الاحدثالشرق الاوسط
من آفي دختر الي ناتاليا كوادروس..السودان في مواجهة إسرائيل | بقلم السفير رشاد فراج الطيب

لم يعد ما يجري في السودان سرًا ولا صراعًا داخليًا كما تحاول بعض الأطراف الإقليمية والدولية إقناع العالم به .
الأيام الأخيرة وحدها كانت كافية لتسقط الأقنعة ، خصوصًا بعد المقال الصريح الذي نشرته صحيفة The Jerusalem Post الإسرائيلية بقلم الكاتبة المقربة من دوائر القرار في تل أبيب والمتخصصة في الشؤون الافريقية – ناتاليا كوادروس – في ٥/ نوفمبر ٢٠٢٥م .
هذا المقال لم يكن تحليلًا عابرًا ، بل كان إعلانًا سياسيًا مباشرًا يحدّد رؤية إسرائيل للحرب في السودان ، ويكشف مستوى القلق داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من احتمال عودة السودان كقوة إقليمية مؤثرة على البحر الأحمر .
قالت ناتاليا بوضوح لا يحتمل التأويل “إذا لم يتحرك الغرب ضد نظام البرهان ، فعلى إسرائيل أن تقود التحرك بنفسها .” هذا ليس رأيًا صحفيًا ، بل رسالة من خلف الستار ، إسرائيل تعتبر نفسها صاحبة المصلحة الأولى في إضعاف السودان ، ولديها الاستعداد للانتقال من الدور غير المباشر إلى التدخل المباشر .
مقال كوادروس كشف جملة من المحاور أهمها تصوير السودان كـ”جبهة إيرانية” جديدة ، وهو ادعاء بلا دليل لكنه يُستخدم كغطاء لتبرير العمل ضد الخرطوم .
كما ركز المقال على أن البحر الأحمر هو خط حياة لإسرائيل ، وأن قيام دولة قوية على ساحله يمثل تهديدًا استراتيجيًا لها . والأخطر هو دعوة الكاتبة الصريحة لانتقال إسرائيل من الدعم غير المباشر إلى التدخل المباشر في السودان ، تحت غطاء “مكافحة الإرهاب الإسلامي” أو “منع النفوذ الإيراني”.
إنها محاولة لإعادة إنتاج خطاب قديم يخدم مشروعًا واحدًا هو إضعاف السودان قبل أن ينهض .
إنها رواية خادعة لا علاقة لها بحقائق الواقع ، ولكنها تخدم التحريض السياسي الذي تحتاجه إسرائيل لتبرير أي خطوة قادمة .
هذه الرؤية الإسرائيلية ليست وليدة اللحظة ،
ففي عام 2008 قال وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي آنذاك – آفي دختر- جملة ما زالت تلخص العقلية الأمنية الإسرائيلية تجاه السودان “أمن إسرائيل يبدأ من الخرطوم . ” مضيفًا أن السودان إذا استقر ونهض فسيصبح قوة مؤثرة في البحر الأحمر وشرق إفريقيا ، وسيُشكّل تحديًا للأمن الإسرائيلي .
ما نراه اليوم ليس سوى التطبيق العملي لتلك الرؤية ، بين تحذيرات 2008 وتحريض 2025 لم تتغير الإستراتيجية ، بل أدوات التنفيذ فقط .
أما في الحرب الحالية ، فقد تجاوز الدور الإسرائيلي التحليل والرغبات . الإمارات تموّل ، وتشاد توفر الممرات الخلفية ، وحفتر يقدم الذراع اللوجستي والتسليحي ، بينما يكتمل العقل المدبر في تل أبيب .
التسلسل واضح وهو دعم للمليشيا ، تهيئة سياسية دولية ، تحريض إعلامي ، وضغوط على الخرطوم .
إن شبكة دعم المليشيا لا تعمل فرادى ، بل ضمن منظومة واحدة مرتبطة بمخطط إسرائيلي أكبر هدفه ضرب الجيش السوداني ومنع السودان من العودة دولة موحدة قوية ذات سيادة على البحر الأحمر .
وفي هذا السياق ، لا يمكن إغفال حقيقة أن أي مبادرة أو خطة أمريكية للتدخل في السودان سواء جاءت تحت عنوان “وقف الحرب” أو “إعادة الاستقرار” لن تكون خالية من الغرض .
الولايات المتحدة ليست وسيطًا بريئًا في منطقتنا ، وأجندتها في السودان ستتشابك بالضرورة مع أجندة حليفتها إسرائيل ، وستحرص على إرضاء حلفائها الإقليميين الذين تورطوا في إشعال الحرب وتمويل المليشيا .
إن مثل هذه المبادرات لن تكافئ الجيش السوداني ولا الشعب السوداني على انتصاراتهم التي تحققت في أرض المعارك بدماء الشهداء ، بل ستسعى لفرض ترتيبات سياسية تضمن استمرار نفوذ القوى الخارجية ، وتمنع السودان من جني ثمار صموده وتضحياته .
إن الدعوات الإسرائيلية للتدخل المباشر في السودان تمثل ذروة التصعيد. حين تقول كوادروس إن على إسرائيل أن “تنزل الملعب بنفسها” إن لم يتحرك الغرب ، فهي لا تتحدث عن سيناريو نظري بل عن إحلال تدخل مباشر محل التدخل عبر الوكلاء .
إنها دعوة خطيرة تستهدف شرعنة تدخل دولي واسع يغيّر طبيعة الصراع، ويدفع السودان نحو مصير مشابه لبلدان تم العبث بخرائطها السياسية تحت ادعاءات مشابهة .
إن السودان اليوم يواجه مشروعًا خارجيًا متكامل الأركان ، يختطف الصراع ويحوله إلى حرب إقليمية تقودها إسرائيل بالتخطيط ، وتنفذها أذرع إقليمية معروفة ، وتُقدَّم للعالم على أنها “نزاع داخلي” أو “مشكلة إنسانية” .
لكن الحقيقة أن الهدف واحد منذ ستينيات القرن الماضي وهو ضرب وحدة السودان ، إضعاف جيشه ، ومنع قيام دولة قوية على البحر الأحمر .
لم يعد أمام السودانيين ترف التردد أو الوقوف في منتصف الطريق .
إن واجب اللحظة هو أن يعرف السودانيون ، ومعهم العالم ، أن الحرب على السودان ليست صراعًا داخليًا ، بل حربًا إقليمية ودولية تلعب فيها إسرائيل الدور الرئيسي . ومن ثم فإن حماية السودان تبدأ بالاصطفاف خلف جيشه وقيادته ، لأن الجيش هو المؤسسة الوطنية الوحيدة القادرة على حماية الأرض والدولة والحدود .
إن وحدة الصف اليوم ليست خيارًا سياسيًا ، بل شرط وجود ، وسلاح السودان الحقيقي في مواجهة مخطط وعدوان لا يريد للسودان أن يبقى دولة مستقلة وناهضة على الخريطة .




