آخر ما كتب الصحافي الاسباني كارلوس هرنيندس دي ميغيل: “إذا كنت تقرأ هذه المقالة، فذلك يعني أنني قد غادرت هذه الحياة” | ترجمة وإعداد د. بولا الخوري
هذه ترجمة عن الغارديان البريطانية لمقال كارلوس فيرناندز دي ميغيل، الصحافي والكاتب الذي توفي في أوائل فبراير الحالي عن عمر ستة وخمسون عاماً. نشر المقال أصلاً على موقع دياريو الاسباني نزولاً عند رغبة دي ميغيل الاستثنائية والشجاعة بنشره بعد وفاته. عدا ما يثيره مقال دي ميغيل فينا من مشاعر وجودية وإنسانية عميقة وأسلوبه المرهف والحساس في الكتابة حول شؤون الحياة والموت، فإنه يقدم لنا مطالعة مميزة عن رسالة الصحافة وحيوية دورها في زمننا هذا. زمن يتعرض فيه الصحافيون لتقييد حرياتهم الى حد منعهم من الوصول الى أماكن الأحداث وتتم مطاردتهم وسجنهم وإيقاع إصابات بالغة في صفوفهم وصولاً الى قتل المئات منهم كما حدث في السنوات الأخيرة، أحياناً لمجرد وجودهم كشهود عيان في مكان الحدث وقبل أن يكتبوا أو يعبّروا عن رأيهم بما يجري.

عزيزي القارئ، أريدك أن تعلم، وللمرة الأولى منذ أن أصبحت صحافياً، كم كنت أود بأن لا تقرأ ما كتبته هنا. لأن ذلك يعني أنني لم أعد أنتمي الى هذا العالم ولا الى أي عالم آخر. لقد متّ. اللعنة، كم تصعب عليّ كتابة ذلك، لكن هذا هو الحال. لقد متّ ولا أريد أن أرحل دون كلمة وداع ودون مشاركتك آخر أفكاري.
لقد كنت انساناً محظوظاً جداً. محظوظاً لأنني ولدت في بلد أوروبي، وإن كان لا يزال آنذاك تحت نير نظام فرانكو، لكنه سرعان ما راح يتطور اقتصادياً، اجتماعياً وسياسياً. الحظ ولا شيء غير الحظ جعل من مصيري أكثر سهولة بأشواط من مصير مئات ملايين الأطفال الذين ولدوا في مناطق من العالم منكوبة بالجوع والفقر والحرب.
حتى لو كنت أمر بمرحلة صعبة الآن، لا اعتقد بأنه من حقي أن أتذمر أو أندب حظي. كيف لي أن ألعب دور الضحية وأنا على علم بواقع عدم المساواة وانعدام العدالة التاريخيين؟ كيف أبكي مصيري ونحن نشهد ما يحدث حتى اليوم في افريقيا، أفغانستان، أوكرانيا، اليمن، إيران أو فلسطين؟ لا أستطيع أن أجزم لكن آخر فكرة – آخر صورة ستمر في ذهني قبل أن أنطفئ – ستكون عن الأطفال الذين يذبحون في غزة وعن الناجين من الفلسطينيين الذين يواجهون مستقبلاً رهيباً. ما أعرفه هو أنني سأغادر هذا العالم دون أن أكون قد فهمت كيف اختار المجتمع الدولي أن يقف مكتوف الأيدي بينما إسرائيل ترتكب إبادة جماعية على مرأى من عينيه ويجري بثها مباشرة لحظة بلحظة، مجزرة بعد مجزرة.
قررت أن أصبح صحافياً لأنني كنت شديد الاقتناع بأن تغطية الأحداث بمناقبية وصدق سوف تسهم في تحسين وضع هذا العالم. وما زلت على هذه القناعة. أعرف أنني قد ارتكبت أخطاء في ممارستي للمهنة، لقد سايرت الأوضاع أحياناً (آمل لمرات قليلة) حين كان يجب أن أرفض ذلك، ولم أكن بأي صورة من الصور صحافياً مثالياً. بالرغم من كل ذلك بإمكاني أن أنظر الى ماضيّ كصحافي دون أن أجد ما يربكني فيه. بإمكاني أن أقول بأنني لم أكذب يوماً على الإطلاق ولم أتلاعب بالمعلومات أو أخفيها. قد حاولت كمراسل من مدريد، بيلباو، اشبيليا، كابول، القدس أو بغداد أن أحمّل المسؤولية لمن هم في السلطة، لقد حاولت أن أخبر بما يجري، لقد حاولت أن أمنح صوتاً للذين لا صوت لهم. صوت للضحايا، ونقد للجناة. دون حياد. دون غموض. ولهذا أنا فخور بأنني لم أصل الى أعلى المواقع التي كان بإمكاني أن أتبوأها. حتى أنني طردت من عملي حين أصريت على البقاء أميناً لمبادئي.
تعلمت من زملائي المخضرمين ما يمكن أن تسميته بمبدأين أساسيين في الصحافة. الأول هو الموضوعية وهي أمر مختلف تماماً عن الحيادية. إن كان هناك معتد وضحية، كاذب وصادق، شخص فاسد وآخر شريف، فمهمتك كصحافي هي في أن تصف ذلك بوضوح وقوة إقناع. لقد سئمت من أولئك الذين يعتقدون بأن الصحافي الجيد هو من ينقل وجهتي النظر المتضادتين دون فحصهما بتمعن، ودون وضعهما تحت مجهر الحقيقة، خاصة، وهذا أسوأ وشائع جداحين تعلم أن أحد الطرفين لا يقول الحقيقة.
المبدأ الثاني هو أن الصحافي الجيد هو بالضرورة انسان جيد. وأنا أضيف دوماً مبدأ ثالثاً فحواه أن الصحافة ليست مهنة يمكن إضافتها الى لائحة المهن الأخرى. فحقوق المجتمع بالإعلام الحقيقي تقع على كاهل عملنا. كما إن الحرية والمساواة والديموقراطية تعتمد على عملنا وإن لم يكن بشكل حصري. فلا عذر لنا إذن للكذب أو لإخفاء المعلومة. وإن قمنا بذلك فيجب أن نخضع للمحاسبة المهنية لا بل الجنائية.
من حسن حظي أنني اختبرت السياسة من الداخل ومن الخارج. وإن تعلمت شيئاً فهو أن السياسيين لا يشبهون بعضهم البعض على الإطلاق. هناك رجال ونساء يؤمنون فعلاً برسالتهم الهادفة الى تحسين مستوى حياة جميع المواطنين، بغض النظر عما إذا كان هؤلاء قد صوّتوا لهم أم لا.
من الواضح أن هناك سياسيين آخرين ـ وعددهم أكبر بكثيرـ دافعهم الفساد والعطش الدائم للسلطة. يجب أن نحارب هؤلاء ونعمل على تغيير أمور عديدة بل تغيير النظام بأكمله، لكن علينا أن نقوم بذلك من داخل السياسة نفسها. علينا أن نقوم بذلك لأن كل شيء في الحياة هو سياسة أو مشروط بها. لنكن حذرين إذن من أولئك الذين يهاجمون السياسة والأحزاب السياسية والنقابات والديموقراطية. فالبديل عن الديموقراطية هو الديكتاتورية، مهما لجأ البعض الى تجميل الأمور بتعابير جذابة. والبديل من الأحزاب السياسية والنقابات هو نظام الحزب الواحد والنقابة التابعة للدولة. هناك الكثير والكثير مما يمكن تحسينه في النظام الحالي لكن ليس عبر المسار الذي يدعونا أقصى اليمين عبر العالم لإتباعه.
من حسن حظي انني كرست المرحلة الأخيرة من حياتي المهنية للبحث والنشر حول التاريخ الحديث لإسبانيا. وكان لقائي بالناجين من معسكرات الاعتقال النازية والفرانكية كما بعائلاتهم، أحد أكبر الهدايا التي منحتني إياها الحياة. ان ضحايا النازية والديكتاتوريات الأخرى لا يتقفون عن الترداد بأن الفاشية لم تمت، فما زالت كالجمر تحت الرماد، بانتظار المناسبة الملائمة لتشتعل من جديد. لهذا كان ولا يزال مهماً أن نكون واعين للتاريخ. فالنظر الى الوراء هو أفضل طريقة لمواجهة الحاضر ولتفادي تكرار الأخطاء كما للاستعداد لمواجهة التهديدات المستقبلية. النظر الى الوراء يبيّن لك أن الحرية والحياة والديموقراطية غير مضمونين على الإطلاق وأنه علينا أن نقاتل كل يوم للحفاظ عليهم.
سوف أختم مقالي عند هذا الحد. لقد قالت لي إحدى الشابات، العزيزة جداً على قلبي، والتي كانت تعلم أنها قد تموت بين لحظة وأخرى: “الحياة هي امتياز.” حينها لم أقدّر قيمة كلماتها حق التقدير، لكن عزيزي القارئ: استمتع بالحياة، كن سعيداً، ثمّن الأمور المهمة حقاً، أهرب من العلاقات السامّة وأظهر شعورك بالتعاطف…الكثير من التعاطف.
أود أن أخبرك في خاتمة مقالي بأنني سأجتمع مع كل الأصدقاء وأفراد العائلة الذين فقدتهم على مرّ السنين. أود أن أقول ذلك لكنني لا أؤمن بأي إله. وإذ أكتب هذه الأسطر الأخيرة أنا واع أن ما ينتظرني هو مشهد يتلاشى أمام الظلمة السوداء. هذا التلاشي والسواد هما، للمفارقة، ما يعطيان كل المعنى لحياتنا.
أتمنى لكم جميعا كل التوفيق والأمل بأن تمتعوا أنفسكم لأنه، نعم، الحياة هي امتياز ضخم.
المصدر: https://www.theguardian.com/commentisfree/2026/feb/06/reading-this-i-am-dead-how-to-live




