الاحدثالشرق الاوسط
اليسار .. من مشروع تحرري إلى كومبرادور الغرب الأخير ! | بقلم السفير رشاد فراج الطيب

لم يكن اليسار العربي في بداياته مجرد تيار سياسي أو تنظير اجتماعي وافد من أوروبا ، بل كان في جوهره مشروعًا تحرريًا وطنيًا حاول أن يعبّر عن أحلام المقهورين وأن يواجه الاستعمار والإقطاع معًا. كان يحمل روح الثورة على الظلم واحتجاج الفقراء على التبعية والوصاية. لكن ما لبث أن تبدّل المشهد ، وتحوّل اليسار شيئًا فشيئًا من موقع الفعل إلى موقع التبعية ، حتى غدا في كثير من تجلياته يسارًا كومبرادوريًا ، يعيش على هوامش الرأسمالية الغربية ، ويقتات على فتات مؤسساتها الفكرية والمالية .
لقد مثّل سقوط الاتحاد السوفيتي لحظة الانكسار الكبرى لليسار العربي والسوداني على السواء ، إذ تهاوت المرجعيات الفكرية التي كانت تمدّه بالمعنى والشرعية . وعندما كتب “فوكوياما” كتابه الشهير “نهاية التاريخ والإنسان الأخير” ، كان في الحقيقة يعلن انتصار النموذج الليبرالي الغربي لا كمرحلة من التاريخ ، بل كنهايته .
عندها استسلم كثير من اليساريين العرب والسودانيين لتلك السردية ، وبدلًا من أن يقاوموها أو يقدّموا بدائل نابعة من واقعهم وموروثهم الحضاري ، اندمجوا فيها طوعًا ، محوّلين أنفسهم إلى وكلاء ثقافيين وفكريين للغرب .
أصبح اليساري العربي والسوداني المعاصر يتحدث بلغة الممول لا بلغة الأمة. انخرط في مشاريع “المجتمع المدني” الممولة من الخارج ، وتبنى خطابًا ناعمًا عن “حقوق الإنسان” و”النوع الاجتماعي” و”الحوكمة الرشيدة” ، وهي قضايا في ظاهرها نبيلة ، لكنها في كثير من الأحيان تُستعمل أداة لتفكيك الدول وتمييع الوعي الوطني .
ومع مرور الزمن ، لم يعد كثير من اليساريين يرون في الغرب خصمًا إمبرياليًا ، بل شريكًا راعيًا ، حتى ولو كان هذا الشريك ذاته هو من يصنع الحروب ويغذي الانقسامات في العالم العربي .
في السودان ، الذي كان اليسار فيه يومًا طليعة الوعي الوطني وصوت الكادحين ، بدا هذا التحوّل أكثر مرارة. فبعد أن كان اليسار منخرطًا في معركة التحرر الوطني وبناء الدولة الحديثة ، أصبح جزءًا من المشهد النيوليبرالي الجديد ، يبرّر التدخلات الأجنبية تحت لافتة “الديمقراطية” ويهاجم الدين والجيش والهوية الوطنية أكثر مما يواجه التبعية الاقتصادية والاستعمار الجديد .
انظروا أين تموضع اليسار السوداني بكل اطيافه والي موقفه من الحرب والعدوان علي السودان ، للأسف يقف مبررا للتمرد والعدوان وداعما للتدخلات الدولية ومنتقدا ومشككا في تحركات الجيش ورافضا لاستدعاء الشعب للمشاركة في صد العدوان ! فقط لان خصومه الاسلاميين يقفون في طليعة الصف الذي يتصدي للعدوان !
لقد تحوّل إلى طبقة من المثقفين الوسيطين كما وصفهم المفكر سمير أمين ، تقوم بوظيفة نقل الأفكار والسياسات التي تخدم مصالح الخارج داخل البنية المحلية .
لقد تحقق في هذا اليسار ، من حيث لا يدري ، وصف فوكوياما لـ “الإنسان الأخير” : ذلك الكائن الذي فقد الحلم والبطولة ، يحمل مظلته وحقيبته في طاعة وادعة ، يعتاش على رفاه الغرب وأفكاره المستهلكة .
يسارٌ بلا مشروع ، بلا جذور ، بلا رؤية لتغيير الواقع . يسار يبيع الوهم ويستهلك البضاعة الفكرية البائرة القادمة من مراكز القوة .
أما اليسار الحقيقي ، الذي يستحق أن يُنسب إلى هذا الاسم ، فهو الذي ينحاز إلى شعوبه لا إلى ممولي مشاريعه . يسارٌ يعرف أن التحرر لا يأتي من واشنطن ولا من بروكسل ، بل من داخل المجتمعات نفسها ، من وعيها ، ومن قدرتها على صياغة نموذجها المستقل في السياسة والاقتصاد والثقافة.
وإن من أهم ما يجب على اليسار مراجعته اليوم هو موقفه العدمي من الدين والوحي ، ذلك الموقف الذي قطع بينه وبين وجدان الشعوب العربية والإسلامية.
فالدين في هذه المجتمعات ليس مجرد منظومة طقوس ، بل هو المصدر العميق للقيم ، والمحرّك التاريخي للمقاومة ، والرافعة التي استمدّت منها الأمة طاقتها في مواجهة الاستعمار والإمبريالية والصهيونية والعلمانية المتطرفة التي تستهدف وجودها وهويتها وخصوصيتها الثقافية.
إن أي يسار لا يرى في الوحي قوة روحية وأخلاقية تسكن ضمير الأمة ، ولا يتصالح مع تراثها الإيماني ، سيبقى يسارًا بلا جذور ، غريبًا عن مجتمعه ، مسلوب الصلة بالناس وبقضيتهم الكبرى في التحرر والكرامة. لقد آن له أن يراجع نفسه ، وأن يفهم أن الدين ليس عائقًا أمام النهضة ، بل هو الينبوع الأصيل الذي يمنح الأمة معناها وقوتها وبقاءها .




