الاحدثفلسطين

حماس وبقرة بني إسرائيل | بقلم السفير رشاد فراج الطيب

كل قوى العالم الظالمة تضغط اليوم على حركة حماس، حتى كثير من أولي القربى، وكأنهم تداعوا على إطفاء شعلة المقاومة والتحرير. ومع ذلك، فإن حماس — وإن فقدت السند المادي والسياسي الدولي — ما زالت تستمد قوتها من الله وحده، ثم من ضمير الشعوب الحرة المحبة للسلام والمؤمنة بحق الشعوب في الحرية والاستقلال.

ولكن، يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.

البيان الذي أصدرته حماس بشأن موقفها من خطة الرئيس ترامب و كما وصفه المحللون اتسم بذكاء سياسي بالغ ودهاء محسوب، إذ جاء رفضاً في ثوب الموافقة؛ فهو “نعم” تحمل في طياتها “لا” كبيرة.

فالبيان لم يكن شيكاً على بياض، بل نصاً دبلوماسياً محكماً بلغة تشبه لغة القرآن حين قال: «الا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة».

لقد توقع واضعو الخطة، أو لعلهم تمنوا، أن ترفض حماس المبادرة رفضاً قاطعاً، لتصبح في الزاوية، ويتخذوا من موقفها ذريعة لتوجيه الضربة القاضية للمقاومة والقضية معاً.

لكن حماس فاجأتهم حين قالت: “نعم نوافق”، ثم علّقت موافقتها على سلسلة من الأسئلة الجوهرية التي جعلت من الخطة نفسها رهينة للتفاصيل.

فقد رهنت حماس التنفيذ بالإجابات الدقيقة عن الكيفية والزمن وآلية التطبيق، واشترطت أن يكون التفاوض حول كل بند بمشاركة الفصائل الفلسطينية والدول العربية والإسلامية والجهات الدولية ذات الصلة، لأن القضية ليست شأناً حمساوياً خالصاً، بل هي قضية شعب بأكمله، محمية بعشرات القرارات الدولية.
أرادوا من حماس أن تقول “لا”، فواجهتهم بـ “نعم المشروطة”، وجعلتهم أمام مأزق سياسي ودبلوماسي. حتى المهلة التي منحوها — اثنتان وسبعون ساعة للرد — انقلبت عليهم حين استخدمتها حماس لإظهار استحالة تنفيذ المطالب منطقياً.

فمن أبرز البنود مثلاً: إطلاق سراح الأسرى اليهود، أحياءً وأمواتاً، خلال 72 ساعة.

وقد ردت حماس بواقعية: “نوافق من حيث المبدأ، ولكن عملياً لا يمكن ذلك وسط الدمار المستمر والحرب المشتعلة في القطاع، لأن البحث عن المفقودين والمدفونين تحت الأنقاض يحتاج إلى وقت وتنسيق واتفاق شامل على تبادل الأسرى بإشراف أطراف عدة.”
أما بند تسليم السلاح، فقد أجابت حماس بدهاء: “نوافق، ولكن أي سلاح تقصدون؟ الهجومي أم الدفاعي؟ فالسلاح الدفاعي حق تقره الشرائع الدولية.”
ثم تابعت قائلة: “لقد أعلنت إسرائيل أنها دمّرت 90% من قدراتنا الهجومية، فأين هو هذا السلاح الذي تريدون استلامه؟”
وأضافت: “سنسلم السلاح — إن وُجد — إلى الدولة الفلسطينية، لا إلى السلطة الفلسطينية.”

وهنا تكمن المفارقة، لأن الخطة ذاتها لم تحدد ما المقصود بـ “الجهة ” التي ستتسلم السلاح. وهكذا جعلت حماس من كل بند معركة تفسير جديدة.

إن البنود العشرين للخطة تحتاج إلى تفصيل وتفاوض وإشراك أطراف متعددة: من الأمم المتحدة إلى الدول العربية والإسلامية، مروراً بالقوى الدولية التي ستشارك في مراقبة التنفيذ. وكل ذلك يستلزم قرارات وتفاهمات جديدة، وربما يجرّ الملف كله إلى مجلس الأمن من جديد.

لقد أدركت قيادة حماس المخضرمة أن هذه الخطة الملعونة ليست سوى شرك صهيوني جديد، فقررت أن تواجهه بسياسة “لون البقرة” التي تشابهت على بني إسرائيل؛ أي بتكثير الأسئلة والتفاصيل حتى تغرق الخطة في بحرٍ من المداولات، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

لقد فهمت حماس اللعبة جيداً، وواجهتها بلعبة سياسية أذكى. وإن كان كيد بني إسرائيل قديماً في سحرهم ومكرهم، فإن الله الذي جعل لعصا موسى سلطاناً على سحرهم، قادر على أن يجعل لأهل غزة فرجاً ومخرجاً.

(ولن يجعل الله للكافرين علي المؤمنين سبيلا).

السفير رشاد فراج الطيب السراج

السفير رشاد فراج الطيب السراج. دبلوماسي. وباحث مهتم بالشؤون الدولية والتحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وأفريقيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى