الاحدثدولي

العالم على أبواب 2026: اضطرابٌ يَتَّسِع ونظامٌ دولي يَتَصَدَّع | بقلم د. بيار الخوري

بينما يقترب العالم من العام 2026، يبدو المشهدُ الدولي كخارطةٍ مُكتَظَّةٍ بفتائل تنتظرُ شرارةً، بعضُها ظاهرٌ ومُلتَهِبٌ ويشتعلُ أمام العيون، وبعضها الآخر خامدٌ يخفي حرارته تحت الرماد، لكنه قابلٌ للاشتعال عند أوّلِ خللٍ في ميزان القوى أو أوّلِ خطَإٍ في الحسابات السياسية.

فالأزمات الكبرى التي ظُنَّ أنها وُضِعَت تحتَ السيطرة خلال السنوات الماضية لم تُحَلّ فعلًا، بل دُفِعَت إلى الهامش، إلى جيوب الانتظار. ومع اتّساعِ الهوّة بين القانون الدولي والوقائع على الأرض، أصبح التأجيل هو القاعدة الجديدة: تأجيلُ الحلول، تأجيلُ المواجهة، وتأجيلُ الاعتراف بأنَّ العالمَ قد تغيّر، وأنَّ الأدواتَ القديمة لم تَعُد صالحة لإدارةِ عالمٍ مشحونٍ بالاضطراب.

في مقدَّمةِ هذه الأزمات تبرزُ صراعاتٌ لم تَعُد مجرّدَ ملفّاتٍ إقليمية تدور داخل حدودها الجغرافية الضيّقة، بل تحوّلت إلى ساحاتِ اختبارٍ حقيقي لشرعية النظام الدولي نفسه. فالحربُ الروسية-الأوكرانية، التي دخلت مرحلة استنزاف طويلة، لم يَعُد يُقاس أثرها بخطوط التماس فقط، بل بمدى قدرة أوروبا على تحمُّلِ تداعياتها الاقتصادية وارتداداتها الأمنية، ومدى قدرة واشنطن على الاستمرارِ في إدارة حربٍ بالوكالة داخل سياقٍ عالمي مُضطرب، وبمدى استعداد موسكو لتوسيع رقعة الاشتباك عند اللزوم.

أما الشرق الأوسط، فقد انتقلَ من مرحلةِ الانفجارِ المُستَمر إلى مرحلة الانفجارات المُتقطِّعة التي تدورُ حولَ محورٍ واحد: غيابُ تسويةٍ حقيقية للصراع العربي–الإسرائيلي، وتحوّله إلى صراعٍ إقليمي مفتوح تشابكت فيه الجبهات. صار ما يجري في غزة مُرتبطًا بما يحصل في لبنان وإيران، وما يحدث في سوريا مُتَّصِلًا بتركيا، وما يقع في الضفة الغربية يُلقي بظلاله على الأردن. وفي كلِّ جولةٍ من العنف، يتَّضح أكثر أنَّ المشكلة ليست في اندلاع الحروب بحد ذاتها، بل في غيابِ إطارٍ سياسي واحد قادرٍ على ضبطها وكبحها أو مَنعِ تكرارها.

لكن ما ينتظر العالم في 2026 ليس فقط الأزمات المُلتَهبة، بل الأزمات “النائمة” التي تتحرّك ببطء تحت السطح. في آسيا، يتزايد القلق من التحوُّلات السريعة في ميزان القوة بين الصين والولايات المتحدة. ومع أنَّ القنواتَ الديبلوماسية تُحاوِلُ احتواءَ التوتُّرِ في مضيق تايوان، إلّا أنَّ المنطقة بأكملها تبدو كمَن يمشي فوق قشرةٍ رقيقة، إذ يكفي تغيير في الحسابات الداخلية لأيِّ طرف، أو استفزاز غير محسوب، لتحويل الصراع من مكبوتٍ إلى واقعي. وفي الخليج، رُغمَ الهدوء النسبي، لا تزال معادلات الأمن مُعَلّقة بين تفاهُماتٍ مؤقتة وبين واقعٍ إقليمي يبدو قابلًا للتحوُّل إذا اشتعلَ أيٌّ من خطوط التماس بين إيران وإسرائيل، أو إذا تغيّرت أولويات واشنطن.

ومع كل ذلك، يزدادُ إدراكُ الدول بأنَّ الأزمات الاقتصادية ليست أقل خطورة من الصراعات العسكرية. فالتضخُّم المُزمِن، وتباطؤ الاقتصاد العالمي، وارتفاع الديون السيادية، وتراجُع الثقة بالأنظمة المالية العالمية، كلّها تُشكّلُ فتائل قابلة للاشتعال على مستوى عالمي. فالعالم يدخل 2026 بنظامٍ نقدي مُرتَبِك، وبتنافُس شديد على الطاقة والموارد، وبقلقٍ مُتزايد من أزمةِ غذاء يُمكِنُ أن تتصاعد بفعل التغيُّر المناخي والحروب الإقليمية. وحتى الحرب على سلاسل التوريد لم تنتهِ، بل أعادت رسم خريطة التحالفات التجارية بشكلٍ يجعل أيَّ زلزالٍ اقتصادي في دولةٍ محورية قابلًا لأن يهزّ الأسواق العالمية كافة.

ما يزيدُ خطورة هذه اللحظة التاريخية هو أنَّ معظم هذه الملفات بقيت بلا حسم. فقد اختارَ النظام الدولي خلال السنة الحالية، الهروب إلى الأمام: اتفاقات موقتة في لبنان وغزة وصنعاء، تفاهُمات مؤقتة مع إيران، تهدئة شكلية بين بكين وواشنطن، إدارة اللا حلّ في أوروبا، ومحاولات ترقيع للمنظمات الدولية. هذا الهروب كلّف العالم خسارة أثمن ما يملك: الثقة. الثقة بأنَّ القانونَ يحمي، والثقة بأنَّ العدالة تُطبَّق، والثقة بأنَّ مؤسسات العالم قادرة على فرضِ حدٍّ أدنى من الإنصاف. وبدون هذه الثقة، يصبحُ أيُّ نزاعٍ مُرَشَّحًا للتوسُّع، وأيُّ توتُّرٍ مُرَشَّحًا للتحوُّلِ إلى صدام.

العام 2026 سيشهدُ حتمًا اختبارًا لهذا التوازُن المضطرب. فمن غير المُرَجّحِ أن يستمرَّ العالم في إدارة الملفات بطريقة التبريد المؤقت، لأنَّ الظروفَ الاقتصادية والسياسية تَفرِضُ انتقالًا إلى مرحلة الحساب. الدول الكبرى تُعيدُ تَمَوضُعَها، القوى الصاعدة تبحثُ عن دورٍ أكبر، الأزمات الإنسانية تتضخّم، وشرائح اجتماعية واسعة لم تَعُد تقترفُ الصمت تجاه تدهور معيشتها. وفي ظلّ هذه التركيبة، كل أزمة مؤجلة تتحوّل إلى عبء مضاعف، وكل تأجيل يصبح وقودًا لأزمةٍ أكبر.

يقف العالم اليوم أمامَ مُنعَطفٍ تاريخي لم يعد يحتمل المساومات التقليدية: فإمّا مُعالجة جذور الصراعات التي جرى تجاهلها لعقود وإعادة الاعتبار للقانون الدولي كمرجعية فعلية لا شعارًا ديبلوماسيًا، وإمّا أن ينزلقَ النظام الدولي إلى مرحلةٍ جديدة من الاضطراب تتقدّم فيها القوة على المنطق، ويغدو فيها الاستقرار مجرد إدارة مؤقتة للأزمات بدل السعي الحقيقي إلى حلها.

عام 2026 ليس عامًا اعتياديًا، بل اللحظة التي يطالب فيها التاريخ بسداد الفواتير المتراكمة. وإذا لم تُفتح ملفات الأزمات المتفجّرة والنائمة بشجاعة، فإنَّ روائحَ الدخان التي يشمُّها العالم اليوم من بعيد قد يتحوّل إلى حرائق واسعة لا يمكن احتواؤها.

د. بيار بولس الخوري ناشر الموقع

يُعد الدكتور بيار بولس الخوري أكاديميًا رئيسيًا وباحثًا بارزًا يتمتع بخبرات واسعة في الاقتصاد السياسي وسياسات الاقتصاد الكلي وإدارة التعليم العالي. يشغل حاليًا منصب أمين سر الجمعية الاقتصادية اللبنانية واكاديمي رئيسي في الجامعة الاميركية للتكنولوجيا، وسبق له العمل كخبير اقتصادي في عدة بنوك مركزية عربية، كما تخصص في صناعة السياسات المالية بمعهد صندوق النقد الدولي في واشنطن العاصمة. ​تتنوع إسهاماته الأكاديمية والتقنية بصفته أستاذًا زائرًا لتكنولوجيا البلوك تشين بجامعة داياناندا ساغار في الهند ومستشارًا في الأكاديمية البحرية الدولية. ألّف الخوري أربعة كتب دولية حول تحولات اقتصاد التعليم العالي، ونشر أكثر من 40 بحثًا علميًا محكمًا، مما يجعله مرجعًا في قضايا مبادرة الحزام والطريق وتداعياتها الجيوسياسية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط. ​أسس الخوري منصات معرفية رائدة تشمل مركز السياسات والاستشراف المعرفي (مسام)، وموقع الملف الاستراتيجي، وموقع بيروت يا بيروت المخصص للمعرفة وأسواق العمل. كما أطلق بودكاست "حقيقة بكم دقيقة" لمناقشة القضايا الراهنة، وشارك في تأليف سلاسل بحثية هامة تناولت صراعات حوض المتوسط والتحولات السياسية في لبنان عام 2019. ​يظهر الخوري كصوت مؤثر في مئات المقابلات الإعلامية العربية والدولية، حيث يحلل أزمات الاقتصاد اللبناني والإقليمي، ويكتب مقالات رأي في صحف كبرى مثل النهار والجمهورية وأسواق العرب اللندنية. تتركز جهوده حول إصلاح السياسات الكلية ومكافحة الفساد، بالإضافة إلى تطوير التعليم العالي وربطه باحتياجات سوق العمل الحديثة. ​يمتلك الخوري خبرة تقنية رائدة في دمج تطبيقات البلوك تشين في قطاع الأعمال، وقدم تدريبات دولية متخصصة لوزارة الخارجية النيجيرية وشركات في بانغالور. بالاضافة لمسيرة تمتد لثلاثين عامًا في التدريب مع مؤسسات كبرى كشركة نفط الكويت ومنظمة "أوابك". يجمع الخوري بين العمق الأكاديمي والاستشراف العملي كخبير اقتصادي موثوق في العالم العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى