إيران بين الحصار وخيار المواجهة | كتب أكرم بزي

تمر إيران في هذه الايام بلحظة سياسية وامنية بالغة التعقيد، حيث تتشابك فيها الاضطرابات الداخلية الواسعة مع قرع طبول الحرب في الخارج، في ظل ما يوصف بانه اخطر تحد يواجه النظام منذ عقود، وتشير التقارير الميدانية اليوم، الى حالة من الهدوء الحذر في الشوارع بعد اسابيع من الاحتجاجات العنيفة التي اندلعت في اوائل الشهر الجاري، وبينما تفرض السلطات تعتيما شبه كامل عبر اطول انقطاع لخدمة الانترنت في تاريخ البلاد، تتوالى ارقام الضحايا من مصادر حقوقية ودولية تتحدث عن تجاوز عدد الضحايا حاجز 5000 شخص، وسط حملة اعتقالات طالت عشرات الآلاف، في حين تصف المصادر الرسمية ما جرى بانه اعمال شغب مدعومة من الخارج، وهو ما دفع القوات المسلحة الى اعلان رفع مستوى الاستعداد القتالي للدرجة القصوى والانتشار للدفاع عن البلاد حتى الموت.
وفي الشق العسكري والجيوسياسي، بلغت التوترات مع الولايات المتحدة ذروتها، اذ اعلن الرئيس دونالد ترامب ان “ارماذا” عسكرية ضخمة في طريقها الى المنطقة، حيث وصلت حاملة الطائرات “ابراهام لينكولن” ومجموعتها الضاربة من بحر العرب، تزامنا مع اعادة نشر مقاتلات ومنظومات دفاع جوي في القواعد المحيطة، ويهدف هذا الحشد الى توجيه رسالة ردع حاسمة لمنع طهران من المضي قدما في برنامجها النووي، اذ وضع ترامب مطالب صارمة تشمل الوقف الكامل للتخصيب وتفكيك منظومة الصواريخ الباليستية، وفي المقابل، حذر المسؤولون في طهران من ان اي اعتداء سيقابل برد شامل يجعل من مواجهات حزيران الماضي مجرد مناورات بسيطة، مؤكدين انهم سيعتبرون اي هجوم اميركي او اسرائيلي تهديدا وجوديا يستوجب ردا لا سقف له، حيث شددت القيادة الايرانية على ان ايران في جاهزية كاملة وستستخدم كل قدراتها لمواجهة اي عدوان، وان جميع القواعد الاميركية في المنطقة ستكون هدفا مشروعا.
تتعزز فرضية التدخلات الخارجية في المشهد الايراني الراهن عند النظر الى التزامن المريب بين التحركات العسكرية الاميركية وما جرى من اعمال شغب، حيث يرى مراقبون ان ما يجري هو امتداد مباشر لحرب حزيران الماضي التي فشلت في كسر ارادة طهران عسكريا، فتحولت نحو محاولة تقويضها من الداخل عبر استغلال الثغرات الاجتماعية والامنية، وهو مسار يخدم بالدرجة الاولى المصالح الاسرائيلية الساعية الى تحييد النفوذ الايراني باقل التكاليف، وفي خضم هذا التصعيد، برزت تساؤلات عميقة حول طبيعة التوازنات التي لجمت الانفجار الكبير، اذ تشير المعطيات الى ان تداخل المصالح الدولية الكبرى ووجود خطوط اتصال استراتيجية غير معلنة اسهمت في نزع فتيل مواجهة عسكرية كانت وشيكة، مما يعكس حرصا دوليا على منع الانزلاق الى حرب شاملة لا يمكن التنبؤ بتبعاتها على امن الطاقة العالمي.
اما على مستوى الاستعدادات التقنية، فقد هيات ايران نفسها عبر استراتيجية “الدفاع الطبقي”، حيث سعت لترميم منظوماتها الدفاعية الجوية من خلال ادخال تقنيات روسية وصينية متطورة، اذ تشير التقارير الى وصول منظومات صينية قادرة على رصد الاهداف الشبحية، تزامنا مع معطيات حول دمج منظومات “اس 400” الروسية ضمن شبكتها، كما ركزت طهران على الصناعات المحلية عبر تطوير منظومات دفاعية بمدى رصد ومناورة عال، وبالتوازي مع ذلك، عملت ايران على تعزيز ترسانتها الصاروخية والبحرية بوقود صلب ومكونات تقنية تزيد من سرعة المناورة والدقة، مما يجعل اي اختراق لجوها او بحرها مغامرة باهظة الثمن، وتهدف هذه التعزيزات الى خلق توازن ردع يمنع الخصوم من التفكير في عمليات جراحية او ضربات خاطفة، خاصة وان الايراني يعد العدة ويرمم قدراته منذ الخامس والعشرين من حزيران 2025.
وبالانتقال الى سؤال الجدوى، يبرز التساؤل حول احتمالات اندلاع حرب جديدة، وبينما تبدو كل الاحتمالات واردة، فان استعراض ما تم تجريبه لاسقاط النظام لغاية الآن يكشف عن تعقد المشهد، فقد فشلت الحروب بالوكالة في تحقيق هذا الهدف، كما اخفقت المواجهة المباشرة في كسر ارادة طهران، وتكرر فشل نموذج الثورات الملونة مرارا، وصولا الى نموذج سوريا الذي باء بالفشل ايضا، مما يترك المخططين امام خيارات ضيقة، فالحرب البرية الشاملة على غرار نموذج العراق تبدو مستحيلا عمليا، ليبقى الخيار الاكثر خطورة متمثلا في العمليات النوعية والاغتيالات التي قد تستهدف هرم السلطة، وهنا يبرز السؤال حول ما اذا كانت الفرصة متاحة فعليا للاميركي والاسرائيلي للوصول الى شخص المرشد الاعلى، وهو التحدي الذي يشكل المحك الحقيقي والمفصلي لايران في هذه المواجهة، فقدرة النظام على حماية رمزه الاول وتماسك جهازه الامني امام محاولات الاختراق النوعية ستحدد مصير البلاد والمنطقة لسنوات طويلة قادمة، في ظل رغبة قوى اقليمية كبرى في عدم اتاحة الفرصة لواشنطن وتل ابيب لتحقيق فوز سهل.
وبناء على افتراض ان واشنطن لا ترغب في التورط في حرب استنزاف مرهقة، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات للحشد العسكري الحالي، يتمثل الاول في توجيه ضربة عسكرية واسعة ومركزة تستهدف البنية التحتية والامنية لعدة ساعات او ايام قليلة فقط، تهدف لشل القدرات الهجومية والنووية ثم اعلان النجاح الفوري، مع اتخاذ تدابير دفاعية لمنع رد فعل ايراني واسع، اما السيناريو الثاني، فهو الذهاب نحو الضربة الجراحية للقيادة السياسية والامنية واعلان انتهاء المهمة فور تحقيق الهدف، وهو مسار يراهن على احداث شلل في اتخاذ القرار الايراني، بينما يبرز السيناريو الثالث كخيار يعتمد على استخدام التحشيد العسكري كمظلة لتصعيد عدوان اقتصادي وامني وتحريك للداخل، مع طرح شروط الرضوخ على النظام، وفي هذا الاطار، يكون دور الحشود العسكرية هو منع ايران من استخدام القوة للرد على الاجراءات غير العسكرية التي تمارس ضدها، وفي حال فشل هذا الضغط، تظل القوات جاهزة للانتقال نحو الخيارات العسكرية المباشرة.
ولا يمكن قراءة هذا المشهد بمعزل عن رد فعل القوى الحليفة ضمن ما يعرف بمحور المقاومة، اذ ان اي استهداف مباشر لطهران سيفجر الجبهات من المتوسط وصولا الى باب المندب، وتدرك واشنطن وتل ابيب ان سيناريوهات الضربة الجراحية او الواسعة لن تظل محصورة في الجغرافيا الايرانية، بل ستواجه ردا منسقا من الفصائل في العراق واليمن ولبنان، التي وضعت هي الاخرى اصابعها على الزناد بانتظار ساعة الصفر، مما يجعل من مغامرة اسقاط الرأس او شل القدرات الايرانية شرارة لحرب اقليمية كبرى، ان هذا التكتيك يعكس سياسة حافة الهاوية، حيث يكون الحشد العسكري هو بوليصة التأمين التي تتيح له خنق النظام بانتظار اللحظة التي يراه فيها مجبرا على الاختيار بين الانهيار او القبول بالشروط الاميركية القاسية، وهو ما يضع المنطقة باسرها فوق فوهة بركان بانتظار ما ستسفر عنه الايام القادمة.




