمة لبنانالاحدث

“الضرائب في لبنان بين الإنقاذ والعبء: هل المواطن يدفع الثمن؟ قراءة اقتصادية مع حلول واقعية” | كتبت عبير درويش

في خضم الأزمة الاقتصادية الحادة التي يمرّ بها لبنان منذ 2019، باتت السياسة الضريبية الجديدة محط جدلٍ واسع. ففي فبراير 2026، أقرّ مجلس الوزراء فرض ضرائب إضافية على الوقود ورفع نسب الضرائب بشكل طفيف بهدف تمويل زيادات رواتب موظفي القطاع العام الذين انهارت قيمة أجورهم بسبب الانهيار المالي، لكنه أثار ردود فعل شعبية واسعة احتجاجاً على ما يعتبره المواطنون زيادة للأعباء المعيشية دون حلول جذرية.

 

أولاً: السياق الاقتصادي الراهن
يعاني لبنان من انكماش اقتصادي غير مسبوق، انخفاض في الخدمات الأساسية، وفقدان جزء كبير من القوة الشرائية للمواطنين، وهو وضع يستنزف الدولة ويحدّ من قدرتها على تمويل الخدمات العامة والسياسات الاجتماعية.

وفي ظل هذا الواقع، صادق البرلمان اللبناني مؤخراً على قانون موازنة العام 2026 بقيمة نحو 538 تريليون ليرة لبنانية (أي نحو 6 مليارات دولار)، مع توقع أن تمثّل الإيرادات الضريبية ما يقارب 81.65% من مجموع الإيرادات، بينما تشكّل الإيرادات غير الضريبية نحو 18.35% فقط.

 

ثانياً: هل الضرائب الجديدة محقّة أم عبء على المواطن؟

1-الحجج التي تدعم فرض الضرائب:
أ- ضروريّة تمويل الموازنة ورواتب الدولة:
مع ارتفاع تكاليف أجور الموظفين وانخفاض قيمة العملة، ترى الحكومة أن زيادة الإيرادات ضرورية للحفاظ على الوظائف والرواتب.
ب- النظام الضريبي غير فعال تاريخياً:
تعاني الدولة من ضعف في تحصيل الضرائب، وتهرّب ضريبي كبير يُقدّر بمليارات الدولارات سنوياً، ما يقلّص الإيرادات المحتملة ويجعل الدولة معتمدة على طرق تقليدية أقل فاعلية.

2- أهمية إصلاح النظام الضريبي ككل:
يُشير الخبراء إلى ضرورة إصلاح شامل للنظام الضريبي في لبنان وتحديثه ليكون أكثر عدالة وكفاءة، بدل الاعتماد على فرض ضرائب إضافية على السلع والخدمات الأساسية.

3- لماذا يعتبرها كثير من اللبنانيين عبئاً إضافياً؟
أ- زيادة الأعباء المعيشية:
مع ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية، أي ضريبة إضافية — حتى لو كانت قليلة — تقوّض ميزانية الأسر خاصة الطبقات المتوسطة والفقيرة.
ب- غياب شبكة حماية اجتماعية قوية:
في دول أخرى تُرافق الضرائب برامج دعم اجتماعي للتخفيف عن الفقراء، بينما في لبنان لا توجد آليات فعّالة لحماية الفئات الضعيفة.
ج- نظام ضريبي غير عادل تقليدياً:
النظام الحالي يثقل كاهل المستهلكين أكثر من أرباب رؤوس الأموال والأثرياء، ما يجعله مجحفاً اجتماعياً.

 

ثالثاً: بدائل وحلول لزيادة الإيرادات دون الضغط على المواطن
1. مكافحة التهرّب الضريبي وتحسين الجباية
يمكن زيادة الإيرادات بشكل كبير عبر الحدّ من التهرّب الضريبي وتحسين آليات التحصيل، مثل:
• توثيق ومراقبة السجلات الضريبية
• استخدام تكنولوجيا محكمة في الجمارك لوقف التلاعب بالفواتير
• ملاحقة الشركات الكبيرة المتهاربة
هذه الإجراءات وحدها يمكن أن تعوّض جزءاً كبيراً من العجز دون رفع الضرائب على المستهلكين.

2. فرض ضرائب على الثروة والأنشطـة غير المنتجة
بدلاً من فرض ضرائب عامة على السلع والخدمات:
• ضريبة على الأرباح الرأسمالية (مثل بيع العقارات الفاخرة)
• ضرائب على الكماليات والفاخرة (سيارات فارهة، yachts، وغيرها)
هذه الأنواع من الضرائب تستهدف الفئات ذات القدرة العالية وتؤدي إلى إيرادات أكبر دون التأثير على الطبقات الضعيفة.

3. تشجيع النمو الاقتصادي وتنمية قطاعات الإنتاج
زيادة الإنتاج الوطني والسياحة والخدمات التقنية يمكن أن:
• توسّع القاعدة الضريبية
• تخفّف الاعتماد على الاستيراد المكلف
• تخلق فرص عمل وتزيد الدخل القومي

 

في الخاتمة: قراءة واقعية

لا يمكن إنكار أن زيادة الإيرادات ضرورية لاقتصاد لبنان المنهار، لكن فرض الضرائب مباشرة على المواطنين في الوقت الحالي—دون إصلاح هيكلي للنظام الضريبي—يُعد عبئاً إضافياً في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الأجور.
الحل يكمن في تحسين تحصيل الضرائب، فرض ضرائب تصاعدية على الثروة والأنشطة الكبيرة، وتعزيز النمو الاقتصادي بعيداً عن الضغط على جيوب الفقراء والطبقة المتوسطة.

عبير درويش، كاتبة وصحافية لبنانية متخصّصة في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية

عبير درويش، كاتبة وصحافية لبنانية متخصّصة في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، تمتلك خبرة تفوق عشرين عامًا في الإعلام المرئي والمكتوب وإدارة المحتوى الرقمي. عملت مع مؤسسات محلية وعربية بينها East News وBelwasat.com، وأسّست موقع mintandhint.com الاقتصادي. تولّت إدارة حملات التواصل الاجتماعي لمؤسسات فكرية وإنسانية كـمؤسسة الفكر العربي والجمعية اللبنانية لمكافحة السرطان، وقدّمت برامج اقتصادية عبر تلفزيون لبنان وNBN. تجمع في عملها بين الدقة المهنية والحس الإنساني، ما يجعلها صوتًا موضوعيًا في تناول قضايا الاقتصاد والمجتمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى