الاحدثمراجعة كتب

كيف يُنظّر السيد مرتضى الشيرازيّ لـ”شورى الفقهاء”| مراجعة سلوى فاضل

نظرية شورى الفقهاء عند الشيعة رؤية سياسية إسلاميّة تقترح أن تكون إدارة شؤون الأمة وقيادتها في عصر غيبة الإمام المهدي عجل الله فرجه بيد الفقهاء المراجع المؤهلين، يجتمعون ويتخذون القرار المتعلق بالحكم والقضايا العامة، وألاّ تركز السلطة في يد فقيه واحد كما هو الحال في نظرية ولاية الفقيه المُطلقة لسبب أن السيد مرتضى الشيرازي من أبرز منظريّ هذه النظرية، حيث يرى أن الشورى-المرجعية أي شورى الفقهاء تحقق فوائد كبيرة على مسألة تحكيم إرادة الله بإرادة الأمة من خلال اختيار الفقهاء، وحفظ كرامة المرجعيّة وحقها في قيادة الأمة.

 


والمؤلف هو آية الله السيد مرتضى الحسيني الشيرازي من مواليد مدينة كربلاء المقدسة في العام 1965 وهو فقيه وأستاذ حوزوّي معاصر، ينتمي إلى عائلة شيرازي العلميّة وله مؤلفات ومحاضرات في الفقه، الأصول، والفلسفة، والسياسة الإسلامية والاقتصاد الإسلامي. يدرّس في الحوزة العلمية في النجف وله مؤلفات منشورة بعدة دور ومؤسسات نشر متخصصة.

 

أما النقاط الرئيسة لشورى الفقهاء، فهي: مجموعة القيادة: تقوم بنظام الحكم على أساس الهيئة أو مجلس الفقهاء المجتهدين والمراجع، وليس فقيهاً واحداً.

 

وشروط الفقيه: حيث يشترط في الفقيه الذي ينضم إلى الشورى أن يكون مجتهداً وفقيهاً، ومستنبطاً للأحكام، وعادلاً، وعارفاً بالدين، وكفؤاً وقادراً على إدارة دفّة الحكم. أما اختيار الأمة لبعض منظرّيها هو اختيار الأمة للفقيه، وأن يصدق عليه مرجع التقليد عرفاً، أي أن يكون له مقلدون، بحيث يحظى بثقة الناس.

 

أسباب معارضة ولاية الفقيه المُطلقة: تتعارض نظرية شورى الفقهاء مع نظرية ولاية الفقيه المطلقة، التي ترى أن صلاحيات الحاكم الشرعي يجب أن تُحصر في فقيه واحد جامع للشرائط برغم أنه أحد النواب العامين للإمام المعصوم، ولا تتطلّب المشورة في القضايا الولائيّة، بينما مجلس شورى الفقهاء لا ينبثق إلا من مجلس الشورى والقيادة الجماعيّة في إدارة شؤون الحكم.

 

دليل الشورى: يستدل القائلون بالشورى عموماً، سواء شورى الفقهاء أو شورى الأمة، بالأدلة الشرعيّة والعقلية، مثل الآيات القرآنية الداعيّة إلى الشورى مثل(وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ). والأحاديث والروايات التي تأمر بمشاورة ذوي الرأي واتباعهم، كقول الإمام الكاظم عليه السلام: “يا هشام مشاورة العاقل الناصح بركة ورشد وتوفيق من الله، وشارك العاقل الناصح فإياك والخلاف، فإن في ذلك العطب”، ومثل الاستدلال بقاعدة دفع الضرر المحتمل.
فـ”شورى الفقهاء” نموذج لحكم الفقهاء الخبراء في عصر الغيبة، حيث يقومون بقيادة الأمة ولمؤسسات الدولة، ويتم اختيارهم من قبل الأمة لثقتها بهم، ويتشاورون في المسائل العامة والسياسات الكبرى ولا يبتّون فيها إلا بأكثرية الآراء.

 

الفصول

يتألف الكتاب-الدراسة الذي بين أيدينا من أبواب عدة، الأول يحوي ثمانيّة فصول مطوّلة تفصيليّة، أما الباب الثاني فيتألف من ستة فصول، مع خاتمة وهوامش تفصيليّة مع مقدمة عن المؤلف، وهذا كله في الجزء الأول من الكتاب (500 صفحة بطباعة جلدية مرتبة بقياس كبير في جزء أول يتبعه أجزاء أخرى).
هو كتاب تخصصّي علميّ غير شعبيّ، يصعب على القارئ العادي فهمه نظرًا لتناوله قضايا فقهيّة مختصة بالأحكام الشرعيّة الصادرة عن الحاكم الشرعي.

والحاكم الشرعي هو الفقيه المجتهد العالم الذي يدير شؤون الأمة الإسلاميّة في الأمور الحياتيّة العامة، لاسيما أن الفقه الإسلامي الشيعي يتناول كافة تفاصيل عيش المسلم منذ ما قبل الولادة حتى الوفاة. وكان دومًا للشأن السياسي الشيعي في البلاد التي سكنوها وعاشوا فيها وعملوا فيها دورًا مهمًا وبارزًا، وخاصّة ما بعد انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران في العام 1979.

وقد اختلف الفقهاء الشيعة حول شكل الحكم الإسلامي في ظلّ غيبة القائم عجل الله فرجه، فكانت النظريات الفقهيّة الشرعيّة متنوعة ما بين نظريات “شورى الفقهاء، وشورى الأمة، ونظرية ولاية الأمة على نفسها، ونظرية ولاية الفقيه الجامع للشرائط، وولاية الفقيه الخاصّة، وولاية الفقيه العامة.. وهنا ميزة الفقه الشيعي الاجتهادي الذي لم يقفل الباب على الاجتهاد في ظلّ الغيبة، بل فرضٌ على المسلمين الشيعة الإيمان بإمام الزمان، وإلا اعتبر إيمانهم باطلًا وماتوا ميتة الجاهليّة بحسب الحديث الشريف.

ففي الباب الأول يتناول العلامة السيد مرتضى الشيرازي تحت عنوان “في الاستدلال بالكتاب الحكيم والسنّة المُطهرّة والعقل على الشورى الاشكالات والأجوبة حولها.

وعنوان الكتاب الكامل غالبًا يُذكر: “شورى الفقهاء والقيادات الإسلامية – دراسة أصولية فقهية”. يتخذ الكتاب موقفًا منهجيًا لإثبات وجوب الشورى وتطبيق مبدأ العمل برأي الأكثرية في مستويات القيادة الإسلامية المختلفة كقيادة الأمة، أو قيادة حزب، أو قيادة عشيرة، أو حتى مؤسسة مدنيّة…

فالهدف الأساس من الدراسة هو تقديم برهان أصولي وفقهي ومنهجي على أن الشورى واجبة ومطلوبة، وأنه من اللازم العمل برأي الأكثرية في مسائل القيادة والعمل الجماعي بعد استيفاء شروط مُعينة.

 

المنهج

يقسّم السيد الشيرازي بحثه إلى مباحث أصولية وفقهية: تعريف الشورى، أدلتها من النقل والعقل، وشروطها، وحدود تطبيقها، وعلاقة الشورى بمؤسسة الفقيه والقيادة الدينية، وإشكالات عمليّة مثل: ما حدود تفويض الفقهاء؟.

لجأ السيد الشيرازي إلى الدمج بين المنهجين العقلي والنقلي مع استعمال الأدلة الأصوليّة دلالة التنبيه والإيماء والإشارة والاقتضاء وغيرها، واستعمال الاستنباط الفقهي والتحليل المنطقي، مع إشارات تاريخية وأمثلة تطبيقيّة. وقد اعتمد على نصوص قرآنيّة ونقليات وروايات مسندة إلى أهل البيت إضافة إلى استدلالات عقليّة أصوليّة. كما عرّف “الشورى”. وعرض للأدلة على حجيّة الشورى كالنصوص القرآنية والسلوكية عن أهل البيت، والدلالات الأصوليّة.

وقد اعتمد المؤلف على أسلوب تحليلي أصولي: يقدّم نصوصًا نقلية، يوضّح مراتب الدلالة، ويستخدم القياس المنطقي لبيان مدى تكيّف الأدلة مع نظرية الشورى في سياق الفقه الشيعي المعاصر. كما يزوّد الباحث بأمثلة عمليّة واستطرادات تطبيقيّة حول تفعيل الشورى. وهو كتاب “قَيِّم” ومهم لمن يهتمّ بعلاقة الفقيه بالمجتمع وإشكالية الشورى في الفقه المعاصر.

 

نقاط القوة

أما نقاط القوة فأهمها وضوح الهدف مع منهجية أصوليّة وعرض لأدلة تتناغم بين النقل والعقل. وقدّم توصيات قابلة للتطبيق في المؤسسات الدينية. أما نقاط الضعف فهي الاعتماد على إطار أصولي قد لا يقنع القرّاء أصحاب اتجاه سياسي محدد أو ممن يؤمن بنظرية”ولاية الفقيه” في الحكم، لذا يحتاج التطبيق العملي إلى دراسات موّسعة. وهو كتاب مهّم لطلاب الحوزة في مادة الأصول والفقه السياسي. والكتاب ضروري للمهتم بمقارنة نماذج الحكم الإسلامي ولصانعي القرار في المؤسسات الدينية التي تسعى لمشاركة أهل الخبرة والرأي وإقرار الاستقرار والسلم الأهلي.

 

خاتمة

“شورى الفقهاء” لمرتضى الشيرازي كتاب يُعالج قضية مركزية في فقه السياسة الإسلامية أي كيف تجمع الشريعة بين دور الفقيه ومسألة مشاركة الأمة- المؤسسات في الاختيار والإدارة؟ ويعرض لأدلة أصوليّة وفقهيّة تصبّ في تأكيد أهمية الشورى والعمل برأي الأكثرية مع ضوابط فقهيّة وعمليّة. هو قراءة مفيدة لمن يريد فهم موقف معاصر داخل الفقه الشيعي من بنية الحكم ومواكبة قضايا الحُكم والمساءلة الشعبيّة والمؤسساتيّة.

سلوى فاضل، صحفية لبنانية

سلوى فاضل صحفية لبنانية منذ العام 1996_ دبلوم دراسات عليا بالفلسفة من الجامعة اللبنانية..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى