ازمة لبنانالاحدث

لبنان لن يقوم إلََّا بدولة واحدة وبخطاب وطني مُوحََّد | بقلم العميد المتقاعد د. عادل مشموشي

يمرُّ لبنان اليوم بمنعطفٍ خطيرٍ قد يكون الأصعبُ في تاريخِه الحَديث، يُهدِّدُ كيانَهُ كدولةٍ حُرَّةِ ذاتِ سيادَة. هذا الوضعُ هو نتاجُ تحوُّلاتٍ جذريَّة على المستويات الدوليَّة والإقليميَّة والمحليَّة.

 

فعالَمِيًا، نحن في مرحلَةٍ انتِقالِيَّةٍ مُضطَرِبَةٍ تُشبه حربًا بارِدَةً، على غرار ما شهدناه في ثمانيناتِ القرنِ الماضي، بين مُعسكرين: غربي بقيادَةِ الولاياتِ المُتَّحِدةِ الأميركيَّة ومن خلفِها حِلفُ الناتو، وشَرقي ثُنائي القِيادةِ تتزعَّمُهُ الصين وروسيا مجتمعتين ومن خلفَهُما ما تبقى من نُظُمٍ اشتِراكِيَّة. تبدو ملامحُ هذهِ المُنافَسَةِ في صِراعاتٍ بالوكالة تدور حاليًّا في أوكرانيا والشرق الأوسط وأميركا اللاتينيَّة. وقد تفاقمت تأثيراتها مؤخَّرًا على لبنان نتيجةَ هشاشةِ الوضعِ العربي حالِيًّا، وانشِغالِ الدُّولِ العَرَبِيَّةِ بشؤونِها الدَّاخِلِيَّةِ واستِقرارِ أنظِمَتِها، وإعادةِ ترتيبِ أولويَّاتِها، بينما  يَسعى كل من إسرائيل وإيران لترسيخِ دورِهما كقُوَّةٍ إقليمِيَّةٍ مِحورِيَّة.

 

لقد أدَّت التَّطوراتُ العسكريَّةُ الأخيرة، التي جاءت كردَّةِ فعلٍ على عَملِيَّةِ طوفانِ الأقصى، إلى إحداثِ خَلل في فادحٍ في موازين القِوى، وأعطَت الأولوِيَّةَ لِحلولِ القُوَّةِ على حِسابِ الدُّبلوماسِيَّة. وتُرجِمَ ذلك بتَصاعُدِ الاحتِقانِ في غزَّةَ كما على امتدادِ حدود لبنان الجنوبيَّة، حيثُ تحوَّلت إلى ساحَةٍ ملائمةً لتبادُلِ الرَّسائلِ والضُّغوط.

 

مَحلِّيًّا، يُعاني لبنان من انقِسام حادٍّ حول مفهوم سيادةِ الدَّولةِ واحتكارِ السِّلاحِ واستِعادَةِ المؤسَّساتِ الدُّستورِيَّةِ لدورِها الفاعِل في عمليَّةِ إعادة البناء والنُّهوضِ الاقتِصادي. ويُعزى هذا الانقِسامُ الحادُّ إلى عجزِ لبنان كدولةٍ، على مدى العقود الثلاثة الماضِيَة، عن صياغَةِ سياسَةٍ وطنِيَّةٍ مُتماسِكَةٍ تحمي مَصالِحَه العُليا.

 

هذا التشرذُم الداخلي يُعرِّضُ لبنان للغَطرسَةِ الإسرائيليَّة، سياسيًا وأمنيًا، وسطَ ضُغوطٍ دولِيَّةٍ مُتزايدَةٍ وحِوار سياسيٍّ داخِلي شبه معطَّل أو عَقيم. بحيث يظهرُ لبنانَ للمُجتمعِ الدَّولي بصورة دولةٍ عاجزةٍ وفاشِلَة، لعدم قُدرته على اتخاذ قرار سياديٍّ موحَّد أو على التَّحكُّمِ بقرارِ الحربِ والسِّلم، ولفشلِهِ في احتِكارِ السِّلاح بيدِ مؤسَّساتِ الدَّولةِ الشَّرعِيَّة. ذلك أن الدَّولة التي لا تَحتَكِرُ القُوةَ المُسلَّحَةَ ولا تملِكُ قرارَ الحربِ والسِّلمِ تُعتبَرُ فاقِدَةً للأهلِيَّةِ الدَّوليَّة، وبالتالي شبه دولة، كونها تفتقدُ إلى المِصداقِيَّة، التي تجعلها غير أهلٍ للتَّفاوضِ ككيان دوليٍّ ذي سيادَة.

 

هذه الحقيقَةُ المُرَّةُ يجب أن تستوعِبُها جميعُ المُكوِّناتِ السِّياسِيَّةِ اللبنانيَّة، وفي مقدِّمَتِها حِزبُ لله، الذي زَجَّ نفسَهُ ولبنانَ في تَحالُفاتٍ وصِداماتٍ إقليمِيَّةٍ تفوقُ طاقةَ لبنان على تحمُّلِ أوزارِها. ومسؤولو الحزب اليوم، بدل أن يراجِعوا حِساباتِهِم على ضَوءِ النتائجِ التي أسفرت عنها الحربُ الأخيرَةُ مع إسرائيل، يُلقونَ باللَّومِ على الدَّولَةِ ويتنصَّلونَ من تبِعاتِ خَياراتِهِم العسكريَّة التي كلَّفت لبنان خسائرَ بشَريَّةٍ ومادِّيَّةٍ جسيمَة، ويُصرّون على احتِفاظِ الحزبِ بسِلاحِهِ الذي كشفت الحربُ الأخيرَةُ عدمَ فعالِيَّتِه، ولا يتورَّعون عن تخوين كلِّ من لا يماشيهم في موقفهم المُتعنِّت.

لقد كشفَت الأيامُ الأولى من الحرب هشاشَةً أمنِيَّةً واستِخباراتِيَّةً لدى الهيكليَّةِ العسكريَّةِ للحزبِ كما لدى مِحورِ الممانعة ككل، والذي بدى عاجزًا عن خَوضِ حربٍ مَفتوحَةٍ على جَبهاتٍ مُتعدِّدَة، الأمرُ الذي مَكَّن إسرائيلُ من تقويضِ قُدُراتِ مُكوِّناتِه تِباعًا. وهذا يدعو للإقرار، ولو على مَضض، أن الحُروبَ والتَّضحِياتِ الجِسامِ التي قدِّمت لم تُحقِّق مَكاسِبَ حَقيقِيَّة بل هزائمَ غير مُعلنَة، ولم تُغيِّرِ المُعادلَةِ التي كانت قائمةً قبل نُشوءِ مِحورِ المُقاومَة/ الممانعة، كما بينت أن مَقولاتِ «الرَّدعِ وتوازُنِ الرُّعبِ» ما هي إلَّا شِعاراتٌ واهِيَةُ بعيدةٌ عن الواقِع. لقد استنزَفَت تلك الحُروبُ لبنان كما باقي مكوناتِ المِحور، وكرَّسَت في النِّهايَةِ التَّفوُّقَ العَسكري الإسرائيلي على نحوٍ غير مسبوق، وشوَّهَت صُورَةَ الدَّولَةِ اللبنانيَّة دولِيًّا، بحيث بدت كيانًا سِياسِيًّا عاجِزًا عن بسطِ سُلطتِه، مما جَعلَها عُرضَةً للكثيرِ من الانتقادِ والابتزازِ والضُّغوط.

 

لقد حرم انخراطُ لبنان في مَحاورَ إقليميَّةٍ من المِظلَّةِ العربيَّة التي كانت تُوفِّرُ له سابقًا دعمًا سياسِيًّا واستِثماريًّا ودبلوماسيًّا، خاصَّةً في صِراعِهِ مع العدو الإسرائيلي، وتُساعِدُهُ على الصُّمودِ في وجهِ الأزَمات.

 

عملَ حزبُ لله على تغليبِ ارتباطِ المكون الشيعي في لبنان بإيديولوجيَّةِ الثَّورةِ في إيران على حِسابِ ارتباطهم العضوي بالأمَّةِ العَربِيَّة، وجعله عرضةً للتَّخبُّطِ في ازدواجيَّةِ الانتماء(إيديولوجي عقائدي وانتِساب قانوني وطني) رغم تعارُضِ ذلك مع أبسطِ المُسلَّماتِ الدُّستوريَّة والمَعاييرِ الدَّولِيَّة، وقد فتحَ هذا ارتباطُ الباب على مِصراعَيهِ للتَّدخُّلِ الإيراني في الشُّؤون اللبنانيَّة، وألقى بلبنان في ساحةِ الصِّراعاتٍ الإقليمِيَّة. فانتُزِعَ من السُّلطةِ في لبنان قرارُ الحربِ وأضحَت السَّاحةُ اللبنانيَّةُ ورقَةَ مُساومَةٍ في يدِ قوَّةٍ إقليميَّةٍ لها تطلُّعاتِها الخاصَّة، ما أفقدَ السُّلُطاتِ اللبنانيَّةِ سيادتها كما حَرَمَها من هامِشَ المُناورَة.

 

لبنانُ اليوم في مأزقٍ ثلاثي الأبعاد: يرزحُ ما بين مِطرقَةِ الاعتِداءاتِ الإسرائيلِيَّةِ اليومِيَّة وسندان الإملاءات الدبلوماسيَّة الأمريكيَّة المتدرِّجَة تصاعُديًّا، وضغوطٍ دوليَّةٍ جانبيَّةٍ تُلِحُ على اتِّخاذِ إجراءاتٍ سِيادِيَّةٍ حاسِمَة. لكن الأخطر من ذلك هو الانقِسامُ الدَّاخِلي والخِطابُ السِّياسِيُّ المبني على الانتِقادِ الجارِحِ الخالي من بدائلَ عمليَّة، والذي يحِدُّ من قَدرتِه على الصُّمودِ في وجهِ تلك التَّحدِّيات، ويزَعزِعُ ثِقَةَ المُجتمَعِ الدَّولي بمِصداقِيَّةِ الدَّولَةِ اللبنانيَّةِ ككُل، وبمدى قُدرَتِها على الوفاءِ بتَعهُّداتِها.

 

ورغم المَشهدِ القاتِم، نرى أنه لم تزل هناك فرصَةٌ سِيادِيَّةٌ حقيقيَّةٌ للبنان، ولكِنَها مَشروطَةٌ بالانتِقالِ من منطِقِ إدارَةِ الأزماتِ بردَّات فِعل مُرتجلَة، إلى تبني خياراتٍ استراتيجِيَّةٍ جَريئة. فتَحقيقُ الاستِقرارِ الأمني على حُدودِهِ الجَنوبِيَّةِ لم يعد مَطلَبًا لبنانيًا فقط، بل أصبحَ حاجًةً دولِيَّةً وإقليمِيَّةً مُلِحَّة. كما أن حصرَ السِّلاح بيد الدولة ليس إملاءً خارجيًا، بل مطلبٌ لبنانيٌّ جَوهَري. وأن تفرُّدِ الدَّولةِ بقرارِ الحربِ والسِّلم هو مسألةٌ سِيادِيَّةٌ دُستورِيَّةٌ تكفلها المواثيق الدوليَّة. وأن هذا الوضعُ المُستجَدُّ بعلَّاتِه يَمنَحُ الدَّولَةَ هامِشًا تفاوضيًّا، إن أحسنت استثماره برؤية وطنيَّة مُتماسِكَة، رؤيَةٌ تُعالِجُ أسبابَ الصِّراع لا أعراضَه، وإن اعتُمِدت توفِّرُ حلًّا مُستدامًا يضمنُ تثبيت الاستقرارِ الأمني ووقفِ الاعتداءات الإسرائيليَّة.

 

هذا الحل الإطاري، يقومُ على جُملَةٍ من المُرتكزاتِ أهمُّها:

أ ـ التزام صريح من قيادة حزب لله بالانضواء تحت سقف مؤسَّسات الدولة الدستوريَّة والأمنيَّة، والامتناع عن أي عمل عسكري خارج إطار قراراتها الرَّسمِيَّة، وتَسليمِ قرارِ الحَربِ والسِّلمِ للسُّلطَاتِ الدُّستوريَّة كشرط أساسي لاستِعادَةِ السِّيادَةِ والثِّقَةِ الدَّولِيَّة. عندها يصبحُ بإمكانِ الدَّولَةِ المُطالبَةُ بضماناتِ حِمايَةٍ دوليَّةٍ فِعليَّة.

ب ـ قيام الحزب بعمليَّة انكِفاءٍ مُنظَّمٍ من الجنوبِ والبِقاعِ الغربي نحو البقاع الشَّمالي، يُنفَّذُ بالتَّزامُنِ مع انسِحابٍ إسرائيليٍّ كامِلٍ من الأراضي اللبنانيَّة المُحتلَّة، تحت مُراقبَةٍ دولِيَّةٍ وضمانات مَكتوبَةِ تمنَعُ الاعتِداءاتِ الإسرائيليَّةِ المُستقبلِيَّة.

ج ـ تَسليمُ جميعِ التَّنظيماتِ اللُّبنانِيَّةِ وغير اللبنانيَّةِ جميعُ أسلِحتِها للدَّولَة، وحظرِ أيِّ نَشاطٍ عَسكرِيٍّ أجنَبِيٍّ على الأراضي اللبنانيَّة، جمعُ الأسلِحَةِ الفردِيَّةِ المُتفلِّتَةِ من جميع المقيمين على الأراضي اللبنانيَّة. وهذا الإجراءُ ليس بمسألة تِقنِيَّةٍ استعراضيَّةٍ كونه جوهرُ قيامِ الدَّولةِ واستِعادَةِ سُلطَةِ القانون فيها.

د ـ على المُستوى الدولي، ينبغي الانتقالُ من بياناتِ الإدانةِ والشَّجبِ والاستنكار إلى تبني ضماناتٍ تنفيذِيَّة فاعلة، عبر اعتمادِ آلِيَّاتِ مُراقَبِةٍ فاعلةٍ ومستدامة، قادرَةٍ على رصدِ أي خَرقٍ إسرائيلي، وربطه بعقوباتٍ سِياسِيَّةٍ ودبلوماسِيَّةٍ مُحدَّدة، بحيثُ تُوفِّرُ حِمايَةً فِعلِيَّةً للبنان.

ه ـ استكمالُ علميَّةِ ترسيمِ الحُدودِ البريَّةِ بحيث تصبِحُ نهائيَّةً، وتعزيز الإجراءاتِ عليها من الجانبينِ لِسَدِّ أيَّةِ ذَرائعِ أمنيَّةِ ولتكريسِ الحُقوق.

و ـ ربطُ الاستِقرارِ السِّياسِي والأمني بالبُعدِ الاقتِصادِي الاستراتيجي، على نحوٍ يمكِّنُ لبنان من استِغلالِ ثَرَواتِهِ النَّفطِيَّةِ والغازِيَّةِ في إطارٍ سِياديٍّ وقانوني، ويكون بمثابةِ رافِعَةٍ للنُّهوضِ من الأزماتِ الاقتِصادِيَّةِ والاجتِماعِيَّ المُحدِقَة.

هذه المُقارَبَةُ وإن كانت بمثابةِ استجابةٍ لتمنياتٍ دوليَّة، إلَّا أنها ليسَت استِسلامًا، بل خيارًا عَقلانِيًّا يَستَنِدُ إلى منطِقِ الدَّولَةِ والمَصلَحَةِ الوَطنِيَّةِ العُليا، ويأخُذُ في الاعتِبارِ المُتغيِّراتِ الأخيرَة. لبنان لا يملكُ ترفَ خوضِ حروب جديدة، لكن لديه ما يكفي من عناصِرِ القُوَّةِ سياسيًّا وقانونِيًّا ودبلوماسِيًّا، تًمَكِّنُهُ في حالِ أحسنَ استِغلالها من تَحقيقِ استِقرارٍ أمني لطالما افتقد له خلالَ القَرنِ الفائت.

 

هذا الخيار ليس نتاج مفاضلةٍ بين المقاومَةِ والدَّولَة، بل بين إبقاءِ لُبنانَ ساحَةً مُستباحَةً للصِّراعاتِ الخارِجِيَّة، وبين تَحوُّلِهِ إلى دولَةٍ سَيدَةٍ حُرَّةٍ قادِرَةٍ تحوزُ على ثقةِ الأُسرَةِ الدَّولِيَّة. لبناننا اليوم بأمسِّ الحاجةِ لمثلِ هذه الرُّؤيَةِ والتي أرى ثمَّةَ فرصَةً حقيقيَّةً أخيرَةً لوضعِ لبنانَ على سِكَّةِ الحُلولِ السِّيادِيَّةِ الحَقيقِيَّة، علينا أن نعملَ جاهدين على عدمِ تفويتها.

 

إن خَلاصَ لبنانَ واللُبنانيين لن يكون إلَّا بدولَةٍ واحِدَة، وسُلطَةٍ دُستورِيَّةٍ واحِدَة، وسِلاحٍ شَرعِيٍّ واحِد، وخِطابٍ وَطنِيٍّ واحِدٍ موحِّد يوثَقُ به داخِلِيًّا وخارِجيًّا.

العميد الدكتور عادل مشموشي

عادل مشموشي محامي وعميد سابق في قوى الأمن الداخلي، حائز على دكتوراه في الحقوق، متخصص في القانون الجزائي لديه مؤلفات عدة: -ضمانات حقوق الخصوم ما قبل المحكمة -ضمانات حقوق الخصوم خلال المحاكمة أمام مختلف المحاكم الجزائية -الإرهاب (مفهومه أسباب ايديولوجياته أطر مكافحته) المخدرات (ماهيتها؟ أنواعها، إساءة التداول بها، أطر مكافحتها) - جرائم المعلوماتية - إدارة الأزمات والكوارث- التخطيط الستراتيجي. لديه عدد من الأبحاث القانونية والأمنية منها: -تببيض الأموال - محاكمة الرؤساء والوزراء -التحقيق الاول - الدفاع المشروع -المسؤولية الجزائية للهيئات المعنوية - جرائم الشخص المعنوي -المحرض -عقوبة الإعدام شارك في العديد من الندوات والمؤتمرات الإقليمية والدولية ذات العلاقة في شؤون أمنية - قانونية. تولى رئاسة قطعات أمنية تعنى بمكافحة الجرائم المنظمة ومكافحة الفساد•

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى