نجح موسوليني في كأس العالم 1934… وأخفق ترامب في 2026 | بقلم علي الهماشي

العنوان ليس للمقارنة بين موسوليني وترامب في السياسة، مع أنَّ لكلٍّ منهما توجهاً واضحاً في إبراز قوته، فالأول لم يُخفِ طموحه، وكذلك الثاني، ولعلهما يتشابهان أيضاً في إحراج ضيوفهما.
ولنأتِ إلى كأس العالم عام 1934، التي تشبه كثيراً الأجواء التي تجري في كأس العالم حالياً، على الأقل في الولايات المتحدة، من ناحية التدخل السياسي في أجواء البطولة.
لقد حاول موسوليني آنذاك أن يستخدم الرياضة أداةً سياسية، وما زال اسمه مرتبطاً بذلك الفوز المثير الذي حققه المنتخب الإيطالي في المباراة النهائية.
فقد مارس موسوليني ضغطاً هائلاً، لا على فريقه فحسب، بل على جميع الفرق الأخرى. ومع ذلك، يرى المؤرخون أنه مارس سياسةً ناعمةً من خلال كرة القدم.
بينما نرى الرئيس ترامب وقد مارس ضغطاً، وتدخل في قرار تحكيمي، ونجح، بشكل لم يسبق له مثيل، في (إقناع) الفيفا بإلغاء البطاقة الحمراء التي نالها اللاعب الأمريكي فولارين بالوغون مباشرةً في مباراة فريقه مع منتخب البوسنة والهرسك، ليتيح له المشاركة أمام بلجيكا.
وكعادته في الظهور (الشعبوي)، أكد أنه تدخل وطلب من صديقه، رئيس الفيفا، إلغاء البطاقة الحمراء، فيما نفت الفيفا تدخل الرئيس الأمريكي في إجراءاتها، وقررت تجميد البطاقة الحمراء لمدة سنة كاملة.
ولم يكتفِ الرئيس ترامب بتصريح مقتضب أو بإحالة الأمر إلى الفيفا، بل شرح الحالة، كما علمه مستشاروه، وادعى أنه رياضي ويفهم كرة القدم، مع أنها لم تكن الرياضة الأولى في الولايات المتحدة في شبابه، بل كانت كرة السلة وكرة القدم الأمريكية الأكثر شعبية، وهما اللتان كانتا تستقطبان معظم الشباب الأمريكي.
أما موسوليني، فقد فرض أجواءه على كأس العالم آنذاك، وكأي سياسي آخر، كان يعلم أن للرياضة سحرها وتأثيرها في الناس، وكانت أفضل فرصة له لعرض ما أراد عرضه آنذاك، وقد نجح في ذلك.
أما ترامب، فحاول أن يستميل الأمريكيين بما قام به.
ويبدو أنه لم يعد يستطيع الإدلاء بتصريحات أخرى في كأس العالم، فقد خذله فريقه، على الرغم من المساعدة الكبيرة التي قدمتها الفيفا له. وقيل إن هذا التدخل حفَّز الفريق البلجيكي على اللعب بروح معنوية أعلى، ففاز في المباراة وأقصى الولايات المتحدة من البطولة.
والحقيقة أن المنتخب الأمريكي لا يرقى مستواه إلى المستوى المتوسط، وهناك فارق فني كبير بينه وبين المنتخب البلجيكي، ولعل النتيجة أفصحت عن هذا الفارق.
والمفارقة أن اللاعب الأمريكي فولارين بالوغون نفسه يثار الجدل حول جنسيته الأمريكية، وهناك قضية مثارة أمام المحكمة، وربما كان هذا ما دفع ترامب إلى الإدلاء بتصريحات حول تدخله، وأن يصرح بأنه رياضي، كي لا يثير شريحةً من الجمهور الأمريكي ضده، وليؤكد أنه يعمل من أجل “أمريكا أولاً”، حتى لو اضطره ذلك إلى التدخل لدى الفيفا وتغيير قرارها، في سابقة تاريخية.
لقد نجح موسوليني، وأخفق ترامب. فقد كان لاعبو إيطاليا على الموعد، على الرغم من أنهم لم يكونوا جميعاً من إيطاليا، إذ حصل عدد من اللاعبين على الجنسية الإيطالية ليلعبوا باسم إيطاليا، اعتماداً على أصولهم الإيطالية، فكان الفريق مكوناً من لاعبين ذوي أصول أرجنتينية وبرازيلية وغيرهما، في خليط يعكس حلم موسوليني ورؤيته للسيطرة على العالم.
أما لاعبو المنتخب الأمريكي، فلم يحققوا حلم ترامب بحمل كأس العالم.
ويبقى التساؤل: هل سيحضر المباراة النهائية إلى جانب صديقه جياني إنفانتينو، رئيس الفيفا الحالي، أم لا؟
وبالمختصر، فإن موسوليني نجح في (سياسته الناعمة)، رغم استخدامه لغة الموت والحياة مع لاعبي إيطاليا، بينما أخفق ترامب، هذه المرة أيضاً، في سياسته الناعمة.
وغادر ترامب إلى تركيا ليصنع أجواءً أخرى تنسيه هذا الفشل.




