
الموقف التونسي من القضية الفلسطينية لم يعد محصورًا في لغة الدبلوماسية التقليدية، بل تجاوزها نحو تعبير أوضح وأكثر صراحة عن الانحياز لحقوق الشعب الفلسطيني. إن ما صدر عن رئاسة الجمهورية بعد “طوفان الأقصى” جاء ليؤكد هذا التوجّه، إذ وضع الموقف الرسمي التونسي في مرتبة تتجاوز المواقف العربية المعتادة التي لا تزال متمسكة بخيار التفاوض وحل الدولتين. لقد مثّل هذا الموقف تعبيرًا صريحًا عن دعم استرجاع كامل الأراضي الفلسطينية وإقامة دولة مستقلة عاصمتها القدس، وهو ما جعل صداه يتردد بقوة في الشارع والأحزاب والمنظمات الوطنية.
هذا الالتفاف الشعبي تجلّى في المسيرات الكبرى والبيانات الصادرة عن النقابات واتحاد الكتّاب التونسيين، بل وحتى في دعوات للتنسيق العربي من أجل موقف موحد داعم للمقاومة. وفي ضوء ذلك، يظل الأمل معقودًا على تحويل هذا التوجّه الرمزي إلى فعل تشريعي ملموس عبر قانون يجرّم التطبيع مع إسرائيل، وهو مطلب ظلّ مؤجلاً رغم حضوره المستمر في الخطاب الشعبي والسياسي.
القضية الفلسطينية بالنسبة للتونسيين ليست ملفًا خارجيًا يُدار عند الحاجة، بل هي جزء أصيل من الهوية الوطنية والسياسية والأخلاقية. هذا البعد يظهر في الذاكرة الجماعية وفي التعبيرات الشعبية والنخبوية، كما تؤكده المسوحات البحثية الحديثة. فاستطلاع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عام 2023 أظهر أن نسبة التأييد للقضية الفلسطينية في تونس تفوق المتوسط العربي، وأن نسبة رفض الاعتراف بإسرائيل تتجاوز معدلات الرفض في باقي الدول العربية.
فلسطين بالنسبة للتونسيين ليست خيارًا سياسيًا عابرًا ولا مجرد تضامن أخلاقي، بل هي مسألة وجود متجذرة في الضمير الوطني. ومن هذا المنطلق تظل كلمات الشهيد ياسر عرفات صادحة بالمعنى العميق لهذا الارتباط حين قال: “إذا ضاقت بكم السبل فاذهبوا إلى تونس، فإن بها شعبًا يعشق فلسطين”.




