الاحدثدولي

ترامب .. لماذا يضع مصلحة إسرائيل أولاً .. | بقلم السفير رشاد فراج الطيب

منذ وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض ، بدا أن واشنطن دخلت مرحلة جديدة من الانحياز غير المسبوق لإسرائيل . فالدعم الذي قدمه الرئيس ترامب لم يكن مجرد استمرار للسياسة الأمريكية التقليدية ، بل قفزة نحو ما يمكن وصفه بـ”التحالف العقائدي والسياسي”  بين اليمينين الأمريكي والإسرائيلي . وقد تجلى ذلك في سلسلة من القرارات التي غيّرت معالم الصراع العربي الإسرائيلي ، من الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل إلى نقل السفارة الأمريكية إليها ، ثم شرعنة المستوطنات ثم اقراره لإسرائيل حقوقا في الضفة وسيادة علي الجولان السوري وطرح ما سمي بصفقة القرن ، التي منحت إسرائيل كل شيء مقابل وعود اقتصادية محدودة للفلسطينيين ودعما سياسيا وعسكريا لمؤيديه من بعض العرب والمسلمين !
لكن لماذا كان ترامب بهذا القدر من الإخلاص لإسرائيل ؟ ولماذا قدّم دعمًا مطلقًا تجاوز حتى ما كانت تحلم به الحكومات الإسرائيلية السابقة وحتي اليمينية الحالية ؟
والإجابة تتجاوز حدود السياسة إلى تداخل الدين والاقتصاد والانتخابات والمصالح الأيديولوجية . فقد وجد ترامب في إسرائيل نموذجًا يعكس نظرته إلى العالم ، دولة خارجة علي القانون الدولي ولا تخضع للضغوط الدولية ، تمارس سيادتها دون اكتراث بالمواثيق والشرعية الأممية ، وتبني أمنها على الردع لا التسويات . وهي في ذلك قريبة من صورته عن أمريكا التي يريدها “عظيمة من جديد” . لذلك تحوّل دعمه لإسرائيل إلى جزء من رؤيته السياسية وهويته الانتخابية معًا وشخصيته المستكبرة .
القاعدة الانتخابية التي حملت ترامب إلى الرئاسة ، أي اليمين الإنجيلي ، كانت العامل الأبرز في هذا التوجه . فالمسيحيون الإنجيليون في الولايات المتحدة ، الذين يشكلون قوة انتخابية ضخمة ، يؤمنون عقائديًا بأن قيام دولة إسرائيل واستعادتها للقدس شرط لعودة المسيح المنتظر . هؤلاء ضغطوا بقوة على ترامب ، وكانوا يرون في أي تنازل عن القدس أو في إقامة دولة فلسطينية خيانة للعهد الإلهي . ومن هنا ، فإن ترامب لم يكن فقط يرضي إسرائيل ، بل كان يخاطب جمهوره الديني الذي يمنحه الشرعية الانتخابية والسياسية في الداخل ويدعم زعامته للعالم . وقد استغل هذه القناعات الدينية بذكاء رجل الأعمال ، فقدم لإسرائيل كل ما تطلبه وفوق ماتتمناه ، وحصد بالمقابل أصواتًا وأموالًا ودعمًا غير محدود من التيار الإنجيلي الصهيوني .
إلى جانب هذا البعد الديني ، كان هناك دعم مالي وإعلامي هائل من شخصيات صهيونية نافذة ، أبرزها الملياردير شيلدون أدلسون الذي موّل جزءًا كبيرًا من حملات ترامب الانتخابية ، وكان من أكثر المتحمسين لنقل السفارة إلى القدس . في المقابل ، نفّذ ترامب التزامات غير معلنة تجاه هذا التيار المالي والإعلامي الذي يملك نفوذًا واسعًا في واشنطن . وهكذا التقت المصالح الانتخابية مع الدينية والمالية في مشروع واحد ، جعل من ترامب الرئيس الأمريكي الأكثر ولاءً لإسرائيل في التاريخ الحديث .
أما من الناحية الفكرية ، فإن ترامب لا يُعرف بتدين شخصي عميق ، لكنه يوظف الدين سياسيًا بذكاء . لقد تبنى خطابًا صهيونيًا مسيحيًا من دون أن يكون مؤمنًا فعليًا به ، فاستخدم لغة “العهد الإلهي” و”أرض الميعاد” ليكسب جمهور اليمين الديني . كان يرى في ذلك وسيلة لتثبيت قاعدته الانتخابية لا التزامًا روحانيًا . أي أن تدينه لم يكن وجدانيًا ، بل براغماتيًا بحتًا يخدم حسابات السلطة .
إخلاص ترامب لإسرائيل لم يكن إذن نابعًا من عاطفة شخصية ، بل من قراءة واقعية لموازين القوة داخل السياسة الأمريكية . فإسرائيل بالنسبة له ليست عبئًا بل رصيدًا استراتيجيًا ، فهي الحليف الذي لا يكلّف واشنطن جنديًا واحدًا ، ويؤدي دورًا مزدوجًا أداة للسيطرة على الشرق الأوسط من جهة ، وجسر للتأثير داخل اللوبيات الأمريكية من جهة أخرى. ومن هنا ، كان يرى أن دعمها المطلق يخدم المصلحة الأمريكية أكثر مما يضرها .
لكن السؤال الأعمق هو لماذا يضع حكام أمريكا ، وليس ترامب وحده ، الأجندة الإسرائيلية فوق المصلحة الوطنية الأمريكية ؟ الجواب يكمن في طبيعة النظام السياسي والإعلامي الأمريكي ذاته . فاللوبي الإسرائيلي ، ممثلًا في لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك) وشبكة من المراكز الفكرية والإعلامية ، يمارسون تأثيرًا ضخمًا على الكونغرس والبيت الأبيض ووسائل الإعلام . أي سياسي يجرؤ على معارضة إسرائيل يعرض نفسه لهجوم ساحق يفقده التمويل والشرعية الإعلامية وربما مستقبله السياسي . لذلك فإن “الانحياز لإسرائيل” صار من ثوابت السياسة الأمريكية التي لا يجرؤ أحد على المساس بها .
إلى جانب ذلك ، تسوّق النخبة الأمريكية لفكرة “التحالف القيمي” بين أمريكا وإسرائيل باعتبارهما دولتين تمثلان “الحضارة الغربية” في وجه “التهديدات الشرقية” الاقل تحضرا ، سواء كانت عربية أو إسلامية او غيرها . وبهذا تغلف المصالح العسكرية والاقتصادية بغلاف ثقافي-ديني يجعلها تبدو وكأنها قدر تاريخي لا خيار سياسي .
ترامب لم يبتدع هذه المعادلة ، لكنه عمّقها وأعطاها صيغتها الصريحة دون تجميل . جعل من دعم إسرائيل معيارًا للولاء الوطني ، ومن معاداة الصهيونية تهمة جاهزة لكل من ينتقد الاحتلال أو يطالب بالعدالة للفلسطينيين او غيرهم من الشعوب المستضعفة . وبهذا المعنى ، فإن “صفقة القرن” لم تكن فقط خطة سياسية ، بل كانت مرآة لذهنية جديدة في واشنطن ترى أن الطريق إلى السلطة يمر عبر تل أبيب ، وأن الدفاع عن إسرائيل هو الطريق الأسرع لاكتساب النفوذ داخل أمريكا نفسها وخارجها ايضا .
لقد اختصر ترامب العلاقة الأمريكية الإسرائيلية في معادلة بسيطة هي من يدعم إسرائيل يفوز في الداخل الأمريكي ، ومن ينتقدها يخسر كل شيء . ولهذا ظل مخلصًا لها أكثر مما كان مخلصًا لمصالح بلاده طويلة المدى ، لأن مكاسب اللحظة السياسية عنده كانت أهم من أي حساب استراتيجي . وهكذا ، لم يكن ترامب حالة شاذة في السياسة الأمريكية ، بل تجسيدًا مكثفًا لاتجاهٍ أعمق جعل من إسرائيل مركز الثقل في القرار الأمريكي ، ومن دعمها معيارًا للنفوذ السياسي في واشنطن ولقيادة العالم بالقوة الباطشة المدعومة من الصهيونية الانجيلية واليهودية علي السواء . بهذه الرؤية والاعتبارات والقناعات يمارس الرئيس ترامب السياسة و بها ينظر لقضايا العالم .

السفير رشاد فراج الطيب السراج

السفير رشاد فراج الطيب السراج. دبلوماسي. وباحث مهتم بالشؤون الدولية والتحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وأفريقيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى