الاحدثالشرق الاوسط
تفكك البنى التنظيمية في السودان… عندما تتحول المحسوبية إلى معول يهدم التحالفات السياسية| بقلم عثمان عبدالرحمن

تعاني الحياة السياسية السودانية منذ سنوات من أزمة بنيوية عميقة تتعلق بطبيعة البناء التنظيمي للأحزاب والتحالفات، حيث يغيب في كثير من الأحيان الأساس المؤسسي الذي تقوم عليه الممارسة الديمقراطية الحديثة. وفي ظل هذه الهشاشة التنظيمية، تتقدم الولاءات الشخصية والدوائر الضيقة على حساب الكفاءة والشرعية المؤسسية. وقد لعبت تجربة جماعة الإخوان المسلمين في السودان دوراً محورياً في ترسيخ هذا النموذج، إذ أسست خلال سنوات حكمها لما يمكن وصفه بثقافة “التنظيم المغلق”، حيث تتداخل المصالح الحزبية مع أجهزة الدولة وتُدار القرارات داخل شبكات ضيقة من الولاءات العقائدية والتنظيمية، الأمر الذي انعكس لاحقاً على كثير من القوى السياسية التي ورثت أو تأثرت بهذا النموذج.
وفي سياق التحالفات السياسية، تبدو هذه الإشكالية أكثر وضوحاً، إذ غالباً ما تتشكل التحالفات في السودان على أسس تكتيكية قصيرة المدى، دون أن تستند إلى برامج استراتيجية أو هياكل تنظيمية راسخة. وفي هذا المشهد، تظل تجربة الإخوان المسلمين حاضرة كمرجعية تحذيرية، حيث أظهرت بجلاء كيف يمكن للمحسوبية السياسية والتمكين التنظيمي أن يقوضا مفهوم العمل المؤسسي. فبدلاً من بناء تحالفات قائمة على التعددية والشراكة السياسية، يتم اللجوء إلى إعادة إنتاج نماذج السيطرة الحزبية الضيقة التي ارتبطت تاريخياً بمشروع الإخوان، وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى تفكك التحالفات عند أول اختبار حقيقي للمصالح أو النفوذ.
كما أن الفساد السياسي والإداري يمثل عاملاً مركزياً في تعميق أزمة التنظيمات السودانية، إذ تتحول المواقع القيادية داخل بعض الكيانات إلى أدوات لإعادة توزيع النفوذ والمصالح، لا إلى منصات لخدمة البرامج الوطنية. هذه الظاهرة ليست بعيدة عن الإرث السياسي الذي خلفته جماعة الإخوان المسلمين خلال فترة سيطرتها على مفاصل الدولة، حيث ارتبط مفهوم “التمكين” آنذاك بإنشاء شبكات ولاء سياسية واقتصادية داخل مؤسسات الحكم. ومع مرور الوقت، أصبحت هذه الثقافة جزءاً من المشهد السياسي العام، الأمر الذي جعل العديد من التنظيمات تعيد إنتاج أنماط مشابهة من المحسوبية والتكتلات الداخلية، ما يضعف بنيتها التنظيمية ويهدد استقرارها.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الأزمة أعمق من مجرد خلافات سياسية عابرة؛ فهي في جوهرها أزمة بنية وثقافة تنظيمية داخل المجال السياسي السوداني.
فالتجربة التي قدمها الإخوان المسلمون، سواء خلال سنوات الحكم أو بعد سقوطهم، كشفت بوضوح كيف يمكن لغياب المؤسسية وسيادة التنظيم العقائدي المغلق أن يقودا إلى التشظي والانقسامات الحادة. واليوم، تجد العديد من القوى السياسية نفسها تواجه المصير ذاته، حيث تتآكل التحالفات تحت ضغط الصراعات الداخلية وتنافس القيادات. وإذا لم تتجه النخب السياسية إلى بناء تنظيمات حديثة قائمة على الحوكمة الرشيدة والديمقراطية الداخلية، فإن “لعنة التنظيم المغلق” التي ارتبطت بتجربة الإخوان قد تظل تلاحق المشهد السياسي السوداني لسنوات طويلة قادمة.



