المثلث ذو استقرار: حول التعاون بين الآسيان والصين ومجلس التعاون لدول الخليج العربية | بقلم ما شان شان

حضر كل من رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ، ورئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم، والرئيس الدوري لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، ولي عهد الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، وقادة دول آسيان ومجلس التعاون لدول الخليج العربية قمة رابطة دول جنوب شرق آسيا (الآسيان) وجمهورية الصين الشعبية ومجلس التعاون لدول الخليج العربية التى انعقدت في كوالالمبور بماليزيا في 26 مايو 2025. وفي اليوم التالي، أصدرت هذه الأطراف الثلاثة “بيان قمة الآسيان والصين ومجلس التعاون لدول الخليج العربية” بما فيه التعاون في مجالات التكامل الاقتصادي، والتواصل المتبادل، وأمن الطاقة، والتحول الرقمي والابتكار، والأغذية والزراعة، والتبادل الثقافي وغيرها. كانت الأطراف الثلاثة تتمتع بتبادلات ودية وتعاون متبادل يمتد من طريق الحرير القديم إلى مبادرة “الحزام والطريق” الحديثة. إذا نقرأ الخريطة، نلاحظ أن الآسيان والصين ومجلس التعاون لدول الخليج العربية تشكل مثلاثا بسبب موقعها في جنوب شرق آسيا وشرق آسيا وغرب آسيا. من المعروف أن المثلث مستقر، فسيُشكل التواصل والتعاون الوثيق بين الأطراف الثلاثة حلقة اقتصادية جديدة وقطب نمو مما دفع ازدهار الاقتصاد وأحدث أثرا بالغ الأهمية على سلام العالم وتنميته.
إن التعاون الثلاثي يقوم على علاقات ودية ثنائية بين الصين والآسيان، والصين ومجلس التعاون لدول الخليج العربية، والآسيان ومجلس التعاون لدول الخليج العربية. تأسس الآسيان التي يضم عشر دول أعضاء في عام 1967. ثم بدأت الصين حوارها مع الآسيان في عام 1991 وارتفعت علاقتهما مع مرور الأيام: فأقامتا علاقة شراكة استراتيجية في عام 2003، ثم رفعتها إلى “شراكة استراتيجية شاملة” عام 2021. يواصل الجانبان التعاون الوثيق بانعقاد اجتماعات العمل المؤسسي سنويًا؛ وقد تمت مفاوضات منطقة التجارة الحرة 3.0 بيهما في مايو 2025، مما دفع التكامل الاقتصادي الإقليمي إلى مرحلة جديدة.
أقامت الصين علاقاتها مع مجلس التعاون لدول الخليج العربية منذ تأسيسه عام 1981. إن الحوار الأول بين الصين ومجلس التعون لدول الخليج العربية جرت في بكين بعد إنشاء آلية حوار استراتيجي بينهما عام 2010، ثم أقام الجانبان شراكة استراتيجية بعد انعقاد القمة الأولي بينهما عام 2022، مما عزز العلاقات الثنائية. وبعد ذلك، اتفق الجانبان على تعميق تعاون الاقتصاد والتجارة في اجتماع وزراء الاقتصاد والتجارة في الصين والدول الأعضاء لمجلس التعاون لدول الخليج العربية (6+1) في قوانغتشو بالصين. بينما كانت العلاقات بين الآسيان ومجلس التعاون لدول الخليج العربية حميمية للغاية أيضًا. قرر مجلس التعاون لدول الخليج العربية أن يقيم العلاقة مع الآسيان ويعزز تبادل الاقتصاد والتعاون بينهما في الاجتماع الوزاري الثامن عشر عام 1986. بعد مضي 23 سنة، وقع الجانبان مذكرة تفاهم بشأن التعاون في أول اجتماع وزاري عُقد في المنامة، عاصمة البحرين. أما الاجتماع الوزاري الثاني فعُقد في سنغافورة في يونيو 2010 يناقش التعاون في مجالات الاقتصاد والتجارة والثقافة فيه، وعززا الثقة السياسية المتبادلة والتعاون المتبادل باستمرار الاجتماع الوزاري التالي، الأمر الذي يجعل الجانبان يحافظان على تبادلات ودية.
لحل قضية فلسطين ودفع عملية السلام العالمية، عقدت أول قمة رابطة دول جنوب شرق آسيا ومجلس التعاون لدول الخليج العربية في الرياض أكتوبر 2023، أما القمة الثانية بينهما التى تقام في مايو 2025 في كوالالمبور بماليزيا، فتركزت على تعميق تعاون بينهما والمحافظة على التعددية وترقية قدرة على مواجهة التحديات والتهديدات العالمية ومواصلة تنفيذ نتائج القمة من خلال إنشاء آلية متابعة رفيعة المستوى.
إن التعاون الثلاثي سيقوي مرونة الاقتصاد العالمي واستقراره بالمزايا الاقتصادية التى تتميز الصين ودول الآسيان ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بها في الاقتصاد العالمي. ظلت الصين تتطور في الاقتصاد باعتبارها ثاني أكبر الاقتصادات في العالم، بينما تُعدّ الآسيان خامس أكبر اقتصادات في العالم تشهد نموا ملحوظا، أما مجلس التعاون لدول الخليج العربية ذو المزايا الرأسمالية والتكنولوجية، فيحتل ناتجه الاقتصادي الإجمالي الثانية عشرة عالميًا من الاقتصادات العالمية في نهاية عام 2023. إن الحجم الاقتصادي الإجمالي للأطراف الثلاثة يمثل حوالي ربع الاقتصاد العالمي. في هذه القمة، تولي الأطراف الثلاثة اهتماما بالغا بالتعاون في المجالات الاقتصادية والتجارية وتعميق التعاون الاستثماري، وتعزيز التعاون في المجالات الناشئة مثل الاقتصاد الرقمي والاقتصاد الأخضر، الأمر الذي أدمج الأطراف الثلاثة في تعاون إقليمي أوسع. في ظلّ عدم الاستقرار وعدم اليقين للعالم، يُمكن للتعاون الثلاثي أن يعزز الترابط والتواصل الإقليمي، ويضخّ زخمًا جديدًا في الاقتصاد العالمي، ويقوى استقراره ومرونته.
إن التعاون الثلاثي سيحدث تأثيرًا إيجابيا على تعاون دول الجنوب العالمي. أولا، للتعاون المؤسسي دور إيجابي على الأطراف الثلاثة. وقد تمت ترقية منطقة التجارة الحرة بين الصين والآسيان إلى المستوى 3.0، فمن المرجح حفز مفاوضات منطقة التجارة الحرة بين الصين ومجلس التعاون لدول الخليج العربية بفضل توسيع التعاون وتعميقه بين الأطراف الثلاثة بعد إحدى عشرة دورة مفاوضة قد أدارت. ثانيا، أحدث نمط التعاون بين الأطراف الثلاثة تأثيرا عمليا على دول الجنوب العالمي. كانت معظم دول التعاون الثلاثي دولا نامية في العالم، فمن الممكن أن يعزز نمط التعاون هذا تعاونا أوسع نطاقا للجنوب العالمي عن طريق جذب المزيد من الدول.
إن الآسيان والصين ومجلس التعاون لدول الخليج العربية تتمتع بإمكانيات التعاون الهائلة قائما على حجمها الاقتصادي الهائل وعدد سكانها الضخم. ولن تعزز التعاون الروابط الاقتصادية بين الأطراف الثلاثة ومواجهة تحديات عدم الاستقرار للاقتصاد العاملي بفعالية فحسب، بل سيستكشف مسارات جديدة لأنماط للتنمية الإقليمية والعالمية من تأسيس إطار تعاون جديد للنظام الاقتصادي، يضخ زخمًا جديدًا له.
