الثلاثاء 8 سبتمبر 2026 بيروت
النشرة البريدية
تحليل سياسي واقتصادي معمّق — بيروت
اشترك
8 سبتمبر 2026·بيروت النشرة
الملف الاستراتيجي
الأقسام النشرة
الأرشيف والخدمات
الرئيسيةإقتصاد
إقتصاد

همدر للملف الاستراتيجي: هذا هو اقتصاد الولايات المتحدة

يسعدنا أن نستضيف اليوم البروفيسور الدكتور بسام شريف همدر، الأكاديمي والباحث والخبير الاقتصادي اللبناني البارز، الذي شغل منصب عميد كلية إدارة الأعمال ورئيس قسم الاقتصاد في جامعة المعارف في لبنان من عام ألفين وعشرين حتى عام ألفين وستة وعشرين. ويُعدّ الدكتور همدر من المراجع الاقتصادية المرموقة محلياً، وله حضور دائم كخبير ومحلل في وسائل الإعلام اللبنانية والعربية لمناقشة الأزمات المعيشية والسياسات المالية وحركة الأسواق والذهب.
يشغل الدكتور همدر حالياً منصب بروفسور في الاقتصاد المحلي والدولي في جامعة المعارف، وسبق له أن ترأس قسم الاقتصاد في الجامعة الأمريكية للعلوم والتكنولوجيا لمدة عشرين عاماً، كما تولى مسؤولية قسم الاقتصاد الزراعي والتنمية في الجامعة الأمريكية في بيروت لمدة ثماني سنوات. وفي عام ألفين وخمسة، اختير عضواً في المجلس الاستشاري للأبحاث التابع للمعهد الأمريكي للمبدعين في ولاية نورث كارولينا بالولايات المتحدة الأمريكية.
تتركز أبحاثه وخبراته في مجالات شؤون التنمية والموارد والاقتصاد الزراعي، والتحليلات الهيكلية للأسواق المالية والسياسات النقدية للبنوك المركزية، وله رؤى منشورة متعددة حول كيفية النهوض بالاقتصاد اللبناني وإصلاح قطاعاته الحيوية كالزراعة والصناعة والخدمات.
س: بروفيسور همدر، بداية، إلى أي مدى ما زال الاقتصاد الأمريكي يشكّل قلب الاقتصاد العالمي؟
يستحوذ الاقتصاد الأمريكي على نحو ستة وعشرين في المئة من الناتج العالمي، وهو ما يجعل من السوق الأمريكية أكبر الأسواق حجماً وأشدّها تأثيراً في حركة رؤوس الأموال والقوة الشرائية على مستوى العالم. غير أن هذا الحجم لا يخفي مؤشرات تنذر بمسار مقلق حين تُقرأ في ضوء علم التنمية الاقتصادية.
س: قبل أن ندخل في التفاصيل، كيف تضمنون لمشاهديكم أن هذا التحليل موضوعي وليس انطباعياً؟
نحن، بوصفنا باحثين أكاديميين، نرفض الانطلاق من انطباعات أو أحكام مسبقة، ونؤمن بأن الأرقام لا تكذب، إلا حين تُصطنع لخدمة غاية سياسية بعينها. لذلك فإن الإحصاءات التي يستند إليها هذا العرض مستقاة من مؤسسات دولية ومحللين حياديين، بعيداً عن أي انحياز مسبق، ليكون الحكم على واقع الاقتصاد الأمريكي حكماً علمياً قبل أن يكون حكماً سياسياً.
س: لنبدأ من الاختلالات إذاً. ما أبرز المشكلات البنيوية التي يعانيها هذا الاقتصاد؟
تسجّل الولايات المتحدة أوسع فجوة بين الأغنياء والفقراء بين الاقتصادات الكبرى، وتحمل ديناً عاماً يتجاوز أربعين تريليون دولار، فيما قد يصل معدل التضخم فيها إلى أربعة في المئة. أضافت الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب على شركاء تجاريين، بينهم دول حليفة، بعداً عالمياً لهذا التضخم، إذ لم يعد أثره محصوراً بالسوق المحلية بل امتدّ إلى أسعار السلع في مختلف أنحاء العالم. وقابلت بعض الدول هذه الرسوم بإجراءات مضادة، فيما لا تزال دول أخرى تُعدّ خططاً للرد بالمثل، وهو ما يهدد بارتداد الأثر التضخمي على الاقتصاد الأمريكي نفسه.
س: رغم كل ذلك، من أين يستمد هذا الاقتصاد قوته؟
يستمد هذا الاقتصاد قوته من مصدرين رئيسيين. الأول هو الهيمنة التكنولوجية، إذ تتخذ أكبر شركات التقنية في العالم، من مايكروسوفت إلى أمازون وآي بي إم، من الولايات المتحدة مقراً لها. والثاني هو مكانة الدولار في تسعير الطاقة العالمية، حيث يُباع نحو ثمانين في المئة من النفط والغاز في الأسواق الدولية بالدولار الأمريكي، فيما يُعرف بنظام البترودولار.
س: بين هذه القوة وتلك الاختلالات، ما السؤال الذي يفرض نفسه على المشاهد؟
مع فجوة طبقية هي الأوسع بين الكبار، ودين عام تجاوز الأربعين تريليوناً، وتضخم صدّرته واشنطن إلى العالم عبر سياسة الرسوم الجمركية، إلى متى تستطيع الولايات المتحدة أن تحتمي بهيمنتها التكنولوجية ومكانة الدولار قبل أن تدفع، هي أيضاً، ثمن اختلالاتها الداخلية؟
س: لنتحدث بالأرقام. كم يبلغ حجم الاقتصاد الأمريكي فعلياً اليوم؟
يتجاوز حجم الاقتصاد الأمريكي اليوم اثنين وثلاثين تريليون دولار، وإذا ما استُبعد أثر التضخم من هذا الرقم فإن الناتج الحقيقي يقارب أربعة وعشرين تريليون دولار. ويعاني هذا الاقتصاد من معدل بطالة تجاوز الأربعة في المئة، فيما يراوح التضخم بين ثلاثة ونصف وثلاثة وأربعة أعشار في المئة، مع مؤشرات على أنه قد يقترب من عتبة الأربعة في المئة إذا استمر المسار الحالي عالمياً. وتضع المؤسسة النقدية الأمريكية سقفاً مستهدفاً للتضخم لا يتجاوز اثنين في المئة، غير أن هذا الهدف يبدو بعيد المنال في ظل الظروف الراهنة، وخصوصاً أزمة سلاسل التوريد وارتفاع أسعار النفط والغاز.
س: وماذا عن الموازنة العامة والميزان التجاري؟
تبلغ الإيرادات الفدرالية نحو سبعة تريليونات دولار، في حين يصل الإنفاق إلى تسعة تريليونات، ما يولّد عجزاً موازناتياً يقارب تريليوني دولار سنوياً. ويرافق هذا العجز عجز موازٍ في الميزان التجاري، ففي العام ٢٠٢٥، كانت  الولايات المتحدة تستورد ما يقارب اربع تريليونات ونصف التريليون دولار، فيما لا تتجاوز صادراتها ثلاثة تريليونات ونصف التريليون تقريباً. ويبقى الدين العام العنوان الأكبر لهذه الاختلالات، إذ تجاوز الأربعين تريليون دولار، في وقت يقترب فيه التضخم من أربعة في المئة والبطالة من المستوى ذاته.
س: مع كل هذا الدين، لماذا لا يزال المستثمرون يقبلون على شراء السندات الأمريكية؟
تعرض الخزانة الأمريكية اليوم عائداً يقارب خمسة وأربعة أعشار في المئة على سنداتها السيادية الممتدة لثلاثين عاماً، مقابل أربعة وسبعة أعشار في المئة على السندات العشرية. ويدفع هذا المستوى من العائد، حتى بعد احتساب أثر التضخم، مستثمرين من مختلف أنحاء العالم إلى التزاحم على الدين السيادي الأمريكي، إذ يمثّل فارق نقطة أو نقطتين مئويتين فرقاً جوهرياً حين تُحسب المليارات.
س: لننتقل إلى موضوع العدالة في توزيع الثروة. كيف تفسّرون اتساع هذه الفجوة؟
تكشف مقارنة الإنتاجية بالأجور عمق الخلل البنيوي. فمنذ عام تسعة وسبعين وتسعمئة وألف، ارتفعت الإنتاجية في الولايات المتحدة بنحو ثمانين في المئة، بينما لم تتجاوز الزيادة في الأجور والمعاشات ثلاثين في المئة خلال الفترة ذاتها. ويُقاس هذا التفاوت اقتصادياً بمُعامل جيني (Gini Coefficient)، وهو مؤشر يتراوح بين صفر وواحد، إذ يعني الصفر عدالة تامة في توزيع الدخل، بينما يعني الواحد غياباً كاملاً لهذه العدالة. وتُصنَّف القاعدة العلمية العامة المستويات دون ثلاثة أعشار بأنها عدالة قوية، وما بين ثلاثة وأربعة أعشار عدالة متوازنة، فيما يُعدّ ما بين أربعة وخمسة أعشار غياباً للعدالة. وتسجّل الولايات المتحدة اليوم معاملاً يقارب ثمانية وأربعين إلى تسعة وأربعين من مئة، أي أنها تقع في منطقة غياب العدالة التوزيعية.
س: هل يمكن ترجمة هذه النسب إلى صورة ملموسة عن حياة الناس؟
حقق أصحاب الواحد في المئة الأعلى دخلاً منذ عام تسعة وسبعين وتسعمئة وألف زيادة سنوية بمعدل أربعين مليون دولار، في حين لم يتجاوز نصيب خمسين في المئة من الطبقة الوسطى عشرة آلاف دولار خلال الفترة نفسها. ويستحوذ هذا الواحد في المئة وحده على خمسة وخمسين تريليون دولار من الثروة الأمريكية، بينما لا يتجاوز نصيب بقية الشعب الأمريكي مجتمعاً تسعين تريليون دولار.
س: مع تصاعد العقوبات الأمريكية، هل بات الدولار مهدداً فعلياً في مكانته كعملة احتياط عالمية؟
رغم أن الدولار ما زال متربعاً على عرش الاحتياطي النقدي العالمي، فإن هذا العرش لم يعد بالثبات الذي عُرف به سابقاً. فبعد ما جرى مع الأصول الروسية المجمّدة، وبعد توسّع واشنطن في فرض العقوبات ومصادرة الأصول السيادية كلما نشأ خلاف سياسي مع دولة ما، بات العالم يشعر بقلق متصاعد إزاء الاحتفاظ بثرواته بالعملة الأمريكية، وأخذ يبحث بجدية عن بدائل تقيه هذا الخطر.
س: وأين يبرز الذهب في هذه المعادلة؟
يُنظر إلى الذهب اليوم بوصفه الملاذ الآمن (Safe Haven) في مواجهة مخاطر العقوبات الأمريكية، لا بوصفه سلعة استثمارية عابرة. وقد ارتفعت حصته في احتياطات المصارف المركزية حول العالم إلى ما يقارب ثلاثين في المئة، مقابل نحو خمسة وخمسين في المئة للدولار. ومع ذلك، لا يزال الدولار بمنأى عن أي انهيار سريع، ذلك أن النظام النقدي العالمي ما زال يفتقر إلى بديل قوي بالقدر الكافي لمنافسته، فحتى الذهب نفسه يُسعَّر بالدولار، كما يُسعَّر به الغاز والنفط ومعظم السلع الأساسية (Commodities)، وهو ما يمنح الدولار قيمته الجوهرية التحويلية (Transaction Value).
س: كيف يقارن حجم الاقتصاد الأمريكي بحجم المديونية العالمية؟
يبلغ الناتج المحلي الإجمالي العالمي نحو مئة وستة وعشرين تريليون دولار، فيما يقترب الناتج الأمريكي وحده من أربعة وثلاثين تريليوناً. غير أن العالم بأسره مدين اليوم بما يقارب ثلاثمئة وخمسين تريليون دولار، أي أن حجم الدين يفوق حجم الإنتاج العالمي بأضعافه. وتنفرد الولايات المتحدة بدين يتجاوز الأربعين تريليون دولار، أي أكثر من مئة وأربعة وعشرين في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي.
س: هل يعني هذا أن الاقتصاد الأمريكي مرشح للانهيار؟
لولا نظام البترودولار لكان الاقتصاد الأمريكي قد سقط فعلياً، لا بوصفه اقتصاداً بحد ذاته، بل بوصفه قوة اقتصادية عظمى عالمية (Economic Superpower). فالولايات المتحدة تبقى قوة ضخمة على المستويات العسكرية والاقتصادية والسوقية، ولن تزول بهذا المعنى، لكنها مرشحة لأن تتراجع من مصاف القوى الاقتصادية العظمى إلى مصاف الدول الاقتصادية الكبرى العادية، من دون أن تحتفظ بصفة التفرّد العالمي.
س: ما الذي يمنح المستثمرين الثقة إذاً بالاستمرار في ضخ أموالهم في السوق الأمريكية؟
يرى المستثمرون في سوق الأسهم الأمريكية سوقاً بالغة التطور والأتمتة والشفافية، وهو ما جعلهم تاريخياً يفضّلون توجيه استثماراتهم إليها. ويبلغ حجم هذه السوق ستة وسبعين تريليون دولار، فيما يبلغ حجم سوق السندات السيادية أربعين تريليون دولار. أما إجمالي الثروة الأمريكية (Total Wealth) فيبلغ نحو ٢٧٩ تريليون دولار، وإذا خُصمت منه الالتزامات، فإن صافي الثروة الحقيقية يتجاوز مئة وأربعة وعشرين تريليون دولار.
س: بعد كل هذه الأرقام، إلى أي خلاصة تصلون بشأن مستقبل الدولار؟
تقود هذه الإحصاءات إلى أن الدولار يواجه تحديات تراكمية، وإن لم تكن حاسمة بعد. فحصته من الاحتياطي النقدي العالمي تراجعت من ثمانين في المئة في السبعينيات إلى ما بين خمسة وخمسين وستة وخمسين في المئة اليوم. وحصته من التبادل التجاري العالمي انحدرت من خمسة وثمانين في المئة إلى نحو سبعة وخمسين في المئة. أما تسعير النفط والغاز بالدولار، الذي كان يقارب المئة في المئة، فقد تراجع إلى نحو ثمانين في المئة، وما زال في مسار تنازلي.
س: وما الذي يغذي هذا التراجع سياسياً؟
يرى العالم في هذه المؤشرات، إلى جانب توظيف واشنطن المتصاعد للعقوبات حتى في مواجهة حلفائها، ما يدفعه إلى الحذر. فالمواقف السياسية المتقلبة التي يطلقها ترامب، من التلويح بضم كندا إلى الحديث عن غرينلاند وصولاً إلى كوبا، تترك أثراً سلبياً متراكماً يدفع دولاً عديدة إلى البحث الجدي عن بدائل.
س: هل يعني هذا انهياراً وشيكاً للاقتصاد الأمريكي؟
إذا استمر هذا المسار، فإن نواة اقتصادية بديلة قادرة على منافسة الدولار قد تتشكل تدريجياً على المدى البعيد، من دون أن يعني ذلك انهياراً مفاجئاً. وقد رددت أدبيات اقتصادية قديمة، منها ما نُسب إلى بول ساملسون، فكرة مفادها أن انهيار الاقتصاد الأمريكي يهدد الاستقرار العالمي بأسره، فيما ذهب هنري كيسنجر إلى أن واشنطن قد تلجأ إلى القوة النووية دفاعاً عن مكانتها كقوة عظمى إذا تعرض اقتصادها لانهيار وجودي. غير أن هذا الطرح لم يعد قابلاً للتصديق اليوم، في ظل امتلاك الصين وروسيا وكوريا الشمالية للسلاح النووي، وبلوغ إيران عتبة دنيا من القدرات النووية بحسب تقديرات عديدة، إضافة إلى امتلاك باكستان والهند لهذا السلاح.
س: إذن ما طبيعة السقوط الذي تتحدثون عنه؟
ليس سقوطاً للاقتصاد الأمريكي بوصفه اقتصاداً، بل سقوط الولايات المتحدة عن مرتبة القوة الاقتصادية العظمى الوحيدة في العالم. فهي تبقى، وستبقى، قارة تملك مواردها الذاتية واقتصادها الداخلي القوي ونواتها المستدامة، لكنها لن تحتفظ بصفة التفرّد التي ميّزتها طوال العقود الماضية.
س: هل هناك مؤشرات داخلية، خارج الاقتصاد البحت، تدعم هذه القراءة؟
منذ السبعينيات، تراجعت نسبة الطلاب الأمريكيين الذين يتابعون دراساتهم العليا بعد البكالوريوس، سواء نحو الماجستير أو الدكتوراه، بنحو ثمانية عشر في المئة. كما تراجع، خلال العقد الأخير، مستوى الطلاب الأمريكيين في العلوم الأساسية، من الفيزياء إلى الرياضيات والكيمياء. وهذا التراجع تراكمي بطبيعته، وينذر مستقبلاً بتآكل القدرة التنافسية الأمريكية علمياً وتكنولوجياً، وإن كان أثره يحتاج إلى وقت طويل قبل أن يظهر بوضوح.
س: وعلى الصعيد الاجتماعي؟
تملك الولايات المتحدة أعلى نسبة سجناء في العالم، وقد تراجع معدل وقوع الجريمة من جريمة كل تسع دقائق إلى جريمة كل سبع دقائق، وهو ما يعكس أزمة أعمق في القيم والمسلّمات الإنسانية داخل المجتمع الأمريكي. وحين تُقارن هذه العوامل الداخلية، إلى جانب الأسباب الاقتصادية الخارجية، بأنماط سقوط الإمبراطوريات عبر التاريخ، يظهر تشابه لافت يُنذر بأن الولايات المتحدة، وإن لم تسقط كدولة كبرى، مرشحة للسقوط بوصفها إمبراطورية القوة العظمى الوحيدة، ما لم تُعالَج هذه الاتجاهات.
س: بالعودة إلى الذهب، ما نصيحتكم لمن يملكه اليوم؟
أنصح كل من يملك ذهباً بألا يتسرع في بيعه، فحين نراقب شهية المصارف المركزية على شرائه، نجدها في تصاعد مستمر، فيما تمضي الولايات المتحدة في نهج العقوبات والرسوم الجمركية على شركائها التجاريين، وهو ما يضاعف إقبال العالم على هذا الملاذ الآمن. كما أن رفع الفائدة الأمريكية لا يحمل الجاذبية التي يُظن بها، إذ إن خصم التضخم منها يقلّص المردود الحقيقي. وحين تُقارن حركة سعر الذهب بحركة الدولار، وبخاصة في العامين الماضيين، يتبين أن المسار البياني للذهب يتجه نحو الصعود، فيما تتوقع كبرى المؤسسات المالية، من جي بي مورغان إلى غولدمان ساكس، أن يتجاوز سعر الأونصة الخمسة آلاف ثم السبعة آلاف دولار، بل ويذهب بعضهم إلى توقع بلوغه عشرة آلاف دولار.
س: لننتقل إلى بنية الإنفاق الفدرالي. أين تذهب أولويات الحكومة الأمريكية؟
يتجاوز الإنفاق العسكري والدفاعي التريليون دولار سنوياً، وهو رقم مرشح للارتفاع مع مطالبات إدارة ترامب بزيادته، في حين لا يتجاوز الإنفاق الفدرالي على التعليم ثمانين مليار دولار، أي بمعدل يقارب واحداً إلى اثني عشر أو ثلاثة عشر مقارنة بالإنفاق الدفاعي. أما الإنفاق على الصحة فيبلغ نحو خمسة تريليونات دولار، ويعود ارتفاعه الحاد إلى الكلفة المتصاعدة لجيل “بيبي بومرز” الذي بلغ سن التقاعد.
س: قبل أن نختم، هناك من يروّج داخلياً لفكرة أن النفط الفنزويلي بات بديلاً عن مضيق هرمز. ما تعليقكم؟
هذا طرح لا يستند إلى أساس واقعي. فحجم النفط الذي يمر يومياً عبر مضيق هرمز يقارب عشرين مليون برميل، بينما لا يتجاوز أقصى ما استطاعت الشركات الأمريكية إنتاجه من النفط الفنزويلي مليوناً ونصف المليون برميل يومياً. يُضاف إلى ذلك أن النفط الفنزويلي من النوع الثقيل الذي يحتاج إلى معالجة مكلفة ومعقدة، على عكس النفط الإيراني والخليجي الخفيف الأعلى جودة وكفاءة. ولو كان النفط الفنزويلي بديلاً فعلياً، لكانت إدارة ترامب قد أنهت ملف التصعيد مع إيران منذ زمن.
س: وأخيراً، أين تكمن أهمية إيران في هذه المعادلة الجيوسياسية الأوسع؟
تشكّل إيران واحداً في المئة فقط من سكان العالم، بينما تملك ما يقارب عشرة في المئة من احتياطات المعادن النادرة (Rare Earth Metals) التي تفتقر إليها الولايات المتحدة أشد الافتقار. وتحتاج واشنطن، لاستثمار هذه الثروة، إلى استثمارات تُقدَّر بتريليونات الدولارات على مدى سنوات طويلة.
وفي الختام، وانطلاقاً مما تقدّم، وانطلاقاً من حاجة الإدارة الأمريكية إلى خفض التضخم العالمي والداخلي على حد سواء، وحاجتها الملحّة إلى المعادن النادرة، فإنه يتوجّب على واشنطن أن تبرم اتفاقاً مع إيران، ذلك أن هذا الاتفاق سيعود بالنفع على إيران وعلى الولايات المتحدة، وعلى المنطقة، بل وعلى العالم بأسره.
mm
عن الكاتب البروفسور بسام همدر، باحث وقيادي جامعي   البروفسور بسام همدر هو عميد كلية إدارة الأعمال ورئيس قسم الإقتصاد في جامعة المعارف. عمل سابقا رئيس قسم الاقتصاد في الجامعة الاميركية للعلوم والتكنولوجيا(AUST) وخبير في شؤون الموارد الإقتصاديّة والطبيعيّة. عمل في عدة جامعات ومؤسسات في لبنان. مدقق علمي ومشرف للمجلة العالمية لأبحاث العلوم الاجتماعية التي تنشر في لوس أنجلوس، الولايات المتحدة الأميركية. حاصل على إجازة في إدارة الأعمال من الجامعة اللبنانية الأمريكية 1981 وماجستير في الاقتصاد التطبيقي من الجامعة الأمريكية في بيروت 1984 ودكتوراه في الاقتصاد التطبيقي والعالمي من جامعة ميسيسيبي الحكومية. نشر الدكتور همدر مجموعة واسعة من الأبحاث والاوراق العلمية المحكمة في مجلات مختلفة كإدارة الاقتصاد الزراعي وتمويل الموارد البيئية والتسويق ، كما شارك وترأس العديد من المؤتمرات المحلية الإقليمية والدولية.
تبحث عن المزيد؟