ازمة لبنانالاحدث

من الريعية المالية إلى الريعية الهشّة: قراءة نقدية للاقتصاد اللبناني بعد الانهيار | بقلم د. جنان جهاد قاسم

مقدمة
لطالما اعتمد الاقتصاد اللبناني على النموذج الريعي وعلى رأسها الريع المالي والريع الخارجي والريع العقاري مما جعل مصادر الدخل خارج القطاع الانتاجي وساهم في انهيار الاقتصاد منذ عام 2019 بعد ارتفاع معدلات التضخم وتآكل سعر الصرف والتراجع في الناتج المحلي الاجمالي.

الإطار النظري: النموذج الريعي بين النجاح والفشل
يعتمد الاقتصاد الريعي على عوائد غير انتاجية فلا يساهم في اي صناعة او زيادة في الانتاجية ولا ينتج عنه صادرات تنافسية لذلك قدرته محدودة في مواجهة الصدمات الخارجية.

وبحسب الادبيات الاقتصادية فان الاعتماد على النموذج الريعي له نتائج مختلفة بين دولة واخرى تبعا لعوامل مختلفة. فمثلا في النرويج يستخدم النموذج الريعي مع التنويع الاقتصادي والاستثمار في راس المال البشري اضافة الى وجود شفافية عالية وحوكمة رشيدة واعتماد على العوائد النفطية كمصدر مهم للنمو المستدام. والامر مشابه في الامارات العربية المتحدة من حيث اهمية الايرادات النفطية وتنويع قاعدة الانتاج خاصة في قطاع الخدمات المتقدمة اضافة الى الاعتماد على السياحة والنقل والاقتصاد المعرفي. اما في ظل ضعف المؤسسات وغياب التنويع الاقتصادي فالاعتماد المفرط على النموذج الريعي يؤدي الى تقلبات حادة في النمو وزيادة معدلات البطالة اضافة الى زيادة الهشاشة في مواجهة الصدمات الخارجية وهناك عدة دول مثل نيجيريا، فنزويلا، والجزائراظهرت نموذج اقتصادي هش وغير قادر على تحقيق نمو مستدام بسبب الاعتماد على الريعية. ولكن تؤكد الدراسات السابقة ان الريعية يحد ذاتها لا تؤدي الى الفشل الاقتصادي الا في حال لم تترافق مع اصلاح مؤسسي وسياسات عامة ذات جودة عالية وتنويع هيكلي.

 

لبنان كنموذج ريعي غير نفطي
ساهمت الريعية في لبنان بجذب الرساميل والحفاظ على سعر الصرف وتمويل عجز الدولة الا ان هذا النموذج جعل البلد يرتهن للتدفقات الخارجية مع اهمال القطاعات الانتاجية والاعتماد بشكل اساسي على تدفقات ريعية خارجية من تحويلات المغتربين الى تدفقات رؤوس الاموال اضافة الى اعتماده على القطاع المصرفي والانشطة العقارية فهذا البلد الذي يعد مثالا على الاقتصاد الريعي غير النفطي حقّق معدلات نمو ظاهرية خلال فترات معينة وأظهر نموذج هش امام الصدمات الخارجية لاسيما الازمات المتفرقة وكان ابرزها الازمة المالية عام 2019 حين انهار النظام المالي والنقدي عندما توقفت التدفقات الريعية في ظل ضعف القطاعات الانتاجية.

ما هي آليات الفشل الاقتصادي للنموذج الريعي اللبناني؟
اولا: بنية انتاج مشوهة
ان اعتماد النظام الريعي على تحويلات المغتربين وتدفقات رؤوس الاموال قصيرة الاجل والعقارات والمصارف على حساب القطاعات المنتجة ادى الى زيادة الاستيراد وتفاقم العجز التجاري اضافة الى تراجع القدرة التنافسية للصادرات وضعف القيمة المضافة المحلية وبالتالي نمو اقتصادي غير مستدام. شكل هذا النمط الهش سببا للاانهيار الشامل في النمو بعد توقف التدفقات عام 2019 .

ثانيا: تحالف الدولة-المصارف
ان وجود علاقة تبادلية بين الدولة والمصارف تسمح للدولة بتمويل عجزها عبر الاقتراض من المصارف وتسمح للمصارف بتحقيق ارباح دون تمويل الاقتصاد الحقيقي بدل من توجيه التمويل الى القطاع الخاص المنتج، هذا التحالف خلق نظاما يعيد انتاج الدين بدل التمويل بهدف تحقيق النمو.

ثالثا: السياسة النقدية الريعية
ان ما يعرف بالهندسات المالية ساهم في تعزيز الارباح الريعية واخفاء الخسائر الحقيقية للنظام المالي، ناهيك عن تثبيت سعر الصرف لفترة طويلة مما شجّع الاستيراد بدل تحفيز القطاع الانتاجي المحلي الذي يجلب الاحتياطات الاجنبية بدل استنزافها بسبب الاستيراد.

رابعا: غياب سياسة صناعية واضحة
ان استخدام الريع كغاية بحد ذاته بدل من اعتباره مرحلة انتقالية لبناء اقتصاد متنوع يخلق اقتصاد هش تغيب عنه السياسات الصناعية والزراعية والتنموية وتغيب عنه الاستثمارات الفعالة المنتجة وهذا ما حصل في لبنان. فوجود اقتصاد ريعي غير متنوع أضعف المرونة الاقتصادية وادى الى غياب القدرة على مواجهة الصدمات.

ترافق هذا النموذج مع الزبائنية السياسية والمحسوبيات وضعف الشفافية وضعف المؤسسات وادى النموذج الى تآكل الطبقة الوسطى وارتفاع معدلات الفقر والبطالة وتعميق اللامساواة الاقتصادية والاجتماعية.

 

الأزمة المالية لعام 2019 كلحظة انكشاف بنيوي
انكشف النموذج الريعي بعد الازمة المالية والنقدية عام 2019 فقد أدى التوقف شبه الكامل للتحويلات المالية قصيرة الاجل والتدفقات النقدية الخارجية الى الانهيار الكبير للنظامين المالي والنقدي. فقد فقدت العملة المحلية حوالي 95% من قيمتها بين عامي 2019 و 2022 وتقلص الناتج المحلي الاجمالي من 55 مليار دولار الى ما دون 25 مليار دولار ناهيك عن تراجع الاحتياطيات الاجنبية لدى مصرف لبنان. كل هذا أدى الى ازمة اقتصادية كبيرة شهدتها البلاد حيث ارتفعت معدلات الفقر اكثر من 70% وانهارت القدرة الشرائية للاجور بأكثر من 80%.

 

ما حال النموذج الريعي بعد الازمة؟
لم تختف الريعية بعد الازمة فبعد ان كانت منظمة اصبحت اكثر هشاشة واكثر عرضة للصدمات حيث تجلت في عدد من المظاهر على رأسها دولرة الاقتصاد حيث ان اكثر من 70% من المعاملات الاقتصادية اصبحت تجري بالدولار، وشكلت تحويلات المغتربين 30% من الناتج المحلي الاجمالي ناهيك عن المساعدات الدولية وتوسع الاقتصاد غير الرسمي الذي يضعف الايرادات العامة.

غاب الوسيط المصرفي بعد عام 2019 وتم استبداله بالسيولة النقدية واستمر الاستيراد رغم انهيار سعر الصرف وتراجع دور الدولة على الصعيد الاقتصادي مع غياب الاصلاحات الهيكلية والسياسات الزراعية والصناعية.

 

ما هي آفاق ما بعد النموذج الريعي في لبنان؟

يحتاج النظام الاقتصادي في لبنان الى تحول بنيوي للخروج من الحلقة الريعية يشمل اعادة بناء القطاع المصرفي من خلال اسس انتاجية تدعم القطاع الخاص وتعزيز الشفافية والحوكمة ومكافحة الفساد. ويجب على الدولة ان تستعيد دورها كمحفز للاقتصاد وتعيد هيكلة المالية العامة والدين العام. ولا يجب ان نغفل عن اهمية اعتماد سياسات صناعية وزراعية وتشجيع التصدير لادخال العملات الاجنبية الى البلد. كل هذه الاصلاحات تدعم تحقيق نمو مستدام من اجل استعادة الدور اللبناني محليا ودوليا وانقاذ النموذج الاقتصادي الهش.

ختاما، يظهر النموذج اللبناني ان الريعية عندما تترافق مع حوكمة هشة ومؤسسات ضعيفة تعيد انتاج العجز واللامساواة لذلك من الضروري بناء مؤسسات قوية وشفافة وان يتم استثمار الريع في راس المال البشري. ولكن يجب التنويه ان التحدي البنيوي الذي يواجهه لبنان لا يقتصر على تجاوز الازمة المالية بل على اعادة بناء العلاقة بين الدولة والاقتصاد والريع. ومن اهم الاصلاحات الاستراتيجية التي يجب العمل عليها هو اعادة هيكلة الريع بدل الغاؤه وهذا يتجلى عبر تحويل مصادر الريع المتبقية الى ادوات استثملرية وعبر اليات توجيه واضحة عوضا عن استخدامها للاستهلاك.

د. جنان جهاد قاسم

جنان جهاد قاسم _دكتوراه في الاقتصاد، محاضرة في الجامعة وكاتبة اقتصادية ناشطة في المجال الإعلامي. أؤمن بأهمية نشر الوعي الاقتصادي وتعزيز الفكر النقدي حول القضايا المالية والتنموية. أسعى دائمًا إلى تقديم محتوى علمي مبسط وموثوق، بهدف تمكين الأجيال الجديدة من فهم التحديات الاقتصادية والمساهمة في بناء مستقبل مستدام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى