ازمة لبنانالاحدث
في حضرة الغياب: دولة منهكة وزعيم حاضر | بقلم جان زغيب

منذ عقود طويلة، أصبحت الزعامة في لبنان أكثر من مجرّد موقع سياسي أو تمثيل شعبي. تحوّلت إلى أسلوب حياة، إلى عادة اجتماعية متجذّرة، إلى طقس يومي يشبه الصلاة، لكنها بلا خلاص. في كل بيت، هناك من يُشبَّه بزعيم؛ في كل حيّ، صورة لرجل يُلقّب بـ”البيّ”؛ في كل طائفة، شخص يُقدَّم على أنه الحامي والضامن والمُنقذ. لكنها كلها ألقاب تخفي وراءها فراغًا هائلًا، ووعودًا لا تتحقّق، وخطابات مكرّرة لم تعد تُقنع حتى أصحابها.
صرنا نُصفّق للزعيم لأنه يوزّع الحصص، لا لأنه يحقق العدالة. ننتخبه لأنه يوفّر “الخدمة”، لا لأنه يحمي حقوقنا. نُدافع عنه لأنه يُمثّل “أهلنا”، لا لأنه يُجيد إدارة الدولة. لكن عندما تقع المصائب، ونسأل عن القضاء، عن الوظائف، عن التقاعد، عن المدرسة الرسمية، عن خطة الكهرباء، عن معاشات الناس، عن أي شيء حقيقي وملموس… لا نجد أمامنا إلا صور الزعماء المعلقة على الجدران، تراقبنا ببرودة، كما لو أنها تعتذر عن غياب الدولة.
المشكلة أننا لا نُحبّ الزعيم بصدق. نحن فقط اعتدنا عليه. النظام ربّى فينا هذه العادة، وعلّمنا أن نحتمي بشخص لا بمؤسسة، أن نُراهن على النفوذ لا على القانون، أن نطلب الوساطة لا الحقوق. لقد أُضعف المواطن عمدًا، حتى صار يشعر بأن وجوده مرتبط ببقاء زعيمه، لا بفعالية دولته. وهذا التعلّق ليس حبًا، بل خوف. ليس ولاءً، بل عجز.
نحن نربّي أبناءنا على الخضوع لا على النقد. نطلب منهم أن يلتزموا بـ”الصف”، لا أن يخرجوا إلى الساحات. نُكرّس فكرة الزعامة في المناهج، في الإعلام، في الحفلات المدرسية، حتى لا يعود بالإمكان تخيّل حياة بدونها. كأنّ الزعيم قدرٌ لا يُناقش، كأنّ غيابه كارثة، وكأنّ النظام الذي يبقيه في الواجهة هو أفضل الممكن.
لكن هذا ليس صحيحًا. ما نحتاجه ليس زعيمًا جديدًا بوجهٍ ناعم أو بخطاب مختلف. ما نحتاجه هو دولة لا تخاف من الكفاءة، ولا تتحصّن خلف الولاءات. نحتاج إلى قضاء لا يخشى الأسماء الكبيرة، إلى إعلام لا يرفع السقف فقط عندما يُسمَح له، إلى مواطن يرفض أن يكون تابعًا لغير القانون.
لا دولة تُبنى على صور. ولا شعب يحيا في ظل الزعامة ويظلّ حرًا. الزعيم، أيًّا كان، يجب أن يكون حالة مؤقتة في نظام دائم، لا العكس. فالزعامات تمرّ، لكن الدولة إن وُجدت، تبقى.




