من انتخابات بلا تغيير إلى شرعية بلا مساءلة | بقلم المحامي د. باسكال ضاهر
مأزق السلطة في لبنان بعد الطائف

بالرغم من إقرار اتفاق الطائف منذ أكثر من ثلاثة عقود، ورغم خصوصية نظام الحكم في الجمهورية اللبنانية الذي يمكن اعتباره نظاماً متميّزاً يصعب تصنيفه ضمن الأطر التقليدية، إلا أنّ الممارسة السياسية في لبنان ما زالت تعكس انحرافاً بنيوياً عن المبادئ العامة للنظم الديمقراطية، ولا سيما في ما يتعلّق بتداول السلطة والخضوع للمساءلة.
ففي حين تتبدّل الحكومات وتتناوب الشخصيات السياسية على المناصب، تبقى مراكز القرار الحقيقية محصورة ضمن بنية سلطوية ثابتة تتقاطع فيها المصالح الطائفية والمالية. وهذا بالتحديد ما أدّى، ولا يزال يؤدي، إلى تراكم الأزمات في نظام الحكم، وانعكس سلباً على جميع المراكز الاقتصادية في الجمهورية، نظراً إلى عامل الترابط الواضح بين تلك العوامل كافة.
سنحاول في هذه الورقة تحديد مكامن إشكالية الخلل في بنية النظام وتفنيدها، توصّلاً إلى اقتراح حلول قد تُعيد الجمهورية إلى الوطن.
مفهوم مبدأ تداول السلطة
بدايةً، نؤكّد أنّ مفهوم تداول السلطة هو الركيزة الأساسية للنظام الديمقراطي، إذ ينطوي على انتقال فعلي لصنع القرار بين قوى سياسية متعدّدة، من خلال آليات دستورية قائمة على الانتخابات الحرة والمساءلة المنتظمة. غير أنّ هذا التداول لا يُقاس فقط بتبدّل الأشخاص، بل بمدى قدرة من يتبوأ السلطة على ممارستها بشكل مستقل وفعّال، وعلى مدى قدرته على تعديل السياسات العامة بمعزل عن أية قيود.
وضمن هذا السياق، يمكن اعتبار غياب التداول الفعلي والحقيقي مؤشراً على وجود أزمة أعمق، تطرح إشكالية تتمحور حول شرعية النظام بأكمله، ولا سيما أنّها تُفرغ الممارسة الديمقراطية من مضمونها.
انحراف الممارسة السياسية في الدولة اللبنانية
ففي حين أن اتفاق الطائف قد أحدث تحولاً في التوازنات الشكلية بين السلطات، إلا أنّ الممارسة لم تُفضِ إلى بناء دولة مدنية ذات مؤسسات فاعلة، بل عزّزت نظام المحاصصة الطائفية، وساهمت في ترسيخ شبكة مصالح اقتصادية وسياسية لا تخضع للمساءلة الفعلية.
ويُشار في هذا الإطار إلى أنّ هذه البنية تستعيد ما كان مقرراً لأنظمة الحكم المطلق الغابرة في التاريخ، والتي يمكن تلخيصها بمقولة “الملك يحكم وغير مسؤول” — L’État, c’est moi لويس الرابع عشر.
مع ذلك، لا يمكن إغفال أنّ النظام الطائفي قد يحمل بعض الإيجابيات إذا ما جرى التعاطي معه بعقلانية وبشكل طبيعي، وذلك في حال الاستفادة من الغنى الكامن في تعدّد مكوّنات المجتمع اللبناني المتنوّعة، دينياً وثقافياً واجتماعياً وسواها. ولا يكون ذلك ممكناً إلا بالخروج من بعض العناوين التقليدية، وعلى رأسها “حماية الأقليات”، والولوج إلى “دولة القانون”، بوصفها الدولة الوحيدة المخوّلة بذاتها حماية جميع المواطنين، من دون الحاجة إلى آليات طائفية. وهنا يُطرح تساؤل جوهري: ما هو المفهوم الحقيقي للسلطة في السياق اللبناني؟
من يمارس السلطة في لبنان؟
يتّضح من خلال دراسة الأنظمة السياسية في بلدان العالم الثالث، أنّ ثمة تمايزاً غالباً ما يُرصد بين “السلطة الدستورية” القائمة رسمياً في بلدٍ ما، وبين “السلطة الحقيقية” التي تمارس فعلياً عملية صنع القرار.
فمن جهة، يُحدّد الدستور الهيئات الرسمية التي تمتلك حق اتخاذ القرار، ويُرسي الإطار القانوني والمؤسساتي الذي يُفترض أن تُمارس من خلاله السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية والسياسية.
لكن من جهة أخرى، نجد أن السلطة الحقيقية غالباً ما تتمثّل في القدرة الواقعية – الخفية أحياناً – المولجة ليس فقط باتخاذ القرار، بل بفرض تنفيذه أيضاً، حتى وإن لم تكن آلياتها منسجمة مع الأطر القانونية أو المؤسسات الدستورية الرسمية.
ولا بد من الإشارة إلى أنّ السلطة الحقيقية تختلف من نظام إلى آخر، تبعاً لشبكة المصالح السائدة في كل دولة. أما في لبنان، فإن هذه السلطة تتجسّد في شبكات معقّدة من التحالفات الطائفية والسياسية والمالية، التي تمسك بمفاصل القرار، وتُعيد إنتاج ذاتها باستمرار، من خلال أدوات ظاهرها دستوري وديمقراطي، لكن جوهرها احتكاري.
كيف تحوّلت الانتخابات إلى وسيلة لإعادة إنتاج السلطة الحقيقية؟
تبرز التجربة اللبنانية كمثال عملي يوضح كيف يمكن للانتخابات أن تنحرف عن مفهومها الدستوري، الرامي إلى تعديل فعلي في مراكز القرار، أي في بنية السلطة الحقيقية، لتتحوّل إلى أداة تُستخدم لإعادة إنتاج هذه السلطة ذاتها، ولو بأوجه مستحدثة.
ذلك لأن القوى المهيمنة تحافظ على نفوذها من خلال قانون انتخابي مفصّل على مقاسها، متّصل بخطابات تعبئة تستغلّ الهويات الطائفية، وتُحيي قضايا معلّقة تُبقيها بلا حلول عمداً، ما يحول دون نشوء معارضة مدنية فعليّة قادرة على كسر الحلقة المفرغة.
كلّ ذلك يُساهم في تحويل العملية الانتخابية إلى أداة لإعادة شرعنة النظام القائم، بدلاً من أن تكون مدخلاً لتعديل سياسي حقيقي.
وهذا ما أدى إلى تآكل الإيمان الشعبي بالاقتراع كأداة للتغيير، وتحوّل حرية التعبير إلى أداة كاشفة لاختلالات النظام:
تآكل الإيمان الشعبي بالاقتراع كأداة للتغيير
أفضت عقودٌ من تراكم الأزمات، وانسداد الأفق السياسي، والاستنزاف الممنهج لجيوب المواطنين في ظل غياب المحاسبة، إلى نشوء وعيٍ عام مجتمعي مشوب باليأس تجاه جدوى العمل السياسي التقليدي، وفي مقدّمته الانتخابات.
فبفعل تكرار التجربة من دون نتائج ملموسة، تآكل الإيمان بالاقتراع كأداة تغييرية، وبات الاستحقاق الانتخابي يُنظر إليه كمجرد ممارسة فولكلورية شكلية، تُعيد إنتاج الطبقة السياسية نفسها، بدل أن تشكّل مناسبةً لإعادة بناء الشرعية السياسية.
وأمام هذا الواقع، باتت شريحة واسعة من اللبنانيين تنظر إلى الانتخابات كـ”طقس” سياسي فارغ من المضمون، لا يؤدي إلى أي تبدّل فعلي في السياسات أو في بنية السلطة، الأمر الذي يطرح إشكالية عميقة في العلاقة بين الشرعية الانتخابية والشرعية الفعلية للحكم.
تحوّل حرية التعبير إلى أداة كاشفة لاختلالات النظام
لم تعد حرية التعبير في لبنان مجرّد انعكاس لمدى ديمقراطية النظام، بل باتت تُشكّل أداة كاشفة لاختلال توازناته البنيوية. فالمساحة المتاحة للتعبير، وإن بدت رحبة ظاهرياً، تضيق بسرعة كلّما اقتربت من مراكز النفوذ الحقيقية، ولا سيّما تلك المرتبطة بملفات الفساد، أو بالتلاعب الاقتصادي، أو بما يُسمّى “جريمة العصر” في القطاع المصرفي، أو بشبكات الزبائنية الطائفية.
عند هذه النقطة، تتحوّل سلطات النظام الدستوري إلى أدوات ضغط وترهيب، تُسخَّر لخنق أي محاولة للوعي أو الصحوة المجتمعية، بدل أن تكون أدوات لإنفاذ العدالة.
وهكذا، لا تُمارَس حرية التعبير ضمن إطار محميّ قانوناً، بل تبقى رهينة التقدير السياسي والظرفي، ما يُضعف دورها كمكوّن جوهري في أي تداول ديمقراطي حقيقي للسلطة.
حلّ هذه الإشكالية يبدأ بتكريس مبدأ التداول، بوصفه المدماك الأساسي لبناء الجمهورية. إن استعادة وتكريس مبدأ تداول السلطة يقتضي إجراء إصلاحات بنيوية في النظام السياسي، منها على سبيل المثال لا الحصر:
اعتماد عقد اجتماعي جديد يؤسّس لدولة مدنية قائمة على المساواة الحقيقية في المواطنة، ويُعيد تحديد المفاهيم المتّصلة بالسلطة، باعتبارها وظيفة خاضعة للمساءلة، لا امتيازاً مكتسباً.
إقرار قانون انتخابي مدني نسبي يضمن تمثيلاً وطنياً عابراً للطوائف، ويكسر احتكار القرار السياسي وتوارثه.
تكريس استقلالية السلطة القضائية بما يضمن فصلها الكامل عن التدخّلات السياسية، وهو ما من شأنه أن يُتيح تفعيل المساءلة الفعلية.
تفعيل المؤسسات الرقابية الإدارية والمالية والمصرفية مع تعزيز صلاحياتها وضمان استقلاليتها الكاملة.
حماية حرية التعبير المسؤولة باعتبارها شرطاً أساسياً لتداول السلطة، على أن تُرافقها الضمانات القضائية اللازمة لصونها.
إن التداول الحقيقي للسلطة لا يتحقّق بمجرّد تبدّل الوجوه؛ فالتجربة اللبنانية تُظهر بوضوح أن السلطة لا تزال حكراً على بنية مغلقة تتوارث النفوذ، وتستمدّ استمراريتها من ضعف مؤسسات الدولة وتفشّي الزبائنية الطائفية.
من هنا، يبدأ الإصلاح البنيوي بإعادة الاعتبار لمفهوم سيادة الدولة القانونية، بوصفها الإطار الضامن لتفكيك منظومة الاحتكار السياسي والمالي، وتحقيق المساءلة، سواء عبر القضاء أو من خلال الانتخابات. وعندها فقط يُمكن إرساء تداول فعلي للسلطة، وتجديد الحياة الديمقراطية في لبنان على أسس سليمة ومستدامة.




