الاحدثفلسطين

مسودة المشروع الأمريكي لمجلس الأمن الدولي: مخطط سياسي لتكريس الهيمنة الأمريكية على قطاع غزة | بقلم البروفيسور عوض سليمية

مشروع القرار الأمريكي المقترح لمجلس الأمن الدولي يتجاهل بشكل كامل الإشارة إلى مسار حل الدولتين، رغم كونه الخيار الوحيد الحائز على توافق دولي واسع لإنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، كما يعمق حالة الانقسام السياسي والجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة الى أجل غير معلوم. بالمقابل، يؤسس المشروع لفرض وصاية أمريكية على القطاع، ويكرّس وقائع جديدة تضع القطاع في إطار جغرافي منفصل عن جذوره التاريخية والسياسية وتعتبره منطقة جغرافية تحتاج الى إعادة إعمار برؤية اقتصادية وسياسية أمريكية جديدة.

 

على المستوى العملياتي، تقترح مُسودة القرار ان يكون مجلس السلام الدولي الذي سيرأسه ترامب ومتوقع أن يشرف عليه بلير؛ بإعتباره (إدارة حكم انتقالي) هو المرجعية الوحيدة للإشراف على مجمل العمليات والترتيبات الأمنية والاقتصادية والسياسية والأنشطة الانسانية داخل القطاع؛ بما فيها عمل لجنة التكنوقراط الفلسطينية المستقلة، مهام ووظائف القوة الدولية متعددة الجنسيات، التي سيجري نشرها مطلع يناير من العام القادم 2026، الصندوق المالي المخصص لإعادة الاعمار، ويتجاهل بشكل مُتعمد أي دور للسلطة الوطنية الفلسطينية على المدى القريب.

 

بحسب موقع اكسيوس، أرسلت الإدارة الأمريكية يوم الاثنين 3 نوفمبر إلى عدة أعضاء في مجلس الأمن الدولي مشروع قرار لإنشاء قوة دولية في غزة لمدة لا تقل عن عامين يبدأ نشرها مطلع العام 2026. وفقاً للمقترح، تمنح الولايات المتحدة نفسها ولاية واسعة النطاق لحكم قطاع غزة وتوفير الأمن حتى نهاية عام 2027، مع إمكانية التمديد بعد ذلك.

 

يرى مراقبون ان واشنطن تسعى من خلال هذا الاجراء للحصول على تفويض من اعضاء مجلس الامن الخمسة الدائمين والمنتخبين العشرة، لإصدار وثيقة تمنحها غطاء قانوني دولي لتنفيذ رؤيتها المُنفردة وتحديد مستقبل قطاع غزة بعيداً عن السيادة الفلسطينية، وتجنب التفويض الاممي الخاص بمتطلبات نشر القوات الدولية الخاضع للمواد الواردة في الفصل السادس الذي يتناول “التسوية السلمية للنزاعات”، و/أو الفصل السابع الذي يحتوي على احكام متعلقة بـ “الإجراءات في حالات السلم وخرق السلم والأعمال العدوانية”، في البيئات المتقلبة في مراحل ما بعد النزاع. بعبارة اخرى، تسعى واشنطن الى ترسيخ واقع يكون فيه مجلس السلام الدولي هو المرجعية لمستقبل القطاع وليس مجلس الامن الدولي، وبالطبع ليس القيادة الشرعية للشعب الفلسطيني اصحاب الارض والدولة التي تعترف بها أكثر من 82% من دول العالم الاعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

 

في هذا السياق، تكشف المسودة ان القوة الامنية الدولية المُزمع نشرها في القطاع قريباً “بالتشاور والتعاون الوثيق مع مصر واسرائيل”، ستكون تحت مسمى “قوة إنفاذ سلام” وليست “قوة حفظ سلام”؛ وهي أقرب الى صيغة “فرض السلام بالقوة” ما يعكس استراتيجية تتماشى مع التوجهات الحديثة للرئيس ترامب. هذا يعني؛ إجازة استخدام جميع التدابير اللازمة بما فيها القوة العسكرية لمواجهة كل ما تراه واشنطن نشاطاً يعيق تنفيذ مهام القوة الدولية، التي تتضمن وفق نص المسودة، “تأمين حدود القطاع مع إسرائيل ومصر”، “حماية المدنيين والممرات الإنسانية”، الإشراف على متابعة و”تدريب قوة شرطة فلسطينية جديدة”، “نزع السلاح من القطاع” بالقوة في حال لم تقم الجماعات المسلحة بذلك “طواعيةً، “تدمير البنية التحتية العسكرية في القطاع”، بالإضافة الى، الاشراف على المساعدات الغذائية والانسانية المقدمة للقطاع.

 

في الوقت الذي تكرس فيه مسودة المشروع، الوصاية/الاستعمار الامريكي، فإنها تتجاهل مصير أكثر من 53% من مساحة القطاع – شرق الخط الاصفر، وقرابة 10% باتت تسمى منطقة / نطاق نيران محظور دخولها غرب الخط ذاته، تحت سيطرة جيش الاحتلال الاسرائيلي، دون جدول زمني واضح للانسحاب الاسرائيلي. بالمقابل، تتعمد الادارة الامريكية تغييب مشاركة السلطة الفلسطينية في ترتيبات الوضع القادم تحت مبررات “استكمال برنامجها الإصلاحي بشكل مُرضٍ”، حتى تتمكن من العودة للحكم والادارة في قطاع غزة، ولا يكون ذلك؛ إلا بعد “الحصول على موافقة مجلس السلام”؛ مدلول ذلك، ان العودة ستكون مرهونة بموافقة اسرائيل وأمريكا، وهو ما يرفضه الطرفان بشكلٍ قاطع، على الاقل خلال المرحلة الحالية.

 

على الرغم من سعي الادارة الامريكية الى نشر التطمينات لدفع دول العالم للمشاركة في تأسيس وتمويل القوات الامنية الدولية، من خلال وضع تاريخ محدد لوصايتها -حتى نهاية العام 2027، إلا ان عبارة “مع إمكانية التمديد” الواردة في المسودة، بالإضافة الى؛ مخاوف وقوع احداث مواجهة مسلحة بين القوات الدولية ومسلحين في القطاع؛ تكريس فصل القطاع عن الضفة الغربية والتعامل مع القطاع كأنه قضية منفصلة عن اصل وجذور الصراع الاسرائيلي الفلسطيني، علاوة على ذلك، فإن إنشاء مناطق مزدوجة النفوذ بين غزة الشرقية تحت سيطرة القوات الإسرائيلية والدولية وغزة الغربية تحت حكم حماس سيضيف تعقيدات سياسية وأمنية جديدة. من جهة أخرى، فإن تقليص صلاحيات السلطة الوطنية الفلسطينية وحصر العمليات والمهام في يد مجلس السلام الدولي يثير مخاوف بشأن تقويض دور السلطة الفلسطينية في إدارة شؤون القطاع. جميع هذه العوامل تسهم في تعزيز التردد والحذر لدى العديد من الدول فيما يتعلق بالمشاركة في هذه الرؤية.

 

المشروع الأمريكي الذي تم التوافق عليه مع إسرائيل قبل طرحه على مجلس الأمن الدولي يُعتبر تهديداً خطيراً لمستقبل المشروع الوطني الفلسطيني برمته. هذا المشروع في حال تمريره دون تعديلات جوهرية فإنه يحمل مخاطر كبيرة تتعلق بتنفيذ سياسة التهجير الصامت، وهو هدف استراتيجي تسعى إليه حكومة اليمين المتطرف، خاصة بعد سلسلة من عمليات الإبادة والتدمير الممنهج على مدار أكثر من عامين. أضف إلى ذلك، يتماشى هذا المشروع بشكل كامل مع خطة “ريفييرا غزة” التي سبق أن أعلن عنها الرئيس الأمريكي ترامب في وقت سابق من العام الجاري.

 

وبالنظر لغياب الثقة تاريخياً في مواقف الادارات الامريكية المتعاقبة؛ فإن الوضع الحالي يتطلب اعلان حالة طوارئ في اوساط الدبلوماسية الفلسطينية والعربية والاسلامية، للضغط على اعضاء مجلس الامن الدولي المُنتخبين والاعضاء الدائمين وخاصة “روسيا، الصين، فرنسا، بريطانيا” ومطالبتهم بوجوب إجراء تعديلات جوهرية على هذا المشروع، تحول دون فرض الوصاية الامريكية على اراضي دولة فلسطين، والدفع نحو الذهاب الفوري الى إجراءات تنفيذ بنود إعلان نيويورك الذي حظي بإجماع أكثر من 142 دولة، بإعتباره الوصفة السياسية الوحيدة القادرة على إنهاء الصراع الاسرائيلي الفلسطيني على اساس حل الدولتين، بعيداً عن محاولات إعادة إنتاج سياسات الهيمنة والاستعمار تحت مسميات السلام. هذا النهج يتطلب تنسيقاً مستمراً وتعزيزاً للجهود الدبلوماسية لتحقيق النتائج المرجوة وضمان حماية الحقوق الفلسطينية.

البروفسور عوض سـليميـه

البروفيسور عوض سليميه هو باحث فلسطيني في العلاقات الدولية يتميّز برؤية تحليلية تجمع بين العمق الأكاديمي والخبرة الميدانية في دراسة التحوّلات الإقليمية والدولية. يشغل منصب مساعد المدير العام في معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي، حيث يساهم في تطوير الاستراتيجيات البحثية والسياسات العامة المتعلّقة بالأمن القومي الفلسطيني ضمن بيئة إقليمية ودولية معقّدة. يُعرف البروفيسور سليميه بقدرته على الربط بين البُعد النظري للعلاقات الدولية والتطبيق العملي في مجالات السياسة الخارجية، وإدارة الأزمات، وبناء النفوذ الوطني. كما يشرف على دراسات ومشاريع بحثية تتناول القضية الفلسطينية في النظام الدولي، وديناميات الصراع في الشرق الأوسط، والتحوّلات في موازين القوى العالمية، مع تركيز خاص على موقع فلسطين ضمن هذه التحوّلات. وله كتاب منشور بعنوان "تأثير اللوبي الإسرائيلي على السياسة الخارجية للولايات المتحدة تجاه القضية الفلسطينية خلال فترة الرئيس باراك أوباما"، وهو دراسة معمّقة تضيء على آليات التأثير الإسرائيلي في صنع القرار الأميركي وكيفية انعكاسها على مسار القضية الفلسطينية. يشغل أيضًا منصب مدير تحرير مجلة "أمننا القومي" الصادرة عن معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي، وهي مجلة علمية متخصّصة تُعنى بتحليل قضايا الأمن الوطني والإقليمي والدولي، وتُسهم في إثراء النقاش الأكاديمي حول الأمن القومي الفلسطيني من منظور استراتيجي شامل. ومن خلال عمله الأكاديمي والإداري، يسعى البروفيسور سليميه إلى تعزيز مكانة البحث العلمي كأداة لصياغة القرار السياسي، وترسيخ نهج استشرافي في التفكير الأمني الفلسطيني يستند إلى المعرفة، والتخطيط طويل الأمد، وفهم عميق للعلاقات بين القوى العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى