الاحدثفلسطين

تحية إلى جوليا بطرس .. و إلى المسيحيين الأحرار | بقلم السفير رشاد فراج الطيب

كتبت في مقال سابق عن تأثير الكلمة والأغنية في التحريض علي النضال ضد الاحتلال .. واشرت
إلى  أغاني السيدة فيروز لزهرة المدائن القدس العتيدة ، وإلى الثائرتين الجميلتين اللتين نادتا الملايين في أغنية الشعب العربي وين .. الشرف العربي وين .. وين الملايين .
وفات علي من دون قصد أن أذكر ثالثة الجميلات وربانة الأغنية جوليا بطرس برمزيتها الفنية الكبيرة وكونها مسيحية ، وقد دفعني الاستدراك أن أسطر هذا المقال لألقى حزمة من الضوء علي دور المسيحيين الأحرار الساطع في مناهضة الاحتلال والظلم منذ حلول النكبة ، وبخاصة أهل الفن والإبداع منهم فلم يكونوا الأكثر ولكنهم كانوا الأجمل والأبقى أثرا في الوجدان العربي الجمعي كونهم اعادوا تعريف الفن بوصفه موقفا وليس لحنا ولا شهرة .
فتحية إلى السيدة جوليا والدكتورة سعاد الصباح كاتبة الأغنية .
في زمنٍ التبست فيه المفاهيم ، وارتبكت فيه المواقف ، وتبدّلت فيه البوصلة عند كثيرين ، فقد بقى صوتٌ أصيل نقيّ ، واضحٌ في صدقه ، صلبٌ في موقفه … هو صوتُ المسيحيين الأحرار في فلسطين ولبنان وسوريا ، أولئك الذين آمنوا أن الإيمان الحق لا يكون إلا حيث تكون الحرية والعدالة ، وأن كلمة الله لا تُرفع إلا بوجه الظلم والاحتلال .
 وتحية إلى كل مسيحيٍّ عربيٍّ حرٍّ حمل همّ فلسطين في قلبه ، ودافع عن كرامة الأمة في وجه الغزاة .
منذ أن دنس الاحتلال الإسرائيلي أرض القدس وبيت لحم والناصرة ، وقف المسيحيون الفلسطينيون موقف الشهود الأمناء على الحقيقة . لم يساوموا على الأرض ، ولم يبدّلوا عقيدتهم في العدالة . قالوا بوضوح في وثيقة كايروس فلسطين (2009) : “الاحتلال خطيئة ضد الله والإنسان ، والمقاومة واجبٌ مقدس ضد الظلم .”
وخرج المطران د. عطا الله حنا رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس  يقول من قلب القدس : “ نحن لا ندافع عن المسيحيين فقط ، بل عن كل الفلسطينيين ، لأن الظلم لا يميّز بين مسلمٍ ومسيحي ، ولأن الوطن واحد ، والدم واحد ، والمصير واحد .”
هكذا فهم المسيحيون في فلسطين رسالتهم أن يكونوا ضمير الأرض المقدسة ، وأن يقولوا لا للاحتلال باسم الله والإنسان معًا .
وفي لبنان ، حيث تتجاور الطوائف كما تتعانق الأجراس والمآذن ، لم يكن موقف المسيحيين أقل نقاءً أو وضوحًا . من الكنائس إلى الجامعات ، ومن المنابر إلى الساحات ، صدح الصوت المسيحي الرافض للاحتلال والعدوان .
 وقالت الكنائس اللبنانية الكبرى ببيانها : “لا سلام بلا عدل ، ولا عدل مع احتلال .”
ووقفت شخصيات فكرية وروحية وفنية في طليعة الرافضين للتطبيع ، مؤمنة بأن الدفاع عن فلسطين هو دفاع عن معنى الإيمان نفسه . ومن رحم هذا الوعي ، وُلد صوت الإبداع  المسيحي ، الذي جعل من الفن نشيدًا للمقاومة ، ومن الأغنية منبرًا للكرامة .
ولم تكن جوليا وحدها في هذا الميدان ؛ فقد سبقتها السيدة فيروز بصوتها الذي رفع من القدس نشيد “زهرة المدائن” ، ورافقها مارسيل خليفة الذي لحّن قصائد محمود درويش فحوّل الشعر إلى سلاح . وغنّى زياد الرحباني وجوزيف صقر للحقيقة ضد الزيف ، وكتب أنسي الحاج والياس خوري وسعيد عقل وبول شاوول نصوصًا تسكن الوجدان العربي دفاعًا عن القدس والإنسان . ومن فلسطين ، صدح صوت ريم بنا من الناصرة وهي تغنّي للأرض والكرامة .
ومن سوريا دريد لحام ونهاد قلعي وغيرهم .
إن الموقف المسيحي الحر في فلسطين ولبنان وسوريا ليس موقفًا سياسيًا عابرًا ، بل موقف لاهوتي وإنساني عميق يستند إلى جوهر العقيدة المسيحية ذاتها ، التي ترى أن الله هو  العدل ، وأن مقاومة الظلم ليست خروجًا عن الإيمان ، بل تحقيق له والمسيحيون الأحرار اليوم هم أولئك الذين تاقوا إلى العدالة ، وعطشوا إلى الحرية ، فصاروا شهودًا على الحق الإلهي في وجه الباطل الصهيوني .
المسيحيون العرب ليسوا مجرد وجود في جغرافيا الوطن العربي فحسب ، بل هم في قلبه وروحه وضميره الحيّ . من القدس إلى بيروت ، ومن الناصرة إلى جبل الكرمل ، ومن دمشق إلى جبل لبنان ، يجسّدون وحدة الموقف العربي والإسلامي في أسمى معانيها ، حيث يلتقون ويتحدون في ميدان العدل والمقاومة .
هذا الموقف المسيحي الصادق يُضفي على الصوت العربي والإسلامي الرافض للاحتلال بعدًا أخلاقيًا وإنسانيًا وحضاريًا وكونيًا ، لأنه يُظهر أن القضية ليست صراع أديان رغم ان لها بعدا دينيا ، بل صراع بين الحق والباطل ، بين العدل والاستكبار ، بين الحرية والهيمنة .
وفي مقابل هذا النقاء ، تقف ما تُسمى بـ “الصهيونية المسيحية” ، التي شوّهت القيم الإنجيلية ، وحرّفت الرسالة السماوية لتبرّر القتل والاحتلال باسم الله . تلك المعتقدات الفاسدة التي “ ما أنزل الله بها من سلطان ” تحاول أن تُضفي شرعية زائفة على العدوان الإسرائيلي ، فتدعم الاستيطان والتهجير والإبادة باسم “ وعدٍ إلهي ” كاذب .
 لكن الموقف المسيحي العربي الحر يفضح هذا الزيف ، ويُعيد للمسيحية وجهها المشرق الذي علّم الإنسانية أن الحق لا يُشترى ، والعدالة لا تُستبدل بسلامٍ زائفٍ يبني على القهر والاستبداد .
ايها المسيحيون الأحرار في فلسطين ولبنان وسوريا والوطن العربي ، أنتم لستم شهودًا على التاريخ ، بل أنتم صانعوه . أنتم البرهان أن العروبة ليست دينًا ، بل هوية تجمع الإيمان بالإنسان ، والكرامة بالحرية ، والسماء بالأرض .
التحية لجوليا بطرس التي الهمتنا هذا المقال وهي تغني :
غابت شمس الحق ..
صارت دنيا خوف
والناس تنام وتحلم ..
والعدو معروف ..
ياوطني مافي شييء بيهزك ،
طول مافي شمس بتضوي .. وناس بتحبك .
ونهديها من الغناء السوداني ليوسف الموصلي أبياتا تقول :
دي الشمس لوطال غيابا..
مابتقصد تابا تطلع ..
بس بتتأخر شويه .

السفير رشاد فراج الطيب السراج

السفير رشاد فراج الطيب السراج. دبلوماسي. وباحث مهتم بالشؤون الدولية والتحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وأفريقيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى