الاحدثدولي

الانتخابات الرئاسية الامريكية 2024، بين النظام الملكي الديموقراطي و نظام القيصر الجمهوري | كتب د.عوض سليمية

 يحتكر الحزبان الديموقراطي (تعود جذور تأسيسه الى العام 1828)، والجمهوري المعروف ايضاً بالحزب القديم (تم تاسيسه عام 1854)، تاريخياً، المشهد السياسي والتداول على السلطة في الولايات المتحدة، مع غياب شبه تام لاحزاب سياسية قادرة على المنافسة وندرة في المرشحين المستقلين بسبب – من بين امور اخرى، نقص التمويل اللازم للحملات الانتخابية للمرشحين من غير الحزبيين. هذه الثنائية الحزبية ابقت السياسة الامريكية حصراً بين يدي النخب من الحزبين على نحو يحدد خيارات الناخب الامريكي ويسمح للساسة وصناع القرار بالتواطؤ بينهم لخدمة مصالحهم الحزبية على حساب مصالح الناخبين.

على عكس الانتخابات الرئاسية السابقة 2020، فإن الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في 5 نوفمبر 2024، تأخذ طابعا إستثنائيا اقرب للحرب منه الى المنافسة الديموقراطية، وترتفع فيها حدة الاستقطاب وتتسع الفجوة بين الحزبين الكبيرين (الجمهوري والديموقراطي) مدفوعة بخصومة قديمة بين المتنافسين (ترامب وبايدن) تعود جذورها الى قناعة الرئيس السابق ترامب وانصاره من حزب MAGA بان الرئيس بايدن حصل على مفاتيح البيت الابيض بطريقة التزوير.

في هذا النظام الناشئ الان داخل الولايات المتحدة والذي بدأت تتشكل ملامحه وسط حالة من الاستقطاب الشديد، لا أحد يريد من المتنافسين الرئيسيين وانصارهم اجهاد نفسه في إقناع خصومهم من الحزب الاخر. فحالة التنافر في بلاد الديموقراطية العجيبة باتت مترسخة وتؤكد ان لا فائدة من الطعن في الايديولوجيات والافكار، طالما اصبحت ولاءات القاعدة الشعبية على اساس حزبي اشبه بالتعصب القبلي. وإذا كان الأمر كذلك، فإن اسهل طريقة للفوز من وجهة نظر طرفي الصراع الداخلي، هو الهيمنة على المؤسسات الفدرالية خاصة القانونية للضغط على الخصم، وايجاد طرق قانونية لملاحقة زعيم القبيلة المنافس والاطاحة به. او عبر استخدام النفوذ للعبث داخل الكونجرس واجهاض تشريع القوانين، مع تعمد تغييب البنية التحتية القانونية أو الحوكمة أو القضاء المحايد في هذا الصراع الوجودي للحزبين الكبيرين.

مع تحذيرات علنية صادرة عن الادارة الديموقراطية من خطورة عودة ترامب للحكم على مستقبل الديموقراطية في الولايات المتحدة وعلاقاتها مع حلفائها عبر العالم خاصة حلف الناتو. اطلقت المؤسسات القانونية حملة ملاحقات موجهة ضد ترامب، في هذا السياق، أصدرت القاضية تريسي بورتر في ولاية إلينوي حكمها بازالة اسم ترامب من بطاقات اقتراع الولاية، بموجب بند التمرد في التعديل الرابع عشر، مما يجعل ولاية الينوي هي الثالثة التي تطرد ترامب من قوائم الاقتراع بعد كوليرادو ومين. بالتزامن مع هذا القرار، قرر قاضي المحكمة العليا في نيويورك آرثر إنجورون عدم تاجيل تنفيذ حكم محكمة نيويورك بناءً على طلب محامو ترامب، والتي قضت بان يدفع ترامب 355 مليون دولار مضافا اليها الفوائد (بما مجموعه 450 مليون دولار)، في قضية الاحتيال المدني.

هذه المحاكمة ليست الوحيدة التي يواجهها ترامب هذا العام، فهناك اكثر من 100 تهمة جنائية بدأت تلاحقه منذ مغادرته للبيت الابيض، اخطرها الوثائق السرية التي تم العثور عليها في منزله عقب انتهاء مهام عمله كرئيس للولايات المتحدة. الى جانب، قضية التدخل في الانتخابات الفيدرالية، وشن حملة لإلغاء فوز جو بايدن في الانتخابات الرئاسية 2020 وجهوده المزعومة لإلغاء نتائج انتخابات، بالاضافة الى، مزاعم تورطه في اثارة أعمال شغب في الكابيتول، مضافاً اليها تهم تدخله في انتخابات ولاية جورجيا. مما يعني أنه سيحاكم بموجب قوانين فدرالية وليس فقط على مستوى الولايات.

بينما يواصل الرئيس بايدن هجماته على منافسه ترامب خلال حملاته الانتخابية واصفا اياه بالمرشح الرجعي الي يريد اعادة الولايات المتحدة 50-60 عاما الى الوراء. خلال مقابلة تلفزيونية قال بايدن عن ترامب “انظر، أعني، هذا رجل … يريد إعادتنا إلى مجموعة كاملة من القضايا 50-60 عامًا”.

من ناحية اخرى، يسير ترامب على نفس الخطوط السابقه منذ اقصائه من البيت الابيض عام 2020، ويذكر الشعب الامريكي بانهم “يعيشون في جحيم” بسبب سياسات الادارة الديموقراطية الحالية، ويواصل استكشاف مزيدا من خطوط الهجمات على خصومه من الديموقراطيين ومشككاً في قدرات الرئيس بايدن العقلية والجسدية. مكررا امام قاعدته الانتخابية بانه انتقامهم القادم، يقول ترامب: “إن النجاح غير المسبوق للولايات المتحدة الأمريكية سيكون انتقامي النهائي والمطلق”. واصفاً المناخ السياسي في الولايات المتحدة بأنه كابوس صنعه بايدن، وعرف نفسه بأنه “منشق سياسي فخور يواجه هجمات متحيزة من نظام العدالة الامريكي”.

في سياق متصل، يبحث الجمهوريون في الكونجرس عن ادلة في كومة من التقارير الامنية لايجاد دليل على ادانة هنتر بايدن –تم استدعاء هنتر نهاية هذا الاسبوع واخضاعه لما يقرب من سبع ساعات من الاستجواب المغلق في مبنى الكابيتول، بتهم الفساد على امل ايجاد رابط مع والده في قضايا فساد كمقدمة لحجب الثقة عن الرئيس بايدن قبيل الانتخابات. وسط تحريض ترامب لانصاره من اعضاء الكونجرس الجمهوريين على عرقلة جميع التشريعات المقدمة من زملائهم الديموقراطيين بما فيها من بين امور اخرى، التهديد بالاقفال الحكومي، وافشال طلبات التمويل التكميلي للحرب في اوكرانيا التي سبق وان تقدم بها الرئيس بايدن للكونجرس للمصادقة عليها.

بينما تسير الحملات الانتخابية الداخلية لكلا المرشحين عن الحزبين الكبيرين (الجمهوري والديموقراطي) في خطوط متوازية وعلى حبل مشدود، يتضح ان نهاية السباق – بحسب نتائج انتخابات ولاية ميشيجان كمؤشر اولي، سوف توصل كلا المتسابقين بايدن وترامب الى المحطة النهائية للمرة الثانية في مباراة العودة نحو البيت الابيض، وهذا يشير الى ان السباق القادم في 5 نوفمبر 2024، سيكون ساخناً ويضع مستقبل الولايات المتحدة على المحك، بالنظر الى تعزز قناعات لدى ترامب انه الفائز حتما في هذه الانتخابات، وبغير ذلك ستكون النتائج مزورة. مع ظهور عدة نتائج استطلاع تشير الى تفضيل غالبية المستطلعة آراؤهم عودة الرئيس ترامب الى الحكم. بالمقابل، يلتصق الديموقراطيون اكثر للحفاظ على مفاتيح البيت الابيض محذرين القاعدة الشعبية من مغامرات ترامب غير محسوبة العواقب على مستقبل النظام الديموقراطي في الولايات المتحدة، معتمدين على سياسة كسب المستقلين وإثارة الدوافع الحزبية بين الديمقراطيين الفاترين.

فاذا كان هذا هو التوجه العام بين العدوين المتنافسين، فان الحزبين الكبيرين يتجهان نحو تكريس نظام اشبه بالنظام الملكي الذي يقوده الديموقراطيون او نظام القيصر الذي يخطط ترامب لانشائه، وبالتالي ستغادر الولايات المتحدة فضاءات الديموقراطية العالمية والليبرالية المزعومة الى مربع نظام القبيلة الحزبية.

البروفسور عوض سـليميـه

البروفيسور عوض سليميه هو باحث فلسطيني في العلاقات الدولية يتميّز برؤية تحليلية تجمع بين العمق الأكاديمي والخبرة الميدانية في دراسة التحوّلات الإقليمية والدولية. يشغل منصب مساعد المدير العام في معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي، حيث يساهم في تطوير الاستراتيجيات البحثية والسياسات العامة المتعلّقة بالأمن القومي الفلسطيني ضمن بيئة إقليمية ودولية معقّدة. يُعرف البروفيسور سليميه بقدرته على الربط بين البُعد النظري للعلاقات الدولية والتطبيق العملي في مجالات السياسة الخارجية، وإدارة الأزمات، وبناء النفوذ الوطني. كما يشرف على دراسات ومشاريع بحثية تتناول القضية الفلسطينية في النظام الدولي، وديناميات الصراع في الشرق الأوسط، والتحوّلات في موازين القوى العالمية، مع تركيز خاص على موقع فلسطين ضمن هذه التحوّلات. وله كتاب منشور بعنوان "تأثير اللوبي الإسرائيلي على السياسة الخارجية للولايات المتحدة تجاه القضية الفلسطينية خلال فترة الرئيس باراك أوباما"، وهو دراسة معمّقة تضيء على آليات التأثير الإسرائيلي في صنع القرار الأميركي وكيفية انعكاسها على مسار القضية الفلسطينية. يشغل أيضًا منصب مدير تحرير مجلة "أمننا القومي" الصادرة عن معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي، وهي مجلة علمية متخصّصة تُعنى بتحليل قضايا الأمن الوطني والإقليمي والدولي، وتُسهم في إثراء النقاش الأكاديمي حول الأمن القومي الفلسطيني من منظور استراتيجي شامل. ومن خلال عمله الأكاديمي والإداري، يسعى البروفيسور سليميه إلى تعزيز مكانة البحث العلمي كأداة لصياغة القرار السياسي، وترسيخ نهج استشرافي في التفكير الأمني الفلسطيني يستند إلى المعرفة، والتخطيط طويل الأمد، وفهم عميق للعلاقات بين القوى العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى