الأربعاء 14 أكتوبر 2026 بيروت
النشرة البريدية
تحليل سياسي واقتصادي معمّق — بيروت
اشترك
14 أكتوبر 2026·بيروت النشرة
الملف الاستراتيجي
الأقسام النشرة
الأرشيف والخدمات
الرئيسية›إقتصاد
إقتصاد

عقيدة مونرو في زمن المعادن النادرة: جزيرتان للسيطرة وجارة للتطويع | بقلم البروفسور بسام همدر

لماذا يسعى ترامب إلى السيطرة على كوبا وغرينلاند، ويكتفي حيال كندا بالضغط الاقتصادي؟ الجواب واحد في الحالات الثلاث: محاصرة الصين في نصف الكرة الغربي، وتأمين الموارد التي يقوم عليها الاقتصاد الأميركي في العقود المقبلة.
الإطار الفكري لهذا المسعى قديم. في الثاني من كانون الأول عام 1823 وقف جيمس مونرو، الرئيس الخامس للولايات المتحدة، أمام الكونغرس وأعلن المبدأ الذي حمل اسمه. ينص هذا المبدأ على أن نصف الكرة الغربي، أي القارتين الأميركيتين، يجب ألا يخرج من دائرة النفوذ الأميركي.
ما يفعله ترامب اليوم تطبيق حرفي لعقيدة مونرو، بأدوات القرن الحادي والعشرين وبخصم جديد اسمه الصين.
تبدأ القصة من كوبا. الأسباب التي تدفع واشنطن نحو الجزيرة اقتصادية وجيوسياسية وسياسية وتاريخية في آن واحد، والمغريات فيها كثيرة: قطاع سياحي واسع، وثروة معدنية يتقدمها الكوبالت والنيكل.
الإشارات إلى سيطرة أميركية على كوبا جدية في اللحظة الراهنة. قد تأتي هذه السيطرة مباشرة أو غير مباشرة، اقتصادية أو معنوية، والنتيجة واحدة: انتقال كوبا بشعبها وتاريخها واقتصادها وقطاعاتها كافة إلى قبضة رئيس يدير السياسة بعقل رجل المال.
المنطق نفسه يحكم الاندفاع نحو غرينلاند، وأبعاده هناك جيوسياسية وعسكرية واقتصادية بالغة الأهمية.
في عام 2018 أصدرت الصين ورقتها البيضاء، ووصفت نفسها فيها بأنها دولة قريبة من القطب الشمالي. ترجمت بكين هذا الوصف في غرينلاند مشاريع لتطوير البنى التحتية وشق الطرق وبناء الموانئ التجارية.
انتفضت واشنطن وأجبرت غرينلاند على إنهاء تلك المشاريع. الجزيرة في الحساب الاستراتيجي الأميركي ضرورة ماسة: منها تُراقَب التحركات العسكرية وحركة الغواصات، وعندها يُقطع الطريق على الصين نحو القطب.
كل ما يقوله ترامب في كوبا وفي غرينلاند موجّه في حرفيته الأولى وفي أبعاده الكبرى ضد الصين. تأتي روسيا في المرتبة الثانية، ثم أي قوة قد تهدد الموقع الأميركي. الهمّ الأساسي محاربة الصين بكل وسيلة متاحة، ووقف المشاريع الصينية في غرينلاند شاهد على ذلك.
بعد المبررات الجيوسياسية والعسكرية والأمنية يأتي الاقتصاد. ترامب رئيس للولايات المتحدة، وهو قبل ذلك رجل مال يعمل في كل ملف على تعزيز الموقع المالي والاقتصادي لبلاده.
تختزن غرينلاند ثمانية مليارات برميل من النفط الخام واثنين وتسعين تريليون قدم مكعب من الغاز، ويضاف إليها اثنان وثلاثون مليار برميل من النفط المكافئ. مجموع الطاقة الكامنة في الجزيرة يعادل أربعين مليار برميل نفط.
الثروة الأثمن تقع في مكان آخر: المعادن النادرة. هنا نقطة الضعف الأميركية. تستورد الولايات المتحدة ما بين سبعين وتسعين في المئة من حاجتها إلى هذه المعادن من الخارج، ومن الصين على وجه الخصوص.
المفارقة أن أميركا غنية بالمعادن النادرة في باطن أرضها. ما تفتقر إليه هو المصانع والدورة التصنيعية القادرة على فصل العناصر السبعة عشر وتحويلها إلى مواد نافعة، كالمغانط التي تدخل في الصناعات المتقدمة. بناء هذه الدورة يتطلب تريليونات الدولارات.
الصين بنت تلك الدورة منذ زمن. تملك المصافي والمعامل والخبرة الطويلة، وتسيطر على تسعين في المئة من المعادن النادرة بعد تكريرها ومعالجتها، وصارت عملاق تصديرها في العالم.
هذه المعادن حجارة البناء في الاقتصاد الحديث. يحتاج إليها الذكاء الاصطناعي والبنى التحتية الرقمية، والسيارات الكهربائية، والأجهزة الطبية المتطورة، وأسواق توليد الطاقة، والصناعات الإلكترونية.
تملك غرينلاند عشرين في المئة من المعادن النادرة على سطح الكوكب. السيطرة عليها تحرر الولايات المتحدة إلى حد كبير من الاعتماد على الصين، وتجعل من الاقتصاد نفسه مسألة استراتيجية: بقاء أميركا قوة اقتصادية عظمى مرهون بعصب لا تمسك به اليوم.
يضيف التغير المناخي بعدًا أخيرًا. ارتفاع الحرارة العالمية يذيب جليد غرينلاند ويحرر كميات ضخمة من المياه العذبة، ويفتح ممرات بحرية جديدة أقصر للتجارة العالمية.
هذه الممرات قادرة على منافسة قناة السويس. الخريطة تظهر أن غرينلاند تقع على أقصر طريق بين أميركا الشمالية وأوروبا، ومن يسيطر على الجزيرة يسيطر على ذلك الطريق.
تبقى كندا، الجارة الشمالية. الدافع الأول هنا أيضًا استراتيجي وجيوسياسي: منع الصين من التغلغل في كندا ومن الحصول على موطئ قدم اقتصادي فيها، وكبح تطور العلاقات الكندية الصينية.
هدد ترامب أوتاوا صراحة بأنه لن يقبل أن تتحول كندا إلى منصة للصين. أول ما يحضر في تفكيره، قبل الاقتصاد، سؤال واحد: كيف يحارب الصين لتبقى بلاده دولة عظمى؟
ثم يأتي الاقتصاد. تملك كندا مئة وثلاثة وستين مليار برميل من النفط الخام وتحتل بها المرتبة الرابعة عالميًا، وتسعين تريليون قدم مكعب من الغاز، وثروات هائلة من المعادن والأخشاب والألمنيوم والنحاس.
الألمنيوم والنحاس لا يقلان أهمية عن المعادن النادرة في الصناعة الحديثة. يدخلان في الاتصالات والسيارات الكهربائية وتحول الطاقة وشبكات الأنابيب، وهي كلها قطاعات يقوم عليها أي اقتصاد قوي.
يضاف إلى ذلك عجز تجاري أميركي مع كندا يبلغ نحو ثلاثين مليار دولار لمصلحة الأخيرة، مصدره الواردات الآتية منها. يستخدم ترامب هذا الرقم ذريعة للضغط.
الغاية أن يدور الاقتصاد الكندي في فلك الاقتصاد الأميركي، وألا يكون مستقلًا إلى الحد الذي يتيح له بناء علاقات واسعة مع الصين أو مع سواها.
غير أن الضغط شيء والاحتلال شيء آخر. الشعبان الأميركي والكندي من جذر أنغلوسكسوني واحد، والسيطرة العسكرية على كندا تشعل حربًا عالمية، وتنفّر الحلفاء الأوروبيين والعالم كله، ولا تجد من يقبلها داخل الولايات المتحدة نفسها. أطماع ترامب في كندا اقتصادية، وأداته فيها الضغط.
كوبا وغرينلاند حالتان مختلفتان. المعطيات الاستراتيجية والجيوسياسية والاقتصادية تجتمع فيهما على نتيجة واحدة: أميركا لن تترك الجزيرتين، وستسيطر عليهما سيطرة مباشرة أو غير مباشرة.
هكذا يقرأ ترامب عقيدة مونرو بعد قرنين من إعلانها: حرب على الصين تُخاض على أرض الجيران، وغايتها أن تجتمع ثروات نصف الكرة الغربي من نفط وغاز ومعادن ومياه عذبة في قبضة واشنطن.
mm
عن الكاتب البروفسور بسام همدر، باحث وقيادي جامعي   البروفسور بسام همدر هو عميد كلية إدارة الأعمال ورئيس قسم الإقتصاد في جامعة المعارف. عمل سابقا رئيس قسم الاقتصاد في الجامعة الاميركية للعلوم والتكنولوجيا(AUST) وخبير في شؤون الموارد الإقتصاديّة والطبيعيّة. عمل في عدة جامعات ومؤسسات في لبنان. مدقق علمي ومشرف للمجلة العالمية لأبحاث العلوم الاجتماعية التي تنشر في لوس أنجلوس، الولايات المتحدة الأميركية. حاصل على إجازة في إدارة الأعمال من الجامعة اللبنانية الأمريكية 1981 وماجستير في الاقتصاد التطبيقي من الجامعة الأمريكية في بيروت 1984 ودكتوراه في الاقتصاد التطبيقي والعالمي من جامعة ميسيسيبي الحكومية. نشر الدكتور همدر مجموعة واسعة من الأبحاث والاوراق العلمية المحكمة في مجلات مختلفة كإدارة الاقتصاد الزراعي وتمويل الموارد البيئية والتسويق ، كما شارك وترأس العديد من المؤتمرات المحلية الإقليمية والدولية.
تبحث عن المزيد؟