ازمة لبنانالاحدث

لا “جُمعة عَظيمة” مع “حزب الله” | بقلم د. بيار الخوري

شَهدَ النقاشُ حول “حزب الله” ومحاولات مُقارنته بالجيش الجمهوري الإيرلندي أكثر من محطّة، أبرزها مقالة صدرت في العام 2010 عن مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات، وأُخرى جديدة نشرتها صحيفة “فايننشال تايمز” في آب (أغسطس) 2025 الحالي تحملُ العنوان نفسه “حزب الله ليس الحزب الجمهوري الإيرلندي” (Hezbollah is not IRA). في الأولى، كانَ الهدفُ الرئيس تَفنيدَ التشبيه الذي شاعَ آنذاك بين التَجرِبَتَين، عبر الإشارةِ إلى أنَّ “حزب الله” ليس حركةً محلّية تسعى إلى تحسين شروطها داخل النظام السياسي فحسب، بل هو جُزءٌ من منظومةٍ إقليمية تُديرها إيران، وأنَّ الفصلَ بين جناحه العسكري والسياسي وَهمٌ لا أساسَ له.

شدّدَ الكاتبُ في حينه على أنَّ أيَّ تصوُّرٍ لنزعِ السلاح لا يُمكِنُ أن يتمَّ عبرَ مفاوضاتٍ سياسية طَوعِية على غرارِ ما جرى في إيرلندا الشمالية، بل إنَّ الحزبَ اللبناني سيبقى مُتمسِّكًا بسلاحه لأنه أداةٌ استراتيجية بيد طهران، وأنَّ الحديثَ عن إدماجه كحزبٍ سياسي عادي يغفلُ طبيعة تكوينه.

أما في مقالة “فايننشال تايمز” الحديثة، فنجدُ مُعالجةً أكثر التصاقًا بالواقعِ اللبناني الراهن. فمع تعرُّضِ الحزب لضرباتٍ موجعة، من اغتيالاتٍ وخسائر في خطوطِ الإمداد بعد انهيارِ النظام السوري، ومع تزايُدِ عزلته، جاءَ القرارُ الحكومي التاريخي بتكليفِ الجيش اللبناني وَضع خطّة لنزع سلاحه. لكن رُغمَ هذه التطوّرات، خلص المقال إلى أنَّ النزع الكامل للسلاح لا يزالُ مُستبعدًا، لأنه مُرتَبطٌ ببنية إقليمية أكبر تتجاوز حدود لبنان.

الكاتب هنا شدّدَ على أنَّ الحلَّ لا يشبه “اتفاق الجمعة العظيمة”، الذي أنهى نزاع إيرلندا الشمالية (برعايةٍ أميركية)، فالحزبُ ليس كيانًا محلّيًا يُمكنُ احتواؤه ضمنَ تسويةٍ داخلية، بل طرفٌ في صراعٍ إقليمي أوسع. لذلك جرى اقتراحُ مُقاربةٍ مزدوجة تقوم على احتواءٍ عسكري يوازيه ضغطٌ قضائي ومالي، مع تعزيزِ خدمات الدولة في البيئة الشيعية لكسر احتكار الحزب لدورِ المزوّد الأساسي للاحتياجات.

المقالتان إذن تتقاطعان في رَفضِ إسقاط التجربة الإيرلندية على “حزب الله”، لكنَّ الفارق بينهما يكمنُ في زاوية النظر. في العام 2010 كان التركيزُ على التنبيه إلى خطورةِ المقارنة الخاطئة، وإبراز البُنية العضوية للحزب مع إيران، واندماج جناحَيه السياسي والعسكري.
في المقابل، مقالة ال2025 تقرأُ المشهد من زاوية التحوُّلات التي عرفها لبنان بعد عقدٍ ونصف، وتطرحُ أنَّ الدولة باتت تُحاولُ عمليًا انتزاعَ بعض السيطرة، وإن بقيت الحدود والتدخّلات الإسرائيلية والتشابكات الإقليمية عائقًا أمامَ أيِّ مسارٍ كاملٍ لنَزعِ السلاح.

وبين النَصَّين يظهرُ تطوُّرُ النقاش: من تحذيرٍ أكاديمي وسياسي ضد “الوَهم” في 2010، إلى محاولةِ استشرافِ سيناريوهات واقعية للتعامل مع “حزب الله” في 2025، بما يعكسُ انتقال النقاش من التشبيه النظري إلى البحث عن أدواتٍ عملية لاحتواء الحزب وموازنة نفوذه.

ينشر المقال بالتزامن مع أسواق العرب.

د. بيار بولس الخوري ناشر الموقع

يُعد الدكتور بيار بولس الخوري أكاديميًا رئيسيًا وباحثًا بارزًا يتمتع بخبرات واسعة في الاقتصاد السياسي وسياسات الاقتصاد الكلي وإدارة التعليم العالي. يشغل حاليًا منصب أمين سر الجمعية الاقتصادية اللبنانية واكاديمي رئيسي في الجامعة الاميركية للتكنولوجيا، وسبق له العمل كخبير اقتصادي في عدة بنوك مركزية عربية، كما تخصص في صناعة السياسات المالية بمعهد صندوق النقد الدولي في واشنطن العاصمة. ​تتنوع إسهاماته الأكاديمية والتقنية بصفته أستاذًا زائرًا لتكنولوجيا البلوك تشين بجامعة داياناندا ساغار في الهند ومستشارًا في الأكاديمية البحرية الدولية. ألّف الخوري أربعة كتب دولية حول تحولات اقتصاد التعليم العالي، ونشر أكثر من 40 بحثًا علميًا محكمًا، مما يجعله مرجعًا في قضايا مبادرة الحزام والطريق وتداعياتها الجيوسياسية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط. ​أسس الخوري منصات معرفية رائدة تشمل مركز السياسات والاستشراف المعرفي (مسام)، وموقع الملف الاستراتيجي، وموقع بيروت يا بيروت المخصص للمعرفة وأسواق العمل. كما أطلق بودكاست "حقيقة بكم دقيقة" لمناقشة القضايا الراهنة، وشارك في تأليف سلاسل بحثية هامة تناولت صراعات حوض المتوسط والتحولات السياسية في لبنان عام 2019. ​يظهر الخوري كصوت مؤثر في مئات المقابلات الإعلامية العربية والدولية، حيث يحلل أزمات الاقتصاد اللبناني والإقليمي، ويكتب مقالات رأي في صحف كبرى مثل النهار والجمهورية وأسواق العرب اللندنية. تتركز جهوده حول إصلاح السياسات الكلية ومكافحة الفساد، بالإضافة إلى تطوير التعليم العالي وربطه باحتياجات سوق العمل الحديثة. ​يمتلك الخوري خبرة تقنية رائدة في دمج تطبيقات البلوك تشين في قطاع الأعمال، وقدم تدريبات دولية متخصصة لوزارة الخارجية النيجيرية وشركات في بانغالور. بالاضافة لمسيرة تمتد لثلاثين عامًا في التدريب مع مؤسسات كبرى كشركة نفط الكويت ومنظمة "أوابك". يجمع الخوري بين العمق الأكاديمي والاستشراف العملي كخبير اقتصادي موثوق في العالم العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى