“فَرَح” كمال جنبلاط: حين يكتب السياسي بمِداد الصوفي | بقلم فاروق خداج

مقدمة: اكتشاف الوجه الخفي للزعيم
حين صدر ديوان «فَرَح» عام 1973 عن «دار نوفل» في بيروت، لم يكن مجرّد حدث أدبي عابر، بل كشفًا عن بُعدٍ آخر من شخصية كمال جنبلاط (1917-1977)، الزعيم السياسي المعروف في لبنان والعالم العربي. فالرجل الذي ملأ الساحات بمواقفه الوطنية والفكرية، ظهر هنا بصورة الشاعر الصوفي، البعيد عن ضجيج السياسة، المتأمّل في الموت والحياة والوجود بلغة الروح وشفافية البصيرة. فجأةً بدا أن السياسة، بكل صخبها، لم تكن سوى جزء من شخصية أرحب وأعمق.
الديوان الوحيد: نافذة على العالم الروحي
“فَرَح” هو الديوان الشعري الوحيد الذي نشره جنبلاط في حياته، ما يمنحه فرادةً مضاعفةً بين كتبه. وبعد اغتياله عام 1977 ظهرت نصوص أخرى مثل «وجه الحبيب»، لكنها أقرب إلى التأملات النثرية الفلسفية منها إلى الشعر الموزون. لذلك يظل «فَرَح» النافذة الأوضح إلى عوالمه الداخلية، والمفتاح لفهم بُعده الروحي العميق. وقد عبّر جنبلاط نفسه عن تجربته قائلاً: «أنا لا أدّعي أنني شاعر… فنحن لا نصنع الشعر، بل هو الذي يُصنع فينا»، مشيرًا إلى البعد الإلهامي في تجربته.
بين الوزن والنثر: ثنائية الشكل والتعبير
يضم الديوان قصائد موزونة اعتمدت على تقاليد الشعر العربي، إلى جانب نصوص نثرية انطلقت بحرية أكبر. هذه الثنائية تعكس حاجته إلى موسيقى الإيقاع من جهة، وإلى الانسياب الروحي من جهة أخرى. فالإيقاع المنتظم كان وسيلته للإنشاد والطقس، بينما سمح له النثر بكشف التجربة الصوفية بلا قيود. وقد لاحظ النقاد وجود كسور إيقاعية في بعض القصائد، لكن جنبلاط آثر إبقاءها كما وردت، انسجامًا مع رؤيته بأن الشعر ليس صناعة بل انبثاق لحظة وحي.
“الفَرَح” كمفارقة وجودية: فلسفة التجلي
يتخذ «الفَرَح» في الديوان معنى يتجاوز المألوف: فرح يولد من رحم الألم، ويتحوّل إلى طاقة كونية تتصالح مع الموت لا كنهاية، بل كاستمرار. في قصيدة «الموت المستحيل» يقول:
“أموتُ ولا أموتُ، فلا أُبالي،
فهذا العُمرُ من نَسجِ الخَيالِ”.
هذا البيت يختصر فلسفته في تجاوز الثنائيات: الحياة والموت، البداية والنهاية. إنها رؤية تتجذّر في الفكر الصوفي الشرقي، حيث يُنظر إلى الموت كعبور إلى حياة أوسع، وهو ما يذكّر بالنصوص الهندية القديمة التي تأثر بها جنبلاط.
مقدمة نعيمة: شهادة الأديب المخضرم
قدّم ميخائيل نعيمة الديوان عام 1973، فرأى فيه شعاعًا صوفيًا صادقًا، وأشار في الوقت نفسه إلى «الكسور والقطوع» في بعض القصائد. لكنه أعرب عن إعجابه بإصرار جنبلاط على إبقاء النصوص كما نزلت عليه، كتجلٍّ مُلهَم لا يقاس بمقاييس الصناعة الشعرية. وقال عنه: إن جنبلاط ينتمي إلى طينة شعراء يتخطّون حدود الوزن والقافية ليبلغوا جوهر الشعر، حيث المعنى أعمق من الشكل.
القراءة النقدية: استعارات كونية ورؤى فلسفية
عاد النقاد لاحقًا إلى «فَرَح»، فوصفوا جنبلاط بأنه «شاعر الاستعارات القصوى». ففي الديوان تتراكم صور الشمس والكواكب ومسارات الضوء، لا كزخرفة بل كتعبير عن وحدة الكون بالنفس البشرية. وتكرار رمزية الشمس والدخان يشي بتأثره العميق بالفلسفات الشرقية، حيث تمثّل الشمس الحقيقة الكبرى، فيما يرمز الدخان إلى ارتقاء الروح نحو المطلق.
التصوف: جوهر الديوان
التصوف في «فَرَح» ليس فكرة مطروحة، بل تجربة وجدانية حيّة، تذكّر بنصوص الحلاج وابن عربي. ففي مواضع يقترب جنبلاط من الشطح الصوفي، وفي أخرى يتجلّى حكيمًا يلخّص رؤيته بعبارات موجزة. وهو يقرّ بذلك قائلاً: «النقص في شعري هو مني ومن كثافة ذهني، أما الجميل فهو منه»، في إشارة إلى المصدر الإلهي للإلهام.
جنبلاط الموسوعي: بين السياسة والتصوف والفن
يصعب اختزال كمال جنبلاط في كونه سياسيًا فقط. فإلى جانب دوره القيادي، كان مفكرًا موسوعيًا كتب في الطب والاجتماع والفلسفة، وخاض في التجارب الروحية بعمق. ويأتي «فَرَح» كخلاصة شعرية لهذه الشخصية المتعددة، التي وصفها الصحفي عزت صافي بأنها مزيج من «فيلسوف من عقل أثينا، وحكيم من روح الهند، وقائد من بسالة سبارطة».
خاتمة: إرث شعري يتجاوز الزمان
«فَرَح» ليس محطة عابرة في حياة زعيم سياسي، بل هو إعلان هوية كبرى ورؤية كونية، يحاور بها القارئ في كل زمان ومكان. إنه نص يحوّل الألم إلى نور، والموت إلى استمرار، والفرح إلى قوة وجودية تنفتح على المطلق. وبفضل هذا البعد، يمكن اعتباره إضافة نوعية إلى الشعر الصوفي العربي الحديث، ونافذة استثنائية على عالم أحد أهم مفكري لبنان وقادته.
نشر المقال في “النهار” أولاً.




