الكوفة… طهران قلق الوجود | بقلم علي الهماشي

مقدمة
هذا النص لا يقارن بين عليّ بن أبي طالب (ع) والخامنئي (رض)، ولا يساوي بين الكوفة وطهران، ولا يبحث عن تشابه في الأشخاص أو في الأحداث.
في الكوفة كان الاغتيال فردياً، لكنه وقع في مناخ اجتماعي مرهق من المثال العلوي الذي يكشف هشاشته.
وفي طهران كان الاغتيال خارجياً، لكنه اكتسب معناه الرمزي لأن المجتمع يعيش توتراً مزمناً بين الوعد الذي ترفعه القيادة والواقع الذي يعجز عن اللحاق به.
لهذا لم يكن الاغتيال في الحالتين حدثاً سياسياً فحسب، بل تعبيراً عن قلق وجودي.
أين وجه الشبه؟
التشابه الذي أتحدث عنه لا يتعلّق بالسياسة ولا بالتاريخ، بل بالبنية المجتمعية الشيعية حين تواجه قيادة ترفع السقف فوق قدرة الواقع.
المجتمع الكوفي:
لقد عاش المجتمع الكوفي قلق الوجود وقلق المصير، رغم وجود عليّ بن أبي طالب (ع) على رأس السلطة.
كان يمارس سلطة لم يألفوها طيلة أربعٍ وعشرين سنة بعد وفاة النبي (ص).
ممارساته كانت أقرب إلى الإصلاح البنيوي، ولم يمارس سلطاته العليا كخليفة يريد تثبيت حكمه، بل كقائد يريد أن ينهض المجتمع معه لا أن يُسحب خلفه، أراد أن يعود القرار إلى المسجد لا إلى ديوان الأمير.
عليّ كان يبحث عن هداية الأفراد وصلاح المجتمع، وهذا أصعب بكثير من ممارسة الحكم الذي يعتمد على الأمر والنهي والتنفيذ.
فما هو مصدر القلق؟
في مجتمعٍ أَلِفَ الظلم، حيث الغلبة للقوي على الضعيف، يصبح الإصلاح نفسه مصدراً للقلق، خصوصاً حين يأتي على يد رجلٍ يبحث عن العدل في كل حركة، ولا يفرضه بسلطته، بل يريد له أن ينبع من الوجدان.
القلق الكوفي لم يكن اضطراباً سياسياً عابراً، بل نتيجة مواجهة مباشرة مع نموذج للسلطة لم يألفه الناس منذ ربع قرن تقريباً .
عليّ ( ع) لم يدخل الكوفة بوصفه امتداداً لما قبله، وهو يعلم أنَّ القوم لا يمكن لهم أن يستوعبوه وقد قالها ” دعوني والتمسوا غيري وأنا لكم وزير خير لكم مني أميراً”ولهذا كان يأمل بتصحيح مسار السلطة التي تُدار بالمساومات وتشتري الولاءات.
وجد المجتمع نفسه أمام تحدٍ جديد ، عدل لا يساوم، وعدل كهذا لا يريح أحداً ، يقلق الكل!.
فالعدل حين يتحول إلى معيار يومي يكشف هشاشة الأفراد قبل هشاشة الدولة، ويجعل المجتمع يرى نفسه في مواجهة مثل وقيم لا ترحم.
ومن هنا بدأ قلق الوجود: ليس خوفاً من السلطة، بل خوفاً من الذات أمام سلطة تطلب منها أن تكون شيئاً آخر
القلق ناشئ من شعور بأن القيادة — سواء كانت معصومة أو بشرية — تطلب من المجتمع أكثر مما يستطيع، وأن المثال الذي تطرحه لا تطيقه النفوس إلا ما رحم ربي.
قلق الوجود: لحظة التأسيس
لم يبدأ القلق في التجربة الشيعية بوصفه شعوراً، بل بوصفه صدمة.
فالهوية التي تشكّلت حول مثالٍ أعلى لا يتحقق، ووعدٍ لا يكتمل، وقائدٍ يُقتل كلما اقترب من الحقيقة، لا يمكن أن تكون هوية مطمئنة.
ومن هنا تصبح الكوفة لحظة تأسيسية: ليست مدينة، بل مثال ورمز .
دخل عليّ الكوفة لا كحاكم، بل كمصلح .
لم يأتِ ليعيد إنتاج السلطة كما عرفها الناس، بل ليضعهم أمام أنفسهم ، والناس يحتملون الحاكم، لكنهم لا يحتملون المصلح.
فالسلطات التي سبقته أتقنت فنّ التغطية: تُرضي القبائل وتساوم الزعامات.
أما هو فجاء بنموذج سامٍ لا يريد لهذه الممارسات أن تحجب عن الإنسان دوره في الحياة.
كان حضوره كشفاً لا ستراً، ومواجهة لا مهادنة، كان وجوده يمثل ارهاقاً وشعوراً بالنقص اتجاهه !
ولهذا أتعبهم: فهو يجسد قيماً لا يستطيعون مجاراتها، و تحمّلها يثقل كاهل المجتمع.
فالقيم العليا حين تتجسد على يد الحاكم وتتحول إلى معيار يومي، تزلزل النفوس، وتؤرق مَنْ في قلبه مرض.
ما أسهل الحكم وما أصعب الهداية!!.
عليّ لم يأتِ ليحكم، بل ليهدي.
الحكم سيطرة خارجية، والهداية إصلاح داخلي.
والناس يطيعون السلطة، لكنهم يهربون ممن يطالبهم بأن يهتدوا.
فالطاعة أسهل من الصدق، والصدق هو ما كان يطلبه عليّ.
وهكذا وجد نفسه في مفارقة قاسية:
فهو امتلك أدوات الحكم لكنه لا لم يكن يرى الحكم غاية !، ويمتلك رؤية الهداية لكن المجتمع لا يرى نفسه مستعداً لها ، متهرب منها ،يتملل من تفاصيلها !.
وفي هذا الفراغ بين الحكم والهداية نشأ القلق الوجودي الذي لم تستطع الكوفة تحمّله طويلاً.
ورغم أن المثال الذي حمله عليّ (ع) وجسّده بسلوكه كان مصدر قلق،
إلا أن المجتمع أحبه، لأن الناس بطبعهم يميلون إلى الصالح،
وعليّ كان من الصالحين والمصلحين، واصلاحه لم يكن فرضاً ولم يحارب من خالفه الا بعد أن يرفع السيف ضده ، لهذا شعروا
في كنفه بأمن وأمان.
وإنْ كانوا قلقين من عدله، لكنهم مطمئنين إلى وجوده ، علي (ع) يُحسنُ الى المخالف والى المصالح على حد سواء ما داموا في كنف رعايته ،
فلما اغتيل، لم يختفِ القلق، بل تضاعف، لأنهم فقدوا الأمن الذي كان يمنحه حضوره،
ولأن أعداءه استغلّوا ذلك الفراغ لمحاولة إنهاء الوجود الشيعي نفسه.
وهكذا تحوّل القلق من قلقٍ أمام المثال، إلى قلقٍ من غياب المثال،
ومن خوفٍ من العدل، إلى خوفٍ من ضياع الحماية التي كان العدل يوفرها.
كانت بنيتهم النفسية تدفعهم الى القلق من المثل الاعلى ، لكنه يمنحهم أماناً خارجياً بوجوده
ولهذا تحول القلق من نفسي الى وجودي بعد اغتياله .
أنا لا أدرس الاغتيال بوصفه جريمة سياسية — وهو كذلك — بل أبحث في نتيجته:
ذلك الفعل الذي يكشف عن قلق بدأ كصدمة ثم تحوّل إلى جزء من الهوية، وكأن المجتمع الشيعي تطبّع على هذا النوع من القلق.
القلق الطهراني :
لكن القلق لم يبقَ في الكوفة.
فالبنية التي تكشّفت هناك — بنية المثال الذي يواجه مجتمعاً غير مستعد — عادت في الحاضر بثوب جديد.
طهران ليست امتداداً جغرافياً للكوفة، بل امتداد في الوعي:
وعيٌ يواجه قيادة ترفع سقف المعنى فوق قدرة الواقع، وتربط السياسة بالهداية، والدولة بالوعد.
ومع ذلك، هناك اختلاف جوهري:
الكوفة واجهت علياً من موقع مجتمع لم يختبر الدولة بعد،
أما طهران فتواجه مشروعها من موقع دولة اكتملت مؤسساتها وتحوّلت من ثورة إلى نظام.
الكوفة خافت من الارتفاع إلى مستوى العدل،
وطهران تخاف من الهبوط عن مستوى الوعد.
الأولى خافت من المستقبل،
والثانية تخاف من الماضي الذي وعدت بتجاوزه.
وتكرّر الاغتيال:
وهكذا تتكرّر آلية الاغتيال، وإن اختلفت أدواتها.
لم يُقتل عليٌ لأنه ظالم، بل لأنه عادل أكثر مما يحتمل مجتمع يريد أن يبقى كما هو.
كان وجوده يفضحهم، فكان الاغتيال محاولة لاستعادة طمأنينة زائفة.
وفي طهران لم يكن الاغتيال داخلياً، بل خارجياً، لكنه اكتسب معناه لأن المجتمع يعيش توتراً بين المثال والواقع.
فالاغتيال — جسدياً أو رمزياً — يصبح محاولة للهروب من القلق الذي تفرضه القيادة.
هل تحوّل القلق إلى هوية؟
القلق الذي بدأ كصدمة سياسية لم يعد ردّ فعل، بل صار جزءاً من الهوية.
فالهوية التي ترى العالم كما ينبغي أن يكون، لا كما هو، تحمل قلقاً دائماً ،قلقاً من الواقع لأنه ناقص،
ومن المثال لأنه مرتفع،
ومن الذات لأنها عالقة بينهما.
القلق هنا ليس شعوراً، بل طريقة لفهم العالم.
تراكم الجراح
لم يحدث هذا التحوّل صدفة، بل بفعل عوامل تراكمت عبر الزمن من اغتيال عليّ إلى الحسين إلى نكسات اخرى سجلها التاريخ ،مع هشاشة نفسية ، وخوف من المستقبل ، ترسخ ذلك المثال في الوعي فرداً وجماعة ، مع غياب المصالحة مع الواقع .
بهذا تراكمت طبقات القلق حتى صار جزءاً من الهوية.
هناك أمل:
ليس من عادتي أن أدفع إلى اليأس.
فالقلق ليس لعنة، بل يمكن أن يكون محرّكاً حين يكشف النقص ويشخّص العلة ويتجه إلى الإصلاح.
وهكذا يتحوّل القلق من عبء نفسي إلى طاقة وجودية تحفظ للهوية قدرتها على المقاومة والحلم.
القلق مشروع وجودي:
وفي النهاية قد يصبح القلق مشروعاً معرفياً ، ويمكن أن يكون منهجاً في قراءة التاريخ، وفي نقد السلطة، وفي مساءلة الذات، وفي البحث عن معنى يتجاوز اللحظة.
القلق هنا بداية:
هنا قد تكون نقطة التحول عندما يكون القلق بداية وعي لا يطمئن إلى السائد، ولا يخضع للمألوف، ولا يتصالح مع النقص بل يعمد الى اصلاحه أو اكماله .
وهكذا يتحوّل القلق من جرحٍ قديم إلى أفقٍ جديد،
وهكذا يستوعب الصدمة ويتجه بها الى طريقةٍ لفهم العالم، بعقلية تحاول الاستقرار بدل البقاء في دوامة القلق.
وبهذا يتحول الاغتيال رغم الألم ومرارة الخسارة إلى يقظة وجدانية تعيد رسم خارطة السلوك على مستوى الفرد والمجتمع.




