من المعروف أن الظروف هي التي تحدد السياسة، وعندما تتغير الظروف فمن الطبيعي أن تتغير السياسة، وهذه قاعدة أساسية في فهم التحولات السياسية. والظروف هنا ليست مسألة مفتعلة أو مجرد ذريعة، وإنما هي ذات طابع موضوعي مستقل، إلى حد كبير، عن الإرادة والرغبات، وآخر ذاتي يتصل بطبيعة الفرد والظروف الخاصة والعامة المحيطة به، التي تطبع تكوينه الأيديولوجي والنفسي وسماته الشخصية .
والعلاقة الجدلية بينهما هي التي تفرز نمطًا معينًا من الممارسة. على نقيض هذا المعطى، يُراد النظر إلى السياسة العُمانية ، باعتبارها امتدادًا تاريخيًا ثابتًا لا يتغير، وأن تُقدم بوصفها مجرد تنفيذ لأجندات مرسومة منذ عقود، ربما لإراحة الذهن من مشقة التفكير، وقد يكون ذلك مرتبطًا بنفوذ رؤى ترى في استمرارية السياسة ضمانة لاستمرارية المصالح، مما يتطلب إضفاء عليها صفة استثنائية، تصل أحيانًا إلى حد إسباغ أبعاد خارقة تتجاوز حدود القدرات البشرية. ولا تثريب على الأهواء والعواطف الشخصية، فهي مشروعة إلى حدود بعيدة، غير أنه يُستشف من مضمونها تبخيس ضمني للجهد السياسي والدبلوماسي الراهن. وأعتقد أن التغيير في السلطة لم يُقرأ بما فيه الكفاية. نعم، لقد حدث تغيير في الواقع العُماني؛ فقد طويت مرحلة بكل ما لها وما عليها، وبدأت مرحلة جديدة أسهمت، بصورة مذهلة، في غضون فترة وجيزة، في صقل الوجدان الشعبي، وبناء الشخصية العمانية الجديدة. لقد أشرنا إلى التغيير السياسي كاستحقاق تاريخي، ولا بد من التوقف، ولو سريعًا، عند دور الفرد.
فمهما نتحدث عن الجماهير ودورها في صناعة التاريخ، يبقى للفرد موقع مهم ومؤثر، خاصة في اللحظات المفصلية التي يمكن أن تترجم فيها قناعاته إلى حيز الواقع العملي. وحتى نوفي هذه المسألة حقها، علينا أن نقول بوضوح، ليس الأمر مجرد تغيير أشخاص، فالمسألة تتعلق بنهج سياسي بدأت ملامحه تتجلى، ويمكن تلمسه من خلال الممارسة الفعلية. فالحكم على أي توجه معياره الأهم ما تقوله التجربة الملموسة. ولسنا هنا بصدد مقارنة شاملة، فهي من مهمات التاريخ الكفيل بوضع كل شخص ومرحلة في مكانهما الطبيعي؛ لذا سنأخذ قضية واحدة للمقارنة، اختيرت بعناية لما تتمتع به من وضوح، ولما تحظى به من إجماع شعبي واسع، ولأنها قضية جرى تناولها من زوايا مختلفة، وطنية وقومية ودينية وإنسانية، حتى بات لكل فرد موقف منها يستمده من خلفيته وموقعه الفكري والسياسي. أقصد هنا القضية الفلسطينية.
فما موقف السياستين السابقة والحالية منها؟ في الماضي القريب، كان قادة الكيان يتقاطرون على مسقط، ويستقبلون بحفاوة وترحيب شديدين، ناهيك، عن الحديث المستمر عن الكيان الصهيوني وتصويره دولة طبيعية. وهي مواقف مستفزة وطنيًا بالنسبة لدولة يتمتع شعبها بأعلى درجات التعاطف والتأييد للنضال التحرري للشعب الفلسطيني. ورغم ذلك، لم يكن من السهل حينها التعبير عن مكنونات الضمير الوطني.
وحتى أولئك الذين يوجه إليهم النقد حاليًا كانوا، في بعض الحالات، أكثر إيجابية تجاه هذه القضية. أما الآن، فإن عُمان ترفع صوتها عاليًا ضد الاحتلال الإسرائيلي وتقف بوضوح أكبر إلى جانب الشعب الفلسطيني وحقه في العودة وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة. ومُكن شعبها نسبيًا من التعبير عن نفسه من خلال تغطية إعلامية طليقة لم تكن معهودة بهذا الحجم، فضلًا عن بروز مظاهر للمقاطعة الاقتصادية الشعبية كان لها أثر في تعزيز حضور فلسطين وشعبها وقضيته العادلة في الوعي الاجتماعي . وكل ذلك ما كان له أن يتحقق بهذه الصورة لولا وجود قيادة سياسية جديدة أكثر التزامًا بالقضايا القومية. فقد أشرت منذ سنوات، إلى أن الحالة الشعبية في أي بلد لا تتوفر فيه قوى سياسية منظمة تقود الجماهير، وتوجه الرأي العام، وتزوده بالوعي، تتوقف فاعليتها بدرجة كبيرة على موقف السلطة السياسية.
وعندما تلمس الجماهير تأييدًا من السلطة السياسية لموقف معين، فإنها تندفع بقوة كبيرة. صحيح أن الشعب العُماني لم ينزل إلى الساحات العامة، لافتقاره إلى الوسائل وتقاليد النضال السلمي الديمقراطي، وهي بطبيعة الحال خاصية عربية عامة لها أسبابها، بيد أن ذلك لم يمنع من وصف تفاعله بأنه أشبه بالطوفان .
وهنا نصل إلى النقطة المركزية، لماذا اندفع الشعب العُماني بهذه الحماسة في هذه المرحلة، ولم يندفع بالزخم نفسه في المراحل السابقة؟ ولماذا بدأ خافتًا عندما دنس قادة الكيان الثلاثة تراب عُمان الطاهر؟ إن الإجابة، بقدر ما تبرز الفارق النوعي بين عهدين، تقودنا كذلك إلى قضية أخرى، وهي العلاقة بين السلطة والمجتمع، التي تستدعي التأكيد مجددًا على حق الجماهير في ممارسة النشاط السياسي، والتعبير عن ذاتها ومصالحها ومواقفها من قضايا أمتها وقضايا البشرية بأسرها.




