ازمة لبنانالاحدث

بقايا دولة غير موجودة أصلًا | بقلم البروفسور بيار الخوري

لبنان، البلد الذي طالما احتفي بتنوّعِهِ الثقافي وتَعَدُّديةِ سكّانه، يعيشُ اليوم واقعًا مأسَويًا يشهَدُ على تآكلِ مؤسّساته وغيابِ القانون، في مشهدٍ يبدو كأنّه بقايا دولةٍ غير موجودة أصلًا. الصورةُ التي تتكشَّفُ اليوم هي نتيجةُ سنواتٍ من الإهمال، الفساد، والانقسامات السياسية، مما أدّى إلى انهيارِ الهَيبةِ وتجاوُزِ القوانين في استنسابيةٍ لا تَخدُمُ إلّا مصالح أصحاب القوّة والنفوذ.

في العقودِ الأخيرة، عَرَفَ لبنان تراجُعًا ملحوظًا في هَيبة مؤسّساته، بما في ذلك القضائية منها. لقد أدّى الفسادُ المُستَشري والمحسوبية إلى تآكلِ الثقة بين المواطنين والدولة. إنَّ القوانين، التي من المُفتَرَض أن تكونَ ملاذًا للمظلوم ورادعًا للمُعتَدي، أصبحت أداةً في يد القوي يستخدمُها لتثبيتِ سلطته وإقصاءِ خصومه. القضاء بدوره، بدلًا من أن يكونَ الحَكَمَ العادل الذي يتطلّعُ إليه الشعب، غدا ساحةً لتصفيةِ الحساباتِ وتعزيزِ الولاءات السياسية.

الهَيبَةُ هي عمادُ الدولة وسلطتها. في لبنان، هذهِ الهَيبَةُ انهارت تمامًا. إن تراكُمَ الأحداث في السنواتِ الأخيرة بَعدَ تَحَلُّلِ أوصالِ الدولة في العام ٢٠١٩، بما في ذلك الانفجار الضخم في مرفَإِ بيروت، أظهرَ حجمَ الإهمالِ وعَدَمَ المسؤولية من قبل القيادة السياسية. الفوضى التي تلت الانفجار (أو التفجير؟)، وغيابُ الإجراءات الفعّالة لمواجهةِ الأزمات، كشفت عن دولةٍ غائبة، غير قادرة على حمايةِ مواطنيها أو حتى توفير الحدّ الأدنى من الخدمات.

في ظلِّ الواقع اللبناني، القوانين لا تُطَبَّق إلّا في سياٍق استنسابي يَخدُمُ مصالحَ أصحاب النفوذ. هذا التلاعُب بالقانون يُسهِمُ في تعميقِ الشرخِ بين الطبقة الحاكمة والشعب، ما يؤدّي إلى زيادةِ المَيلِ إلى الهجرة والمخدّرات والجريمة المُنَظَّمة في ظلِّ انعدامِ أيِّ أُفُقٍ للتغيير.

المُفارَقَةُ هي أنَّ هؤلاء الذين يُفتَرَضُ بهم حمايةَ القانون وتطبيقه هم أنفسهم مَن يقومون بخرقه وتجاوزه بما يخدم مصالحهم الشخصية والسياسية، في تجسيدٍ واضحٍ للفسادِ المَنهجي الذي يعصِفُ بالبلاد.

النظامُ في لبنان، بكافةِ مؤسّساته، بات مُصَمَّمًا لخدمةِ مصالح فئةٍ قليلة على حساب الأغلبية. “أصحابُ الحظوة والنفوذ” يستغلّونَ نفوذهم لتحقيقِ مكاسب شخصية، مُستَخدِمينَ الثروة والسلطة وما تيسَّرَ من أدواتِ السيطرة والقهرِ المُقنًعِ للتأثير في القراراتِ السياسية والقضائية. هذه الاستنسابية تُكَرِّسُ نظامًا من العدالةِ المُزدَوِجة، حيث القانون يُطَبَّقُ بصرامةٍ على الضعيف، في حين يُمكِنُ للقوي تجاوزه بسهولة.

واقِعُ لبنان اليوم هو نتيجةُ سنواتٍ من الإهمال والفساد، والتي أدّت إلى بروزِ مفهومِ “الدولة غير الموجودة” بالمعنى الفعلي للمؤسّسات والقانون. الطريقُ نحو الإصلاح وإعادة بناء الدولة يبدو طويلًا وشاقًا، ولكن…

في ظلِّ الأزماتِ المُتتاليةِ التي تعصُفُ بلبنان، تبرزُ المُقارَنةُ مع الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي كمثالٍ صارخٍ على كيفيةِ تشكيلِ السياساتِ والقراراتِ وفقًا لمصالح الأقوياء، متجاهلةً في كثير من الأحيان مبادئ الحق والعدالة. تمامًا كما في هذه الهيئات الدولية (ورُغمَ الفارقِ بين المستوى الراقي لحَوكَمةِ انشطةِ هذه المؤسّسات والمستوى الهزيل لمفهومِ الحَوكَمة في لبنان)، حيث تتقدّمُ الرغبات السياسية والاستراتيجية للقوى العظمى على القانون الدولي وحقوق الإنسان، تَجِدُ مؤسّسات الدولة اللبنانية نفسها أسيرةً لإرادةِ أصحابِ النفوذ والقوة الذين يُحَجِّمون أو يُعثِّرون أيَّ تطوّرٍ قد يُهدّدُ سلطتهم المُطلقة. هناكَ تجمّعُ دولٍ نافذة وهنا تجمّعُ جماعات نافذة، والاثنان بدون رؤيا مُوَحَّدة لمستقبلهما. وبالقدر الذي لا يمكن معه اعتبار مؤسّسات الأُمم المتّحدة كمؤسّساتِ حكومةٍ عالمية، لا يُمكِنُ اعتبارُ دولةَ لبنان دولة.

إنَّ الهيبة والحياة الأخلاقية للمؤسّسات تظلُّ الركيزة الأساسية لأيِّ إصلاحٍ وتَقَدُّمٍ اجتماعيٍّ حقيقي. بغَضِّ النَظَرِ عن الأُطُرِ السياسيّةِ المُمكِنة لتفاهُمِ المجموعات اللبنانية المُختلفة كما تعقيدات الساحة السياسية الإقليمية والدولية، التي يستغلّها أصحابُ النفوذِ كستارٍ لاستمرار سطوتهم، يجب أن يتقدّمَ الالتزامُ بالمعايير الأخلاقية واحترام القانون على كلِّ اعتبار. هذا هو المَدخَلُ الصحيح للإصلاح الذي من شأنه أن يُعيدَ للبنان هيبته ويضعهُ على طريقِ التقدّمِ والازدهار.

إنَّ الدولةَ ومؤسّساتها هي المُعَبّرة عن إرادة شعبها من أجلِ تحقيقِ العدالةِ والمُساواةِ لجميعِ المواطنين، بدون النظرِ إلى مصالحِ القِلّةِ القويّةِ التي تسعى إلى الحفاظِ على وَضعِها الراهن. إعادةُ بناء هَيبة المؤسّسات وترسيخ مبادئ العدالة والأخلاقية فيها، يبقى السبيلَ الوحيد لخلقِ مُجتمعٍ مُستقرٍّ وآمنٍ ومُزدهر، يُحتَرَمُ فيه القانون ويُعتَبَرُ العدلُ أساسَ الحُكم وكلَّ تطوّرٍ مُحتَمَلٍ نحو العالم الجديد.

د. بيار بولس الخوري ناشر الموقع

يُعد الدكتور بيار بولس الخوري أكاديميًا رئيسيًا وباحثًا بارزًا يتمتع بخبرات واسعة في الاقتصاد السياسي وسياسات الاقتصاد الكلي وإدارة التعليم العالي. يشغل حاليًا منصب أمين سر الجمعية الاقتصادية اللبنانية واكاديمي رئيسي في الجامعة الاميركية للتكنولوجيا، وسبق له العمل كخبير اقتصادي في عدة بنوك مركزية عربية، كما تخصص في صناعة السياسات المالية بمعهد صندوق النقد الدولي في واشنطن العاصمة. ​تتنوع إسهاماته الأكاديمية والتقنية بصفته أستاذًا زائرًا لتكنولوجيا البلوك تشين بجامعة داياناندا ساغار في الهند ومستشارًا في الأكاديمية البحرية الدولية. ألّف الخوري أربعة كتب دولية حول تحولات اقتصاد التعليم العالي، ونشر أكثر من 40 بحثًا علميًا محكمًا، مما يجعله مرجعًا في قضايا مبادرة الحزام والطريق وتداعياتها الجيوسياسية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط. ​أسس الخوري منصات معرفية رائدة تشمل مركز السياسات والاستشراف المعرفي (مسام)، وموقع الملف الاستراتيجي، وموقع بيروت يا بيروت المخصص للمعرفة وأسواق العمل. كما أطلق بودكاست "حقيقة بكم دقيقة" لمناقشة القضايا الراهنة، وشارك في تأليف سلاسل بحثية هامة تناولت صراعات حوض المتوسط والتحولات السياسية في لبنان عام 2019. ​يظهر الخوري كصوت مؤثر في مئات المقابلات الإعلامية العربية والدولية، حيث يحلل أزمات الاقتصاد اللبناني والإقليمي، ويكتب مقالات رأي في صحف كبرى مثل النهار والجمهورية وأسواق العرب اللندنية. تتركز جهوده حول إصلاح السياسات الكلية ومكافحة الفساد، بالإضافة إلى تطوير التعليم العالي وربطه باحتياجات سوق العمل الحديثة. ​يمتلك الخوري خبرة تقنية رائدة في دمج تطبيقات البلوك تشين في قطاع الأعمال، وقدم تدريبات دولية متخصصة لوزارة الخارجية النيجيرية وشركات في بانغالور. بالاضافة لمسيرة تمتد لثلاثين عامًا في التدريب مع مؤسسات كبرى كشركة نفط الكويت ومنظمة "أوابك". يجمع الخوري بين العمق الأكاديمي والاستشراف العملي كخبير اقتصادي موثوق في العالم العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى