
مقدمةٌ
في هذه الرسالةِ، يكتب صاحبُها من عامِه الخامسِ والأربعينَ إلى الرئيسِ الأميركيِّ دونالد ترامب، لا خصومةً ولا مديحًا، بل شهادةَ إنسانٍ يعيش على هامشِ لعبةٍ كبرى تُدار بأدواتِ القوّةِ. رسالةٌ وجدانيّةٌ – فكريّةٌ، تخلط بين الاعترافِ والصرخةِ، بين همِّ الأبِ ومسؤوليّةِ الإنسانِ، في عالمٍ تصنعه قراراتٌ خفيّةٌ وتديره “ساعةٌ” لا يملك الضعفاءُ التحكّمَ في إيقاعِها.
النص
عزيزي ترامب،
في عامي الخامسِ والأربعينَ، أكتب إليكَ لا خصماً ولا شاكياً، بل إنساناً يرى العالمَ من زاويةٍ لم تُدرَّسْ في المدارسِ، ولا دُوِّنَتْ في كتبِ السياسةِ. أكتبُ لأنّكَ صرتَ، بحكمِ موقعِكَ وصورتِكَ، رمزاً لعالمٍ يمسك بمقدّراتِ الأرضِ، بينما نحن، الذين نحلمُ بالحياةِ، نكاد لا نجدُ سوى رقعةٍ صغيرةٍ نزرعُ فيها نخلةً، أو نحتمي بحلمٍ بسيطٍ لا يكادُ يتنفّسُ.
نحن نمشي تحت شمسٍ واحدةٍ، ونتنفّس هواءً واحداً، لكن حياتَنا تُصنع في غرفٍ مغلقةٍ، بقراراتٍ لا نراها ولا نفهمُها، بعيدةً عن ضحكاتِ أطفالِنا وصمتِنا المليءِ بأسئلةٍ لا تجدُ جواباً.
في طفولتِي، صدّقتُ أنّ المعرفةَ خلاصٌ، وأنّ القراءةَ درعٌ من الظلمِ. التهمتُ آلافَ الكتبِ، كتبتُ، صحّحتُ رسائلَ طلابٍ، وناقشتُ أفكاراً كبرى. كنتُ أظنّ أنّ العالمَ يُبنى على الفهمِ. لكنّي أدركتُ أن ميزانَه يميل لمن يملكُ القوّةَ، وأن القرارَ قد يُتخذُ بلمحِ البصرِ في مكانٍ بعيدٍ، فيغيّر حياةَ ملايينَ لا يعرفون حتى اسمَه.
أطفالُنا يخلدون إلى النومِ، لكن أحلامَهم تُقتلع قبل أن تشرقَ. يضحكون، ثم تُطفأ ضحكاتُهم بقراراتٍ لا تخصّهم. لا يعرفون لماذا يسقط علمٌ فجأةً، أو يُرفع آخرُ. ونحن نراقبُ، صامتين، كيف يصبحُ الحاكمُ الذي لا يقرأُ سيّدَهم، وكيف تصنعون أنتم قواعدَ اللعبةِ وساعتَها التي لا تتوقّف عن قرعِ رؤوسِنا.
لقد صنعتم حكّاماً لم يكونوا سوى واجهاتٍ لسياسةِ الأقوى. رجالاً لم يحملوا غير تكرارِ السيطرةِ، مارسوا علينا حكمَ الغلبةِ، وحوّلوا بلادَنا إلى ميادينَ لصراعاتِكم. لا عدلَ فيها، ولا كرامةَ، بل لعبةٌ تتناقلون فيها السلطةَ، ويبقى الإنسانُ رهينةَ قوانينِ القوّةِ.
غاب عبدُ الناصرِ فجأةً، وتلاشى صدّامٌ في ليلةٍ واحدةٍ. لم يكونا أنبياءَ، لكن زوالَهما السريعَ كشف لنا أنّ وجودَهما كان مجرّدَ ورقةٍ في لعبةٍ، وأنّ مصيرَ الشعوبِ يُدار وفق إيقاعِ “الساعةِ” التي تحملونَها. حياتُنا استمرّت بلا معنى، بلا تفسيرٍ، كأنّنا مجرّدُ أرقامٍ في جداولَ.
أيّها السيّدُ ترامب، أنا أبٌ. أطفالي ينظرون إليَّ ببراءةٍ، ويسألون عن معنى الحياةِ. كيف أعلّمُهم حبَّها، وحياتُنا تُدار بلا رحمةٍ؟ كيف أعلّمُهم أن يحلموا، وأحلامُنا تُجهض قبل أن تولدَ؟ كيف أشرحُ لهم معنى الحرّيّةِ، وهي محجوزةٌ لمن يملكُ القوّةَ وحدَه؟
لقد عرفنا منذ زمنٍ أنّ ما نزرعُه قد يُسلب قبل أن يثمرَ، وأنّ الحلمَ الصغيرَ يُخنق قبل أن يتنفّسَ. نزرع نخلةً، فتُقطع. نحلمُ بسلامٍ، فيُسرق. نحاول أن نحيا ببساطةٍ، فندخل قسراً دوّامةَ السياسةِ.
كلُّ يومٍ يمرّ يعلّمني أنّ العالمَ لا يشبه ما في الكتبِ. إنّه كما يقرّره من يمسكُ بالساعةِ: من يبقى ومن يرحل، من يضحك ومن يبكي. صمتُ أطفالِنا يصرخ أكثرَ من خطبِ السياسيّين، وقلوبُنا تثور في صمتٍ، لأنّ الصوتَ يُخنق قبل أن يبلغَ أحداً.
في عيدي الخامسِ والأربعينَ، لا أكتب لألومَ أو أطالبَ، بل لأشهدَ. الكلماتُ سلاحي، والقلمُ دفتري، والقلبُ برهاني. هذه الرسالةُ ليست طلباً ولا اتّهاماً، بل تسجيلٌ لحقيقةٍ: العالمُ يُصنع بقراراتٍ فوقيّةٍ، بينما نحن نحاول فقط أن نعيشَ.
نحن بين الممنوحِ والمسلوبِ، بين الممنوعِ والمسموحِ، بين الحلمِ المقيّدِ والرغبةِ في الحياةِ. أطفالٌ وأمهاتٌ وآباءٌ يفتّشون عن معنى وجودِهم في عالمٍ يقيس كلَّ شيءٍ بميزانِ القوّةِ.
كلُّ كتابٍ قرأتُه كان محاولةً لفهمِ كيف يمكن للإنسانِ أن يعيشَ في عالمٍ تتحكّم بمفاتيحِه أيدٍ غيرُ مرئيّةٍ. واليوم أعترف: المعرفةُ لا تمنح القوّةَ، لكنّها تجعل الجرحَ أوضحَ. أرى حضاراتٍ تنهار، وأحلاماً تُسلب، وساعاتٍ تُقاس بقدر ما يُنتزع منّا من هواءٍ وضحكةٍ ولحظةِ صمتٍ.
عزيزي ترامب، أكتبُ لك لأقول: إنّنا هنا، نحبّ ونحزن ونضحك ونحلم. نحن بشرٌ من لحمٍ ودمٍ وذاكرةٍ. بنينا حضاراتٍ، ورسمنا خرائطَ النجومِ، ومع ذلك، ما زلنا أسرى بين “تك… تك…” ساعتِكم.
وأريدك أن تعرف أنّ حتى الأحلامَ أصبحت ممنوعةً. ليست هذه رسالةَ يأسٍ، بل صرخةَ إنسانٍ في الخامسةِ والأربعينَ، يرفض أن يتوقّف قلبُه عن الخفقانِ، مهما حاولت الساعاتُ أن تسلبَ نبضَه.




