
«لا أعلمُ أيُّ دافعٍ خفيٍّ قاد خطاي البارحة نحو مكتبتي، سوى أن الفراغ المفاجئ الذي يتركه رحيل الآباء لا يُرمم بكلمات العزاء. منذ رحيل أبي (رحمه الله)، وأنا أعيش في عتمة حزنٍ نافذٍ للعظام، حزنٍ تجاوز حدود الفقد الفردي ليُسلمني إلى حالة من “الاكتئاب الوجودي”، أشبه بتلك اللحظات الدوستويفسكية المعتمة؛ حيثُ تُعرّى النفس البشرية أمام صراعاتها الحادة، ويقف الإنسان أعزلاً أمام أسئلة العدم والأخلاق والمصير.
إن الفقد الشخصي العميق يمتلك قدرة قاسية على إسقاط المساحيق عن العالم؛ فيغدو المرء في غمرة حزنه شديد الحساسية تجاه أي زيف أو تداوُل رخيص للقيم. ومن رحم هذا الوجع الذاتي، انفتحت بصيرتي على وجعٍ عام لا يقل قسوة: أزمة الضمير في عوالم السلطة، وعبثية المشهد السياسي الذي يلتهم إنسانية البشر.
في تلك اللحظة، لم تكن عودتي لرفوف الأدب في مكتبتي مجرد نزهة قراءة أو هروب، بل كانت بحثاً مستميتاً عن إجابة يلوذ بها العقل في مواجهة العدمية. مدججاً بأسئلتي، استخرجتُ مسرحيتين تقفان على طرفي جسر يمتد عبر الزمن: الأولى «رجل لكل العصور» لروبرت بولت، والثانية «يوليوس قيصر» لوليام شكسبير.
فتحتُ صفحاتهما وملاحظاتي القديمة المطوية بين السطور، ووجدتُ نفسي أتساءل: إذا كان رحيل الأب يُفقد الفرد سنده الأخلاقي والإنساني في الحياة، فماذا يحدث للأمم عندما تبتلع أروقة السلطة قيم الأخلاق؟ وكيف يقاوم الإنسان حين يُطالَب بتقديم روحه قرباناً للبقاء؟ ماذا يتبقى من المَرْء حقاً… إن خسِرَ ضميره؟»
فكلتا المسرحيتين تركزان على الصراع الأبدي والشخصي بين المبادئ الأخلاقية وتحديات السلطة السياسية وصراعاتها.
فمسرحية “يوليوس قيصر” لويليام شكسبير: تتناول المؤامرة التاريخية لاغتيال القائد الروماني يوليوس قيصر وما تلاها من أحداث سياسية وحرب أهلية.
حيث يخشى أعضاء مجلس الشيوخ الروماني بقيادة “كاسيوس” من أن يتحول قيصر إلى “ديكتاتور مطلق”. فيُقنع كاسيوس النبيل “بروتوس” بالانضمام للمؤامرة، معتمدين على “حب” بروتوس “للجمهورية” وليس “كرهه لقيصر”. وهنا يُقتل قيصر في مجلس الشيوخ، ثم يُلقي مارك أنطونيو خطبة عصماء تُحرك الشعب ضد التآمر، مما يولد حرباً أهلية تنتهي بهزيمة وانتحار بروتوس وكاسيوس.
ويمكن القول إن الفكرة الرئيسية للمسرحية: هي الصراع بين الواجب الوطني والولاء الشخصي، ونتائج الاغتيال السياسي غير المحسوبة.

أما المسرحية الثانية هي “رجل لكل العصور” لروبرت بولت، وتجسد المسرحية السيرة الذاتية واللحظات الأخيرة في حياة السير توماس مور، مستشار الملك هنري الثامن.
حيثُ يسعى الملك هنري الثامن للطلاق من زوجته الأولى والزواج من آن بولين، وإنشاء الكنيسة الأنجليكانية للانفصال عن بابا روما. وهُنا يرفض توماس مور التوقيع على قَسَم الولاء للملك كرأس للكنيسة بسبب معتقداته الدينية والكاثوليكية الراسخة. وينتهج مور الصمت القانوني لحماية نفسه، لكن المكر السياسي وشهادة الزور تدينه في النهاية بتهمة الخيانة العظمى، لينتهي الأمر بإعدامه.
ويمكن القول إن الفكرة الرئيسية للمسرحية هي: النزاهة الأخلاقية والتمسك بالضمير الفردي والشرف في وجه ضغوط السلطة المطلقة.

ولهذا يُعد هذين العملين من أعمق المقاربات الأدبية؛ فكلاهما يغوص في قلب السلطة، ويطرحان تساؤلات خالدة حول ثمن التمسك بالمبادئ في عالم تُسيّره المصالح. وعلى الرغم من اختلاف الزمن والأسلوب، تتقاطع المسرحيتان في فلسفتهما السياسية والمعاني العميقة عبر أربعة محاور رئيسية في اعتقادي:
المحور الأول – الصراع بين الضمير الفردي ومطالب الدولة
حيثُ تضع كلتا المسرحيتين بطلها في مواجهة قاسية بين قناعاته الداخلية وما تفرضه عليه السلطة.
ففي مسرحية “رجل لكل العصور”: يتجسد هذا الصراع في شخصية “السير توماس مور”، الذي يرفض القسم بالموافقة على طلاق الملك هنري الثامن وانفصاله عن الكنيسة. حيث يرى مور (وهو كبير القضاة) أن الضمير الفردي هو الملاذ الأخير للإنسان، والتنازل عنه يعني فقدان الذات تماماً، حتى لو كان الثمن هو الموت.
ويقول السير توماس مور للملك: «هاك ذراعي يا مولاي، أخرج خنجرك وابترها من عند كتفي، عندئذ سوف أضحك، وأشكرك، إذا كانت هذه الوسيلة تجعلني أتفق معكم يا مولاي بضمير هادئ ومطمئن».
أما في مسرحية “يوليوس قيصر”: يعيش “بروتوس” صراعاً داخلياً ممزقاً بين حبه لصديقه يوليوس قيصر، وبين واجبه الوطني وضميره الذي يخبره بأن قيصر سيتحول إلى طاغية يدمر روما.، وهنا اختار بروتوس تلبية نداء ما رآه “ضمير الدولة” على حساب ولائه الشخصي.
حينما يقول بروتس لكاسيوس: «إذا كان الأمر يتعلق بالمصلحة العامة، فإني أضع الشرف نصب إحدى عيني، والموت نصب الأخرى ، رابط الجأش في الحالين ، وضارعاً إلى الألهة أن تأخذ بيدي لما فيه خير روما ، بقدر محبتي للشرف واستهانتي بالموت»
المحور الثاني – المثالية الأخلاقية مقابل البراغماتية السياسية (الميكافيلية)
وهُنا تقدم المسرحيتان مقارنة حادة بين “الرجل المثالي” الذي تحركه المبادئ، و”الرجل البراغماتي” الذي يحركه مبدأ مكيافيلى ” الغاية التي تبرر الوسيلة”:
فالرجل المثالي: توماس مور وبروتوس كلاهما يعيشان في أبراج المثالية العميقة؛ فمور يعتقد أن الحق ثابت لا يتغير بتغير أهواء الملوك، وبروتوس يعتقد أن قتل قيصر هو عمل نبيل وتضحية مقدسة وليس جريمة سياسية. هذه المثالية كانت سبب سقوطهما، لأنهما لم يدركا مدى دناءة اللعبة السياسية من حولهما.
فمور يرد على ولسي الذي يتعجب من موقفه الرافض لرغبة الملك بقوله:
«لأنني أعتقد أنه عندما يتحلى رجال الدولة عن ضمائرهم من أجل الواجبات العامة أو من أجل إرضاء رغبات ملوكهم ، فإنهم يقودون وطنهم إلى الفوضى من أقصر طريق».
كما أن بروتس يحدث نفسه قائلاً:
«لا تتحقق الحرية لروما إلا بموت قيصر. أما أنا، فالمصلحة العامة لا الشخصية هي التي تدفعني على ضرب قيصر والقضاء عليه. إنه راغب في التاج فإلى أي حد يا تُرى سيغير ذلك من طباعه؟ هذا هو بيت القصيد، فلو توجناه ملكاً لجعلنا منه أفعى تنفث سمومها ساعة تشاء».
ثم يضيف بروتس لنفسه جملةً من أعظم المعاني حين يقول:
«والسلطة يساء استعمالها متى تجردت من الشفقة والحنان».
ويختم بروتس حديثه لنفسه وقد بدا أنه قرر ما سيفعل وحزم أمره تجاهه بقوله:
«إذا تمادى قيصر في عنفوانه وجبروته إلى حد العبث بالسلطة وإساءة استعمالها فإنه يصبح شبيهاً ببيضة الأفعى إن كبُرت ونفقت القشرة خرجت أفعى خطرة كسائر أفراد نوعها. لذلك وجب قتلها في قشرتها».
أما الرجل البراغماتي: في مسرحية رجل لكل العصور، نرى شخصيات مثل “توماس كرومويل” و”ريتشارد ريتش” الذين يطوعون القوانين ويشترون الذمم لتحقيق رغبات الملك ومصالحهم.
أما في مسرحية يوليوس قيصر، يبرز “كاسيوس” المتآمر الداهية، و”مارك أنطوني” الخطيب المتلاعب بالجموع، وكلاهما يستغلان الأحداث بانتهازية لتحقيق مكاسب السلطة.
المحور الثالث – طبيعة الطغيان وحدود السلطة
والمسرحيتان تطرحان رؤية سياسية تحذر بعبقرية من تركز السلطة المطلقة وتأثيرها المدمر على المؤسسات والرجال:
ففي مسرحية “رجل لكل العصور”، يأتي الطغيان في صورة “قانونية”. فهنري الثامن لا يقتل مور مباشرة في البداية، بل يحاول تطويع القانون والبرلمان ليجعل من استبداده أمراً شرعياً. الفلسفة هنا تحذر من طغيان الدولة عندما تحتكر الحقيقة وتجبر الأفراد على التفكير بلونها.
أما في مسرحية “يوليوس قيصر”، فالخطر يكمن في طموح الفرد المطلق. فقد كان رفض قيصر للتاج ثلاث مرات أمام الجماهير مجرد مسرحية سياسية؛ والفلسفة هنا تتناول هشاشة النظام الجمهوري وسهولة انزلاقه نحو الديكتاتورية عندما تلتف الجماهير حول زعيم كاريزمي يرفع شعارات زائفة.
المحور الرابع – وسيلة المقاومة: سيادة القانون مقابل العنف السياسي
كيف يمكن للرجل الصالح أن يقاوم حاكماً مستبداً؟ هنا تختلف الفلسفتان في المسرحيتان وفي الوسيلة اختلافاً جذرياً:
سلاح القانون (مقاربة سلمية دفاعية): ففي مسرحية رجل لكل العصور يرى توماس مور في القانون “غاية” تحمي المواطنين من شيطان (الاستبداد). ففلسفته تقوم على المقاومة السلبية؛ فهو يصمت، ويحتمي بالقانون، ويرفض الانجرار إلى التمرد المسلح أو التحريض.
سلاح الاغتيال (مقاربة عنيفة هجومية): أما بروتوس ورفاقه في «يوليوس قيصر»، فقد اعتقدوا أن التهديد الذي يمثله قيصر لروما يبرر تجاوزهم للقانون واغتياله بشكل استباقي. وهنا يوضح شكسبير من خلال الفوضى والحروب الأهلية التي تلت الاغتيال أن العنف السياسي يولد دماراً أكبر، وأن الغايات النبيلة لا تبرر الوسائل الدموية.
وهُنا تحديداً، تتصادم رؤية «الأديب المثقف» مع براغماتية «السياسي الثوري»؛ ففي الوقت الذي يرى فيه أديبٌ كشكسبير أن العنف انزلاقٌ أخلاقي يجلب الكوارث، يتشكل على الضفة الأخرى منهجٌ مناقض تماماً يمثله منظرو الثورات كـ «فلاديمير إيلتش لينين» ممن يراكمون الفكر السياسي على مبدأ «التكتيك الثوري». ففي أدبيات العنف الثوري، لا خيانة أخلاقية في السلاح، بل تُخضع الأخلاق للمصلحة والهدف الأسمى. إنه التمايز الخالد بين عُذرية الأحلام الأدبية التي تنشد الواقع المثالي، وبرجماتية الفعل السياسي الذي يبتلع الوسائل في سبيل الغايات.

ولكن في ختام هذه الصراعات، يلتقي البطلان («توماس مور» و«بروتوس») عند حقيقة سياسية وفلسفية مأساوية ودامية: وهي أن «الرجل النبيل يسهل تدميره في مسرح السياسة». فلقد فقد كلاهما حياته ثمناً لتمسكه بقناعاته؛ لكن المقصلة التي أنهت حياة «توماس مور» رفعت اسمه كشهيد خالد للضمير الفردي وسيادة القانون، بينما ترك خنجر «بروتوس» اسمه معلقاً في ذاكرة التاريخ كشخصية مأساوية أخطأت التقدير حين ظنت أن الاغتيال وسفك الدماء يمنحان الحرية للأمم.
ولا تتوقف هذه المعضلة عند حدود المسرح الأدبي، بل تتجسد بعمق في واقعنا المعاصر؛ إذ يقف المجتمع المصري اليوم عقب تجاربه التاريخية القريبة في العقد الأخير متأرجحاً بين هذين الخيارين الذى أحلاهما مُرّ:
إما السقوط في «فخ بروتوس» وما يتضمنه من مغامرات التغيير العنيف أو غير المحسوب التي قد تنتهي بالفوضى وانهيار المؤسسات، وإما التأقلم بـ «الصمت الناجي» على طريقة توماس مور، باختيار المقاومة السلبية والحفاظ على القيم الذاتية والتركيز على البقاء، انتظاراً لتغير ظروف الزمن ودورة التاريخ.

ولعل مشكلة مصر اليوم:
تكمن في أن النظام ومؤيديه يتكلمون لغة الواقع ويحسبون حسابات الواقع وينصحون الآخرين المعارضين بالعيش على أرض الواقع بعيداً عن سماء الأحلام والأوهام وعدم الإقدام على حماقات انتحارية.
بينما المعارضون قلوبهم مشحونة بالرغبة في «الانتصار للحلم» والمواجهة الأقرب للأمثولة التراجيدية منها للإنجاز الواقعي.
وبسبب هذه التناقضات بين مشقة (الواقع) المُعاش وابتعاد وصعوبة تحقيق (الحلم) المرتجى انتقل الغالبية من الشعب من «الحالة الكافكاوية» حيث يموت الفرد لتبقى الأمثولة ، إلى «الحالة الشكسبيرية» حيث يكون الانتظار جحيماً والنسيان موتاً في متاهة من الوجع كما عرفنا من تردد الأمير هاملت وعذابات الملك لير!
وفي النهاية، وحين أغلقت صفحات المسرحيتين وعدتُ إلى واقعي، أدركتُ أن «المقصلة» و«الخنجر» ما هُما إلا رمزان أزليان لصراع الإنسان الأبدي مع الجبروت والزيف. لقد غادرتُ عوالم “دوستويفسكي” و”شكسبير” و”روبرت بولت”، لأجوب ببصيرتي قبل بصري في أركان غرفتي باحثاً عن ومضة نور وسط عتمة الأسئلة المربكة التي ألقاها الواقع في وجهي.
وقلتُ لنفسي إن الأوطان لا تُبنى على أنقاض الضمائر، ثم إن التاريخ، بقدر ما يقسوَ على النبلاء الذين قاوموا بقلمٍ أو بسيفٍ أو حتى بصمتٍ، يظل حافظاً لأسمائهم كمناراتٍ تُضيء درب الحرية.
وحين يشتد ليل الاستبداد وتتوارى معالم الحقيقة خلف ضباب المصالح، يظل السؤال الأخير معلقاً في هواء غرفتي بجانب كتبي وأوراقى، يتردد صداه مع كل تنهيدة ألم ، وزفرة يأس ، وشعور بالعجز: هل نختار “الصمت الناجي” كالسير توماس مور، أم نخاطر “بالسقوط” كقيصر ماركوس يونيوس بروتوس في فخ اللعبة السياسية؟
وحدها الأيام، وتطور الحوادث والتفاعل بين الفعل والزمن على أرض الواقع وصدق الضمير، ما يكفل الإجابة على الأسئلة الحائرة في عقل السير مجدي منصور!!




