الأحد 13 سبتمبر 2026 بيروت
النشرة البريدية
تحليل سياسي واقتصادي معمّق — بيروت
اشترك
13 سبتمبر 2026·بيروت النشرة
الملف الاستراتيجي
الأقسام النشرة
الأرشيف والخدمات
الرئيسيةالصورة الكبيرة
الصورة الكبيرة

من الطائفة إلى الدولة | بقلم محمد محفوظ

حين التعمق في مجرى الأحداث والتطورات والتحولات السياسية والاجتماعية في المنطقة , يجدها تتجه نحو مسارين و خيارين ..

المسار الأول : هو تفكيك الدول القائمة وبناء كانتونات ودويلات دينية ومذهبية في المنطقة . وهذا بطبيعة الحال سيفتح الأفق العربي صوب صراعات ونزاعات مذهبية ودينية أهلية , تدمر ما تبقى من النسيج الاجتماعي , وتؤسس لمشروعات بناء مجتمعات مغلقة وذات هوية خالصة , مما يفضي إلى التهجير والتهجير المضاد , ويدمر أسس التعايش بين الناس . ويحول الانتماء الديني والمذهبي والعرقي والقومي , من مصدر للطمأنينة الاجتماعية , إلى رافد لتغذية النزاعات المفتوحة على تدمير الدول والأوطان .

و في هذا المسار تنهار الدولة كما ينهار المجتمع , وتتحول الفضاءات الاجتماعية إلى مسرح للاحتراب وتصفية الحسابات وممارسة العنف بكل صنوفه وأشكاله .

ولا شك أن هذا الخيار أو المسار هو من المسارات الكارثية على المنطقة العربية , لأنه يدمر كل شيء ولا يصل إلى شيء .. لأن الانقسام والتشظي والمتلازم دائما مع الحروب واستخدام العنف , سيتولد وسيسري على جوانب الحياة المختلفة .

لذلك يعد ووفق المقاييس المختلفة , أن هذا المسار من المسارات الكارثية على الانسان العربي والاستقرار العربي والنسيج الاجتماعي العربي . لأنه يحول الجميع ضد الجميع دون أفق سياسي واجتماعي واضح ونبيل .

لذلك نجد أن الدول التي بدأ بالبروز فيها هذا المسار , أو هناك قوى تعمل من أجل انخراط الجميع في هذا المسار , تعيش كل صنوف العذاب والعنف والقتل .

فالجميع يمارس القتل والاختطاف والتطهير الديني أو المذهبي أو العرقي , والكل يشعر أنه بهذا العمل المشين يدافع عن مقدساته وتاريخه وثوابته , وهو في حقيقة الأمر يدمر مقدساته وتاريخه وثوابته .

وفي مقابل هذا المسار الكارثي الذي يحول العرب بكل دولهم وشعوبهم , إلى ساحة للحرب والاقتتال العبثي . ثمة مسار  آخر لا زال يراهن على الدولة , ويسعى بكل إمكاناته للدفاع عن مبدأ الدولة الجامعة والحاضنة للجميع . وهذا الخيار والمسار يشجع ويدعو الجميع للخروج من أناهم القبلية والقومية والمذهبية إلى رحاب الاجتماع الوطني الذي يثرى بالجميع , وإلى الدولة التي تتسع للجميع .

و أمام هذه المسارات و متوالياتها , لا شك إننا مع المسار الثاني وندعو إلى تجنيب كل الدول العربية كوارث المسار الأول الذي يدمر الدولة والمجتمع معا ..

و في هذا السياق يجدر بنا أن نذكر الجميع بالحقائق التالية :

1ـ إن القبائل والمذاهب والأديان , ليست بديلا أو نقيضا لمفهوم الدولة وضروراتها السياسية والاجتماعية والإنسانية . وحينما ندعو إلى التشبث بخيار الدولة والعمل على حماية فكرة الدولة في الاجتماع العربي المعاصر , لا ندعو إلى تدمير القبائل أو المذاهب أو الأديان . وإنما ندعو إلى احترام هذا التنوع الذي تعيشه كل المجتمعات العربية . ولكنه الاحترام الذي يعزز خيار الاندماج والوحدة .

لأنه حينما  يتشبث كل  طرف بعنوانه الخاص ويتم التضحية بحاضن وجامع الجميع , فإنه يفتح الطريق لفتن وحروب لا تنتهي بين جميع هذه المكونات .

وحينما تقصر الدولة أمام هذه الحقائق , من الضروري أن تطالب برفع  هذا التقصير . ولكن من المهم أن لا يقودنا تقصير الدولة أو عدم إيفائها بمتطلبات الحياة إلى التضحية بها .. لأنه ضرورة لا يمكن لأي مجتمع الاستغناء عنها . والمطلوب دائما إصلاح أوضاع الدولة وليس التضحية بها كمؤسسة جامعة وحاضنة للجميع .

و هي ليست بديلا عن حقائق المجتمع القبلية والمذهبية والدينية , كما أن هذه الحقائق أيضا ليست بديلا عن الدولة ودورها ووظيفتها . والمطلوب عربيا احترام التنوع الديني والمذهبي والقومي في المنطقة العربية , وحماية الدولة بوصفها المؤسسة التي لا غنى عنها ..

2ـ إن حماية الدولة ودورها الحاضن لجميع التعبيرات , يتطلب من جميع هذه التعبيرات الانعتاق من ربقة الأنانية والانكفاء والانطواء وتنمية المساحات المشتركة , التي تحول جميع هذه التعبيرات إلى رافد لإثراء الحياة العامة والمشتركة .

وهذا بطبيعة الحال يتطلب الإعلاء من قيمة المواطنة , بوصفها هي العنوان والحقيقة القانونية والدستورية التي تنظم منظومة الحقوق والواجبات .. فالأوطان لا تبنى بانغلاق كل مجموعة على ذاتها , وإنما بانفتاح وتواصل الجميع مع الجميع ضمن رافعة ومحدد المواطنة الجامعة .

كما أن الأوطان لا تحمى بتنمية النزاعات  الطائفية أو أنظمة المحاصصة المذهبية . فالأوطان تحمى بالمساواة والعدالة ووحدة مؤسسة الدولة  التي تتعامل مع المواطنين بوصفهم مواطنين وليسوا أفرادا ينتمون إلى مذاهب و قوميات و قبائل .

و إن انحدار العرب صوب التعامل مع بعضهم البعض بوصفهم طوائف و قبائل , سيدخلهم في أتون أزمات متواصلة , وسيخدم هذا الانحدار الكيان الصهيوني الذي يتطلع إلى لحظة تآكل وتشظي العرب الداخلي , بحيث يصبح هو الكيان الأقوى والقادر على فرض شروطه على الحياة العربية بأسرها .

لذلك فإن وقف هذا الانحدار ضرورة عربية رسمية وأهلية للحفاظ على فكرة ومؤسسة الدولة ووحدة العرب وللوقوف بوجه المشروع الصهيوني .

3ـ إن اللحظة السياسية والاجتماعية الحالية التي يعيشها العرب بكل بلدانهم وأقطارهم , تتطلب صياغة مشروعات وطنية للمصالحة بين مؤسسة الدولة والمجتمع بكل شرائحه وفعالياته .

لأن هذه المصالحة هي التي ستنقذ العديد من الشعوب العربية من التآكل الداخلي والتشظي الطائفي .

وإن استمرار الفجوة بين الدولة والمجتمع أو بعض فئاته أو شرائحه سيقود إلى وجود مناخ من اللاثقة التي لا تخدم أمن واستقرار الدولة العربية والشعوب العربية .

لذلك فإن تجديد وتفعيل العلاقة وبناء أواصر الثقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع بكل فعالياته في الواقع العربي المعاصر يعد من الضرورات القصوى التي تجنب الواقع العربي الكثير من السلبيات والسيئات . وأنه آن الأوان بالنسبة إلى المجتمعات العربية المتنوعة للخروج من عناوينهم الخاصة إلى رحاب الوحدة الوطنية والمواطنة الجامعة .

فوحدة الأوطان العربية اليوم مرهونة , بوجود مبادرات فعالة وشجاعة , تستهدف معالجة بعض مشاكل الحياة العربية وتعزيز أواصر العلاقة بين الدولة والشعب , حتى يتمكن الجميع من إفشال مخططات الأعداء التي تعمل بوسائل عديدة لتقسيم العالم العربي وإدخاله في أتون معارك عبثية , تدمر كل مكاسب العرب , وتنهي أسباب الاستقرار السياسي والاجتماعي في كل الدول العربية .

وخلاصة القول : إننا ندعو جميع العرب بكل انتماءاتهم و أيدلوجياتهم , للتمسك بفكرة الدولة لديهم, لأنه بدونها سنبقى كانتونات متحاربة ومتنازعة ومكشوفة لإرادات الأعداء ومخططاتهم الشيطانية .

عن الكاتب محمد محفوظ، مدير مركز آفاق للدراسات والبحوث محمد محفوظ مواليد المملكة العربية السعودية – المنطقة الشرقية- 1966 كاتب أسبوعي في جريدة الرياض السعودية . مدير تحرير مجلة الكلمة ، وهي مجلة فكرية تعنى بشؤون الفكر الإسلامي وقضايا العصر والتجديد الحضاري . مدير مركز آفاق للدراسات والبحوث. له اكثر من ١٤ مؤلفاً صادراً عن عدة دور نشر مرموقة
تبحث عن المزيد؟