الاحدثالشرق الاوسط

هل فقدت النخب حضورها الفاعل في السياسة العراقية؟ | بقلم علي الهماشي

لعلّه تساؤل مستفز قليلًا، وقد يأتي الجواب متسرعًا بنعم أو لا دون تفصيل.

لكن الملاحظ أنَّ النُخب العراقية بدأت تغيب شيئًا فشيئًا عن المسرح السياسي وقد تكون حاضرة بأسمائها لكنها تغيب بأفعالها، وماكانت تحمله من أفكار، طموح، وأحلام بدأت تذهب أدراج الرياح، واستسلمت للواقع السائد، بمعنى أنها لا تروج لذلك، وبعضهم تنصل منها في ردة فعل غريبة، هل هو نكوص لا أعلم!؟ وبعضهم يبرر بأنَّ الصراع ليس صراعًا ثقافيًا بل إنه وجودي في نتائجه، لهذا نرى هذا الاستسلام والخنوع.

فلا صوت للحكمة ولا ظهور لها بل نرى خليطًا ومزيجًا مشوهًا لكل القيم، لذلك لا أرى في الأُفق إصرارًا من النخب المثقفة على قول كلمتهم، وتذكير الجماهير بها، ومازالت النُخب لم تقم بمسؤوليتها، و طالت مرحلة الصيرورة في بلورة اتجاه واضح للمجتمع العراقي.

ونعيش مع الفقاعات على أنها ظواهر اجتماعية وهي ليست إلا إنفعالات لحظية تتوسع بفضل منصات التواصل وتتلاشى بنفس السرعة.

فلا أستطيع القول حتى هذه اللحظة أنَّ هناك اتجاهًا ثابتا للمجتمع فالفوضى في طبقاته تبرز لنا شعبويين ولا يمكن تصنيف حركة للمجتمع حتى هذه اللحظة رغم مرور أكثر من عقدين على سقوط الديكاتورية في 2003، فمعظمها متسرعة لا تستند الى الأصالة، ومازلنا بعيدين عن تتبع المَثل الأعلى في حركتنا الاجتماعية، ومازالت المصالح الفردية هي الغالبة حتى عند النخب، ولهذا ما زلنا في التناقض القيمي ان جاز التعبير وكما عبر الشهيد الصدر في كتابه اقتصادنا حينما شخص المشكلة فقال ” وهكذا يتضح أن المشكلة الاجتماعية التي تحول بين الإنسانية وتكاملها الاجتماعي هي التناقض القائم بين المصالح الاجتماعية والدوافع الذاتية وما لم تكن الإنسانية مجهزة بإمكانات للتوفيق بين المصالح الاجتماعية والدوافع الأساسية التي تتحكم في الأفراد لا يمكن للمجتمع الإنساني أن يظفر بكماله الاجتماعي” .

نفقد صوت الحكمة:

نقل لنا أفلاطون إنَّ جوهر فلسفة سقراط في الحكم يتمحور حول رجل الدولة الذي يجب أن يكون حكيمًا
لكن الديمقراطية أو لنقل النُظم الانتخابية الحديثة لا تفرز لنا رجالًا حكماء، بل تجعلهم أول الخاسرين في معركة السياسة، ويظهر لنا على السطح الشعبوي، وانصاف المثقفين.

لكنّها ليست المشكلة الاكبر، بل في تحول الكثير من الحكماء او النُخب في ليلة وضحاها الى غير ذلك بمجرد أن انتقل إلى عالم السياسة.

أنا لا أبحث عن الفيلسوف سقراط في أوساطنا، فقد كان رجلًا حالمًا، وعاش المثالية لبثِ الحكمة في اثينا وسط مؤامرات الطبقة الحاكمة، فذهب ضحية هذا التناقض، رجل حالم فيلسوف يبحث عن الحكمة ويستفز يقظة عقول الجماهير لكنها لم تصل الى مستوى الوعي، فكانت أسئلته واستفساراته الحكيمة ونقده للواقع المزري أنذاك مستفزًا للسلطة الحاكمة و لم تجدِ نفعًا مع الاغلبية بل قتلته وبقت اراؤه أسيرة لطلابه !.

نريد قلب المعادلة :

ما قلته أعلاه لايعني أني أُبرر التخلي عن الحكمة بل أُريد الأمرين معًا لا نتخلى عن الحكمة، ولانكون مثاليين، وهذا أهم دروس السياسية، الواقعية المحافظة ربما تيقن افلاطون لذلك واستوعب درس معلمه.

قد يخسر كل من يبحث عن الفضيلة في عالم تسوده الشعبوية التي لا تظهر دون ان تكون خلفها أمور أُخرى، لذلك غلبة روح الاستحواذ على القيم وغلبة أن أكون على أن نكون، حتى تلك الشعارات الشعبوية تذهب أدراج الرياح، شعارات وقتية لاقيمة لها لكن هذا السلوك قد يتجذر في الممارسة السياسية اليومية، نريد للنخبوي والمثقف أنْ يروج لثقافته لا من أعلى البرج بل مع الناس والى الناس، فالحديث الشريف أشار الى “إنا معاشر الأنبياء أُمرنا أن نكلم الناسَ على قدرِ عقولهم.” لكن نخبنا السياسية والثقافية بدلا من أن تُبسط في مفاهيمها وتجعلها مقبولة بطريقة موضوعية وعملية، تنقلب لديهم الحالة، ونرى ممارساتهم انتقلت الى مستوى متدني، وانتقلت لها عدوى الشعبوية بدلًا من تعالج المجتمع منها وكأنَّ طريقة الجذب هي للشعبوية على حساب النخبوية، فالعملية أضحت معكوسة لايرفع مستوى وعي وادراك الجماهير بل ينزل الى مستواهم و وعيهم، ولهذا ما زلنا نعيش بدوامة، ولم يتجه مجتمعنا في مسار واضح..

هذا ما يجب أن تُناقشه مجاميع النُخب والعلماء والاساتذة ورجال الدين (فهم من النخب ايضا)، لذلك نريد النخبة التي تُحدث أثرًا في الوعي الجمعي، وتُعيد تشكيل القيم، وتزرع المفاهيم وتُقاوم الرداءة، والضحالة، يجب أنْ نميز بين من يحمل روح النخبة وبين يدعيها لأن هذا الذوبان والتماهي مع كل ما ذكرت يُنشئُ لنا نموذجًا أردأ من الشعبوي ويمكنني أن أصفه بالنخبوي المرتد !!.

السيّد علي الهماشي، كاتب عراقي

السيّد علي الهماشي، كاتب عراقي مواليد بغداد، له كتابات سياسية عديدة في الشان العراقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى